ملخص
بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016، شنت السلطة التركية حركة تغيير واسعة، فككت الشبكات المحظورة، وشتت المعارضة، وأنهت مفهوم الدولة العميقة، وسط اتهامات تلاحق الحزب الحاكم بأنه فصّل نظام الحكم على مقاس الرئيس رجب طيب أردوغان، وهو ما تنفيه الحكومة رسمياً.
أحيت تركيا منذ أيام، الذكرى السنوية العاشرة لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت مساء 15 يوليو (تموز) 2016، وغيرت وجه تركيا إلى الأبد، سياسياً وعسكرياً وأمنياً، بل وحتى اجتماعياً، إذ أعادت تلك الليلة رسم الخريطة السياسية والدستورية والمؤسسية لتركيا، وأصبح هذا الحدث نقطة تحول جوهرية اتخذها الرئيس رجب طيب أردوغان منصةً لإعادة هندسة الدولة وصياغة هويتها السياسية وفق رؤية دستورية وإدارية مغايرة تماماً لما كانت عليه الحال قبل ذلك التاريخ.
بعد إفشال الإنقلاب، بدأت السلطات التركية حملة مركزة واسعة النطاق، شملت ملاحقات قضائية، وتفكيك شبكات داخلية وإعادة هيكلة القوانين، وعمل أردوغان على تغيير العقيدة العسكرية. وبعد حسم الملف الأمني، توجهت الحكومة إلى الملف السياسي، ففككت المعارضة وفتتتها، حيث عصفت الخلافات الداخلية بين مختلف تيارات المعارضة، وأضحى عدد من قيادييها في السجون، بمَن فيهم الزعيم الشهير أكرم إمام أوغلو، بتهم تتفاوت بين الفساد والتعاون مع تيارات مصنفة على قوائم الإرهاب، وخصوصاً تلك المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وغير ذلك من فضائح ودعاوى تشهير، أدت في مجملها بنهاية المطاف إلى إظهار المعارضة السياسية بصورة ضعيفة متفرقة، لا تقوى على لملمة مسألة داخلية، ناهيك عن محاولة منافسة "حزب العدالة والتنمية" في حكم البلاد، لكن وجهات نظر أخرى ترى أن الوضع المزري الذي وصلت إليه المعارضة كان بتخطيط من أردوغان وكبار رجال حكومته التي تقود البلاد منذ عام 2002.
إنهاء عصر الانقلابات
من داخل أروقة الحزب الحاكم، يقول النائب في حزب "العدالة والتنمية" آيدن أغا أوغلو، لـ "اندبندنت عربية"، إن "الإجراءات التي تلت محاولة الانقلاب الفاشلة لم تكن بهدف الاستئثار بالسلطة أو إقصاء الخصوم، بل كانت عملية تحصين تاريخية وجراحية لسيادة الدولة التركية وحماية أمنها القومي، إذ إن التحول الدستوري الجذري نحو النظام الرئاسي التنفيذي الذي أقره الاستفتاء الشعبي في عام 2017، ودخل حيز التنفيذ فعلياً في 2018، كان استجابةً حتمية لإنهاء عقود من الحكومات الائتلافية الهشة التي شلت نمو تركيا الاقتصادي والسياسي في تسعينيات القرن الماضي، فضلاً عن كونه قطعاً نهائياً مع إرث الوصاية العسكرية التي كبلت إرادة الشعب التركي وصادرت خياراته عبر أربعة انقلابات عسكرية سابقة".
دولة على مقاس شخص أم ثمرة إصلاحات؟
ويؤكد آغا أوغلو أن "تصفية شبكة فتح الله غولن (المصنفة إرهابية في تركيا) كانت خطوة ضرورية لاستعادة نزاهة سلك القضاء والمؤسسة العسكرية والجهاز التعليمي والبيروقراطية الحكومية، بعد أن تعرضت هذه المؤسسات لاختراقات ممنهجة وهادئة على مدى عقود، هددت وحدة الكيان الوطني. وتركيا اليوم بطفرتها الدفاعية المستقلة وصناعاتها العسكرية المحلية التي باتت تصدّر للعالم مثل مسيرات بيرقدار والجيل الخامس من المقاتلات، وبمواقفها الندية والدبلوماسية الصارمة داخل حلف الناتو، هي الثمرة المباشرة للاستقرار السياسي والمؤسسي الذي وفّره النظام الرئاسي المركَّز القرار والمنفّذ للمشاريع القومية الكبرى، أما الحديث عن تفصيل الدولة على مقاس شخص واحد، فهو تجنٍ واضح على الواقع الديمقراطي، إذ إن صناديق الاقتراع والانتخابات التعددية والشفافة لا تزال هي الحكم الفصل والوحيد في شرعية أي سلطة في تركيا".
