ملخص
القوات المسلحة اليمنية بتشكيلاتها كافة، تبدو أمام فرصة حقيقية لاستعادة قدر أكبر من المبادرة إذا حافظت على وحدة القرار وحسن التنسيق والقدرة على إعادة الانتشار، وربطت أي تقدم عسكري بمسار سياسي واضح يستعيد الدولة ممن انقلب عليها ويحميها.
أعتقد أن المشاهد الآتية من جبهات القتال في اليمن، خلال الأيام الأخيرة، لم تعد تشبه تماماً ما اعتاد عليه اليمنيون طوال أعوام الحرب.
في الواقع يمكن القول إن المعادلة التي ظلت، في جانب كبير منها، قائمة على انتظار هجمات الميليشيات الحوثية، ثم التعامل معها دفاعياً، تبدو اليوم أكثر حركة وفاعلية، في ظل عودة الإسناد الجوي للقوات المسلحة اليمنية وتزامن التحركات العسكرية في أكثر من محور وجبهة.
بيد أن استعادة زمام المبادرة لا تعني في تصوري تجاهل طبيعة المعركة أو التقليل من كلفتها، فالهجمات الحوثية الأخيرة أظهرت قدرة الميليشيات على استخدام كثافة نارية وأسلحة متنوعة، والضغط على أكثر من محور وجبهة، وهو ما فرض على القوات المسلحة اليمنية بتشكيلاتها كافة، التعامل مع الواقع الميداني بمرونة على نحو ما، تجمع بين الصمود وإعادة التموضع.
من هنا، تأتي أهمية المرحلة الراهنة باعتبارها اختباراً لقدرة القوات المسلحة اليمنية على تحويل الضغط إلى مراجعة عسكرية منظمة، وتحويل التحديات الميدانية إلى فرصة لإعادة بناء المبادرة على أسس أكثر تماسكاً.
وفي هذا السياق، تكتسب عملية إعادة ترتيب الصفوف وتجميع القوات في الساحل الغربي دلالة تتجاوز كونها إجراء ميدانياً موقتاً، فقد وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق طارق صالح القوات المسلحة في الساحل الغربي بإعادة ترتيب صفوفها، فيما شُكّل مركز قيادة بديل في موقع آمن جنوب مدينة المخا، لإعادة تجميع القوات، بالتشاور مع قيادة "التحالف العربي" و"مجلس القيادة الرئاسي"، وتضم جبهة الساحل الغربي تشكيلات "المقاومة الوطنية" و"العمالقة" و"درع الوطن"، إضافة إلى وحدات محور تعز غرب المحافظة، وهي تشكيلات، وفق طارق صالح، دفعت خلال الأيام الماضية ثمناً بشرياً كبيراً في مواجهة هجوم الميليشيات الحوثية.
في القراءة العسكرية الموضوعية، لا تعني إعادة التجميع بالضرورة تراجعاً، بل قد تكون خطوة ضرورية لاستعادة انتظام القيادة والسيطرة وتوزيع القوات والموارد، وفقاً للمعطيات الجديدة، فالجيوش لا تقيس قوتها فقط بقدرتها على التقدم، وإنما أيضاً بقدرتها على امتصاص الضغوط وإعادة تنظيم صفوفها، ثم العودة للميدان بقرار أكثر إحكاماً.
وأهمية المشار إليه أعلاه، تزداد عندما نضع الساحل الغربي في موقعه الصحيح داخل خريطة الحرب، فالمسألة لا تتعلق بتعز وحدها، وإنما بالاتصال العملياتي بين المرتفعات والساحل، وبما يمثله هذا الاتصال من تأثير في حركة القوات وخطوط الإمداد والمجال الإستراتيجي المحيط بباب المندب، كهدف رئيس تسعى الميليشيا الحوثية إلى تحقيقه، لفرض سيطرتها عليه، ومن ثم على الملاحة في خليج عدن والبحر الأحمر، ولذلك فإن تطورات تعز والساحل الغربي ينبغي أن تُقرأ ضمن صورة أوسع، تتصل بموازين القوة في غرب اليمن بصورة عامة.
في الواقع، قد يكون من الباكر الحديث عن تحول حاسم في مسار الحرب، لكن المؤكد أن هذه الجبهة تظل واحدة من أكثر المناطق حساسية في المعادلة العسكرية، وأن قدرة القوات المسلحة اليمنية على إعادة ترتيبها وتنسيق تشكيلاتها والحفاظ على تماسكها ستؤثر في شكل العمليات المقبلة، وهو ما ستبيّنه الأيام والأسابيع المقبلة، فالجغرافيا العسكرية لا تمنح انتصاراً تلقائياً، لكنها تستطيع، حين تُدار بكفاءة، أن تفتح أمام القرار العسكري خيارات أكثر مما كان متاحاً في السابق.
