ملخص
في وقت يكافح فيه السكان لمواجهة الانقطاعات المتكررة للمياه والكهرباء والحر الشديد أثارت المحاولات الرسمية لإظهار التلاحم وبث روح الصمود موجة واسعة من ردود الفعل السلبية.
أدى استمرار المواجهات العسكرية في المناطق الجنوبية من إيران خلال الأسابيع الأخيرة إلى وضع الحياة اليومية لسكان محافظات هرمزغان وبوشهر والأحواز (خوزستان) وسيستان وبلوشستان أمام تحديات جسيمة.
وتوشك هذه الجولة من المواجهات أن تدخل أسبوعها الثالث من الغارات الجوية المتواصلة، بعدما أنهكت سكان المنطقة بشدة تحت وطأة تداعياتها. وفي المقابل، فرضت التغطيات الإعلامية التي تروج لرغبة السكان في استمرار الحرب، وما تسميه السلطات نزوعاً إلى المقاومة، أعباء نفسية إضافية على مواطني محافظات سيستان وبلوشستان وبوشهر وهرمزغان والأحواز، بل وحتى مدن أكثر وقوعاً في الداخل، مثل أراك وشيراز.
وفي بعض المدن، عكس تشكُّل طوابير طويلة أمام محطات الوقود قلق السكان من استمرار المواجهات، في أجواء آخذة في التدهور هذه المرة، خلافاً لما كان عليه الحال خلال حرب الأيام الـ38. وفي خضم ذلك، بلغ الصيادون والمواطنون الذين ترتبط مصادر رزقهم بالبحر مرحلة لم يعد في مقدورهم معها حتى تخزين المواد الغذائية، وباتوا يعيشون ظروفاً تقوم على تدبير احتياجاتهم ساعة بساعة.
ويرى السكان أن الحكومة، بدلاً من تقديم حلول داعمة، اكتفت بإنتاج صور استعراضية توحي باستمرار الحياة في هذه المناطق. ويعدون خطوات مثل زيارة المتحدثة باسم الحكومة للجنوب، أو إرسال قوافل ثقافية ورياضية وإعلامية، مجرد ذر للملح على جراح أناس يعتقدون أن هذه الوجوه الإعلامية، البعيدة آلاف الكيلومترات عن مناطق المواجهات، لا تفعل سوى إطلاق رسائل دعم تخلو من الصدق والحقيقة.
وأدى استهداف جزء من البنى التحتية الحيوية، بما في ذلك محطات تحلية المياه، وشبكات الكهرباء، والطرق، ووسائل الاتصال، إلى تكرار انقطاع الكهرباء والمياه وخدمات الاتصالات، وتحويل العيش في حر الجنوب القائظ إلى معاناة تتفاقم يوماً بعد يوم.
انقطاع واسع للخدمات الأساسية
ألقت الغارات الجوية والصاروخية التي استهدفت منشآت مدنية في جنوب البلاد بظلالها المباشرة على الخدمات الأساسية. ففي هرمزغان، أدى استهداف محطة تحلية المياه في قرية بونجي، غرب جاسك، إلى حرمان ما بين 10 آلاف و20 ألف شخص في 20 قرية من مياه الشرب، ودُمرت محطة الضخ والمحولة الكهربائية التابعة لها.
وسبق ذلك في سيريك أن أدى تدمير خزانات المياه إلى انقطاع المياه عن أكثر من 20 ألف شخص. وأعلن رئيس مجلس محافظة هرمزغان أن تضرر محطة تحلية غنجي أدى إلى زيادة الفاصل الزمني لتزويد القرى بالمياه من 40 يوماً إلى 60 يوماً.