غطاء الانسداد الديمقراطي
على النقيض تماماً من الرؤية الرسمية، يقدم أنس نزيبلي أوغلو، الناشط السياسي المعارض لحزب "العدالة والتنمية"، قراءة سوداوية وجردة حساب لعقد "ما بعد الانقلاب"، واصفاً المشهد التركي الحالي بأنه "انسداد ديمقراطي بنيوي صُمم بدقة متناهية لضمان ديمومة حكم الحزب الواحد والشخص الواحد". ويرى نزيبلي أوغلو في حديثه لـ "اندبندنت عربية"، أن حالة الطوارئ التي امتدت لعامين عقب ليلة 15 يوليو لم تُستغل لمحاسبة الانقلابيين الفعليين أو حماية الشرعية الدستورية، بل جرى توظيفها بذكاء كـ "غطاء قانوني وسياسي لتقويض الحريات العامة، وتكميم أفواه الصحافة المستقلة، وتأميم وسائل الإعلام عبر نقل ملكيتها لرجال أعمال مقربين من السلطة، فضلاً عن تجميد مساحات الحركة أمام منظمات المجتمع المدني والنقابات العمالية والمهنية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف المعارض التركي أن "حملات الملاحقة والضغوط لم تتوقف عند حدود تيار غولن الذي تفكك وانتهى مؤسسياً واقتصادياً داخل البلاد، بل امتدت لتشمل القوى الديمقراطية المعارضة، إذ يواجه القادة والسياسيون البارزون، وفي مقدمتهم رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو وقيادات أحزاب أخرى، ملاحقات قضائية مستمرة تصفها المعارضة بأنها هندسة سياسية مسيسة لإقصاء أي منافس محتمل قادر على تهديد المقعد الرئاسي في الاستحقاقات الانتخابية. ومن جانب آخر فإن الوضع الاقتصادي الراهن والتضخم المتسارع، وتراجع القوة الشرائية للمواطن التركي وأزمات النقد، هي النتيجة الحتمية لغياب الرقابة البرلمانية الحقيقية، وإلغاء منصب رئيس الوزراء، وغياب مبدأ فصل السلطات الذي أذاب استقلالية البنك المركزي والقضاء في بوتقة القرار الرئاسي الفردي، مما ولّد مجتمعاً يعاني من استقطاب هوياتي واجتماعي حاد".
ثنائية الأبيض والأسود
أما الصحافي التركي بيرات كايا فيرى أن "المشهد التركي بعد 10 سنوات من محاولة الانقلاب يحمل في طياته حقائق مركبة لا يمكن اختزالها في ثنائية الأبيض والأسود، فمن جهة نجحت إدارة أردوغان تاريخياً في إنهاء ظاهرة الدولة العميقة والقطع مع عقيدة الوصاية العسكرية التقليدية، محولةً الجيش التركي إلى مؤسسة تكنوقراطية محترفة تخضع بالكامل للقرار المدني ووزارة الدفاع، وهو إنجاز مؤسسي كبير ينهي عقوداً من رعب الانقلابات العسكرية ويحسَب لمصلحة استقرار مفهوم الدولة الحديثة في المخيلة الجمعية التركية".
ويلفت كايا الانتباه إلى الكلفة السياسية والاجتماعية الباهظة التي دُفعت مقابل هذا التحول المؤسسي، إذ إن "إضعاف المعارضة وتشتت كتلها السياسية عقب الإخفاق الكبير في انتخابات 2023 الرئاسية والبرلمانية لم يكن ناتجاً فقط من الضغط الحكومي الممنهج والتفوق الإعلامي للسلطة، بل يعود في جزء كبير منه إلى عجز النخب المعارضة نفسها عن تقديم مشروع اقتصادي واجتماعي وسياسي بديل يتجاوز سردية 'مناهضة أردوغان' الشخصية لتقديم حلول حقيقية ومقنعة للشارع التركي المتردد حول كيفية إدارة الدولة وضمان أمنها".
بين شيطنة المعارضة والسلام المستدام
وفي شأن تيار غولن وتأثيره الحالي، يوضح كايا أن "التنظيم واجه ضربة قاضية تجلت في المعضلة الوجودية وأزمة الشرعية والقيادة الحادة التي عصفت به، لا سيما بعد وفاة زعيمه الروحي فتح الله غولن في منفاه الأميركي في عام 2024، وتحول الشبكة إلى شتات متناحر ومتصارع في العواصم الغربية على التمويل والنفوذ، مما يعني عملياً سقوط الذريعة الأمنية التي كانت تسوقها السلطة لاستمرار السياسات المتشددة محلياً، لكن التحدي الحقيقي لتركيا المستقبلية لا يكمن في مدى قوة وتماسك النظام الرئاسي، بل في مدى قدرة هذا النظام على الانفتاح السياسي، وفتح مساحات جديدة للتعددية، والتوقف عن شيطنة المعارضة، من أجل احتواء الأزمات الاقتصادية المتراكمة وبناء سلام مجتمعي مستدام".