من هذه النقطة تحديداً، تتضح قيمة التزامن بين الجبهات، فالقوات المسلحة اليمنية بمختلف تشكيلاتها لا تواجه خصماً في جبهة واحدة، وإنما تتحرك في مسرح واسع ومتعدد الاتجاهات، من تعز والساحل الغربي إلى مأرب والجوف والضالع وأبين والبيضاء، وعندما تتكامل الجبهات وتتقارب الأهداف العملياتية، يصبح من الصعب على الميليشيات الحوثية التعامل مع كل جبهة باعتبارها ساحة منفصلة، يمكن تركيز قوتها عليها متى شاءت.
في الواقع لقد استفادت الميليشيات الحوثية طويلاً من تشتت خصومها وقدرتها على استثمار الفجوات بينهم، ولذلك فإن إعادة بناء التنسيق بين القوات وتوحيد الرؤية العملياتية، يمثلان بحد ذاتهما عاملاً مهماً في تغيير شروط المواجهة، وبالطبع فالقوة هنا ليست في كثرة الجبهات فقط، وإنما في قدرتها على أن تعمل ضمن منطق واحد، ليخدم كل محور الهدف الوطني الأوسع.
هذا الأمر الموضح بعاليه يقود إلى حقيقة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة: لا يستطيع جزء من اليمنيين بمفرده مواجهة مشروع مسلح يستهدف اليمنيين جميعاً، فالخطر لا يتوقف عند حدود محافظة أو انتماء سياسي، والميليشيات الحوثية حين توسع نفوذها لا تسأل اليمني عن حزبه أو منطقته أو موقفه، قبل أن تضعه في دائرة مشروعها ]راجع من فضلك مقالتي السابقة في "اندبندنت عربية"[، ولذلك فإن تعدد الجبهات لا يعني تعدد القضايا، وما يجري في الساحل الغربي ليس شأناً يخص أبناء الساحل وحدهم، ومعركة تعز ليست مسؤولية أبناء تعز وحدهم، تماماً مثلما أن الدفاع عن مأرب أو الضالع أو البيضاء لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره قضية محلية.
كل جبهة تقاوم تمدد الميليشيات الحوثية تمثل، في معناها الإستراتيجي، خط دفاع عن بقية اليمن، وكل تقدم تحققه القوات المسلحة اليمنية يكتسب قيمته من قدرته على حماية مساحة إضافية من الوطن، وعليه يصبح السؤال الوطني أكثر أهمية من الأسئلة التي استنزفت اليمنيين طوال أعوام الصراع: أين يقف اليمني عندما يكون وطنه في مواجهة مشروع يريد فرض إرادته بالقوة؟ ليس المطلوب إلغاء الاختلاف السياسي، ولا مطالبة اليمنيين بالتخلي عن قناعاتهم، فالاختلاف حق، والتعدد ضرورة، والنقد السياسي جزء من الحياة العامة، لكن الحكمة في تقديري تقتضي ألا تتحول هذه الاختلافات إلى وقود لمشروع مسلح يستفيد من الانقسام، أكثر مما يستفيد من قوته العسكرية، إذ يمكن لليمنيين أن يختلفوا حول شكل الدولة والسياسات والخيارات المستقبلية، لكنهم يحتاجون في هذه المرحلة بالغة الحساسية والصعوبة إلى أرضية مشتركة، تحمي حقهم جميعاً في أن تكون الدولة صاحبة القرار والسلاح، وأن تظل الجمهورية إطاراً سياسياً جامعاً، لا ساحة تتنازعها المشاريع المسلحة، ولهذا فإن ما يبرز في المواجهات الأخيرة ليس فقط قدرة القوات المسلحة اليمنية على القتال، وإنما قدرتها على إعادة تنظيم نفسها، عندما تفرض المعركة ظروفاً جديدة، فإعادة تشكيل مركز قيادة بديل في الساحل الغربي، بالتشاور مع قيادة "التحالف" و"مجلس القيادة الرئاسي"، وإعادة تجميع القوات في موقع أكثر أمناً، يقدمان مثالاً على أن المرونة جزء من القوة وليست نقيضاً لها.