وفاقم انقطاع الكهرباء، في ظل درجات حرارة تراوح ما بين 40 و50 درجة مئوية ورطوبة مرتفعة، من حدة الأزمة. وتشير التقارير إلى انقطاع التيار الكهربائي مرتين أو ثلاث مرات يومياً في هرمزغان، وإلى انقطاعات أطول في المحمرة (خرمشهر) وزاهدان، بحيث يؤدي انقطاع الكهرباء إلى توقف إمدادات المياه وتعطل شبكات الهاتف المحمول، مما يعرض الأطفال وكبار السن لأخطار الإصابة بضربات الشمس.
ويؤكد السكان المحليون أن الحكومة لا تمتلك أي حلول لمواجهة هذه الظروف، وأنها تكتفي بإطلاق الشعارات، وهو أداء لا يلبي حتى الحد الأدنى من متطلبات الحياة اليومية للسكان.
وأدى تضرر أكثر من 116 موقعاً للاتصالات في هرمزغان، إضافة إلى أبراج ومراكز الاتصالات إلى تعطيل شبكات الاتصال. وقدرت الخسائر التي لحقت بالبنية التحتية المدنية في سيستان وبلوشستان بأكثر من ألفي مليار تومان (11.1 مليون دولار)، وتشمل منشآت إنتاجية وقطاع الطاقة ومركبات المواطنين.
شهادات من الجنوب تناقض الرواية الرسمية
فاقمت هذه الأوضاع المشكلات المزمنة التي تعانيها المنطقة، مثل شح المياه والبطالة وضعف البنية التحتية، وزادت من المخاوف المتعلقة بالأمن الغذائي وسبل العيش. وأدى انقطاع الكهرباء إلى توقف عمل المخابز ومستودعات التبريد والمحال التجارية الصغيرة، وتعطل توزيع الخبز والمواد الغذائية.
وقال أحد العاملين في الصناعات النفطية، الذي عاد أخيراً بعد أسابيع من العمل في الجنوب، لـ"اندبندنت فارسية"، إن "الأوضاع في هرمزغان وسيستان وبلوشستان أكثر خطورة بكثير مما تنقله هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية". وأضاف أن المشكلات في جاسك وقشم (جسم) وسيريك وتشابهار وغيرها من المدن التي تعرضت للهجمات لا تقتصر على انقطاع الكهرباء والمياه، بل تشمل أيضاً نقصاً حاداً في المواد الأساسية والاحتياجات المعيشية.
وأوضح أن إغلاق طرق الإمداد أدى إلى ظهور رفوف شبه خالية في عدد محدود من المتاجر التي ما زالت تعمل، وجرى تقنين بيع الخبز في بعض القرى بسبب عدم وصول كميات كافية من الطحين إلى تلك المناطق.
وتعكس التقارير الواردة من السكان وتصريحات المواطنين حجم الأزمة التي تعيشها القرى بوضوح. فقد وضعت الظروف السائدة وحالة الانسداد التي تعيشها هذه المناطق سكان الريف في وضع بالغ الخطورة، فلا هم قادرون على مواصلة العيش في ظل الأوضاع الراهنة، ولا يملكون الإمكانات المالية اللازمة لمغادرة مناطقهم. ويترك هذا المأزق المعيشي آثاراً أشد وطأة، ولا سيما على الأطفال وكبار السن، تتجاوز بكثير ما تعلنه وسائل الإعلام الرسمية.
وأدى النقص الحاد في الأدوية وحليب الأطفال والمواد الصحية إلى جعل الحياة في الجنوب قائمة على تدبير الاحتياجات ساعة بساعة. وأسهمت مغادرة الكوادر الطبية الوافدة في إغلاق عدد من المراكز العلاجية، وهو ما أدى، إلى جانب استمرار الهجمات ونقص وسائل نقل المرضى والمصابين، إلى عجز واضح في تلبية الاحتياجات الصحية.
وقال عدد من سكان قشم لـ"اندبندنت فارسية" إن إغلاق معظم الصيدليات، إلى جانب الطبيعة الجغرافية للجزيرة وتباعد قُراها، تسبب في اضطراب الخدمات الصحية، فيما أكد موظفون في القطاع الصحي أن توقف الرحلات الجوية حال دون إيصال الأدوية والمستلزمات الطبية إلى المنطقة.