تستطيع القوات التي إعادة ترتيب انتشارها بعد تعرضها لضغط كثيف، لتكون أكثر قدرة على الحفاظ على تماسكها واستعادة المبادرة، وفي المقابل فإن استمرار التنسيق بين التشكيلات المختلفة يصبح عاملاً حاسماً في منع الخصم من استثمار أي فراغ أو ارتباك، سببه انهيار في المعنويات هنا أو هناك، ومن ثم فإن وحدة القوات المسلحة اليمنية ينبغي أن تكون ممارسة ميدانية، تتجسد في القيادة والسيطرة والتنسيق وتوزيع الأدوار.
في الواقع أرى أن القوات المسلحة اليمنية التي تدافع عن الدولة هي قوات لكل اليمنيين، وكل موقع يثبت فيه جندي يمني هو جزء من معركة أوسع لاستعادة الجمهورية ومؤسساتها، ولذلك ينبغي أن تُقرأ الانتصارات والصمود الميدانيان ضمن مسار أكبر من مجرد السيطرة على موقع أو صد هجوم، فالمكسب العسكري يصبح أكثر قيمة عندما يتحول إلى قدرة على حماية السكان، وتأمين المدن والطرق، وفتح المجال أمام عودة مؤسسات الدولة والحياة الطبيعية، والمواطن اليمني الذي أنهكته أعوام الحرب لا يبحث عن انتصار عسكري مجرد، وإنما عن يوم يصبح فيه الأمن أمراً عادياً، ويستطيع فيه أن يعيش ويعمل ويربي أبناءه، من دون أن يظل مستقبلهم رهناً لجبهة قتال جديدة، وهنا تحديداً تتصل المعركة العسكرية بالغاية الإنسانية التي تستحق أن تُخاض من أجلها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن حماية هذه المكاسب لا تبدأ وتنتهي عند الخنادق، فالجبهة الداخلية تظل موازية للجبهة العسكرية، لأن الميليشيات الحوثية تستطيع الاستفادة من الانقسام الاجتماعي والسياسي بقدر استفادتها من قوتها النارية، والإشاعة قد تحول الاختلاف إلى خصومة، والخصومة إلى كراهية، والكراهية إلى انقسام يصعب ترميمه، ولذلك فإن الإسناد الشعبي للقوات المسلحة اليمنية لا يعني فقط تأييد عملياتها، وإنما حماية المجتمع من الخطاب الذي يحول اليمنيين إلى خصوم دائمين.
المطلوب في تقديري هو وعي يميز بين الاختلاف المشروع والخلاف الذي يتحول إلى خدمة مجانية لمشروع مسلح، فكلما اتسعت مساحة الثقة بين اليمنيين، ضاقت المساحة التي تستطيع الميليشيات الحوثية التحرك فيها عبر استثمار التناقضات الداخلية، وفضلاً عن ذلك فإن حماية الوعي الوطني، وفق ما هو موضح هنا، تصبح جزءاً من حماية الجبهة العسكرية، والمطلوب إثر ذلك ليس إسكات الاختلاف، وإنما منعه من التحول إلى وقود يخدم مشروعاً مسلحاً، فالمجتمع الذي يدرك طبيعة المعركة الوطنية، يستطيع أن يمنح قواته المسلحة إسناداً يتجاوز السلاح، لأنه سيوفر لها البيئة الوطنية الضرورية للاستمرار، وهذا ما يجب أن يحدث، فالهدف في النهاية سيصب في مصلحة اليمنيين جميعاً.
وفي نهاية المطاف، فما يجري في الجبهات إذا جرت مراجعة ما حدث في المخا بصورة دقيقة، يمنح اليمنيين مؤشرات يمكن البناء عليها، من عودة المبادرة العسكرية والإسناد الجوي إلى إعادة ترتيب القوات وتنسيقها، وتزامن العمليات في أكثر من محور وجبهة، لكن التفاؤل المسؤول يقتضي ألا يتحول ذلك إلى إعلان باكر عن حسم الحرب، فالمعارك تتغير، والموازين تحتاج إلى استمرار العمل، حتى تتحول المكاسب إلى نتائج مستقرة.
وما يمكن قوله إن القوات المسلحة اليمنية، بتشكيلاتها كافة، تبدو أمام فرصة حقيقية لاستعادة قدر أكبر من المبادرة، إذا حافظت على وحدة القرار، وحسن التنسيق، والقدرة على إعادة الانتشار، وربطت أي تقدم عسكري بمسار سياسي واضح يستعيد الدولة ممن انقلب عليها، ويحميها.