ويأتي ذلك في وقت كان فيه رئيس منظمة الغذاء والدواء قد أعلن، خلافاً للواقع السائد في مدن الجنوب، أن الأدوية متوافرة بالكامل ويجري إرسالها إلى تلك المناطق. ويرى السكان أن مثل هذه التصريحات غير المطابقة للواقع تزيد من شعورهم بالعجز وانعدام الحيلة، إذ يجدون أن وعود المسؤولين وتصريحاتهم تختلف تماماً عن الواقع الذي يعيشونه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تحركات استعراضية وتنامي السخط الشعبي
في وقت يكافح فيه السكان لمواجهة الانقطاعات المتكررة للمياه والكهرباء والحر الشديد، أثارت المحاولات الرسمية لإظهار التلاحم وبث روح الصمود موجة واسعة من ردود الفعل السلبية. فقد أجرت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني زيارة إلى عدد من المحافظات الجنوبية، بينها بوشهر والأحواز وسيستان وبلوشستان، شملت رصيف كنارك، بهدف الاطلاع على حجم الأضرار والالتقاء بالسكان، والتقت صيادين وبحارة، ونقلت إليهم رسالة من رئيس الجمهورية تضمنت الإشادة بما وصفه بوحدة السكان وتضامنهم.
غير أن المشاهد التي جرى تداولها أظهرت غضباً واضحاً من أحد البحارة المحليين، الذي عبر بصورة لافتة عن عدم اكتراثه بوجود المتحدثة باسم الحكومة. وحظيت مقاطع فيديو أظهرت برود استقبالها من بعض الصيادين وتجاهلهم لها بانتشار واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، وعدها كثيرون مؤشراً إلى تصاعد السخط الشعبي تجاه هذه التحركات التي يرون أنها بلا جدوى.
ويرى كثير من سكان المنطقة أن مثل هذه الزيارات لا تعدو كونها تحركات استعراضية، لا تخفف من معاناتهم، بل تزيد من حدة استيائهم، ولا سيما مع ظهور مذيعي هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية إلى جانب أجهزة التبريد في جنوب البلاد، وهم يرفعون شعارات عن مشاركة السكان معاناتهم، في مشهد يتناقض مع واقع الأهالي الذين يعيشون من دون كهرباء أو أجهزة تكييف. ويرى السكان أن هذا النهج، في ظل معاناتهم من الحر الشديد ونقص المياه والكهرباء، زاد من غضبهم إزاء محاولات الإيحاء بوجود رغبة شعبية في استمرار الحرب.
وتبين بعد ساعات قليلة من نشر صور قيل إنها التقطت من خطوط المواجهة الأمامية أن مواقع تصويرها تقع على بعد مئات الكيلومترات من المناطق التي تعرضت للهجمات الأميركية. وأدى ذلك إلى إحراج واسع، إذ أخفقت سياسة "إظهار التضامن" منذ بدايتها، ولم تقتصر تداعياتها على الفشل الإعلامي، بل أسهمت أيضاً في إثارة موجة جديدة من الغضب والاستياء بين السكان المحليين.
وفي المجمل، لم يٌؤدِّ استمرار هذه الأوضاع إلى زيادة الضغوط اليومية على السكان فحسب، بل كشف أيضاً عن اتساع الفجوة بين الرواية الرسمية عن المقاومة والواقع الذي يعيشه الأهالي. وعلى رغم أن الحكومة وضعت إعادة إعمار البنية التحتية على جدول أعمالها، وأوفدت لجاناً لتقييم الأضرار، فإن معاناة سكان الجنوب مرشحة للاستمرار إلى حين استعادة الخدمات الأساسية ومعالجة أوجه النقص. وتوثق مصادر محلية ودولية متعددة هذه التداعيات الإنسانية، مؤكدة أن المدنيين هم من يتحملون العبء الأكبر للصراع.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"