ملخص
أثارت مشاهد انسحاب عناصر "الفيلق" ومعداتهم العسكرية من كيدال مخاوف جدية في مالي ودول الساحل من فشل نموذج الاعتماد على القوات الروسية في مواجهة الأزمات الأمنية التي تعانيها هذه الدول، لا سيما أن كلفة ذلك باهظة حيث تُقدّر كلفة خدمات "الفيلق الأفريقي" بنحو 10 ملايين دولار أميركي شهرياً لفرقة قوامها نحو ألفي عنصر.
أثارت الأحداث التي شهدتها مالي أخيراً بعد شنّ "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم "القاعدة" الإرهابي هجوماً مُنسّقاً مع "جبهة تحرير أزواد" تساؤلات حول حدود التدخل الروسي في البلاد لا سيما بعد توصّل هذه الجماعات إلى تفاهمات مع "الفيلق الأفريقي" التابع لوزارة الدفاع الروسية من أجل الانسحاب من كيدال التي سقطت بيد الجماعات المسلحة.
وأثارت مشاهد انسحاب عناصر "الفيلق" ومعداتهم العسكرية من كيدال مخاوف جدية في مالي ودول الساحل من فشل نموذج الاعتماد على القوات الروسية في مواجهة الأزمات الأمنية التي تعانيها هذه الدول، لا سيما أن كلفة ذلك باهظة حيث تُقدّر كلفة خدمات "الفيلق الأفريقي" بنحو 10 ملايين دولار أميركي شهرياً لفرقة قوامها نحو ألفي عنصر.
وغداة الهجمات التي أدت إلى مقتل وزير الدفاع في مالي، ساديو كامارا، طلب المتمردون من روسيا الانسحاب الكامل من البلاد، وهو أمر رفضته موسكو التي أكدت استمرار دعمها للمجلس العسكري الحاكم بقيادة الكولونيل آسيمي غويتا.
تعاون سيستمر
تلقّت روسيا أكبر هزائمها في منطقة الساحل الأفريقي بمالي حيث قُتل عشرات من مسلحي "مجموعة فاغنر" شبه العسكرية والخاصة في كمين نصبه لهم الانفصاليون في مدينة تين زاوتين في يوليو (تموز) 2024، فيما اضطرت في هجمات أبريل (نيسان) الماضي إلى سحب عناصرها من كيدال ومدن أخرى بعد تفاهمات مع الجماعات المسلحة، مما يسلط الضوء على حجم التحديات التي يواجهها حضور موسكو في البلاد.
ومع ذلك يرى الباحث السياسي والأمني المالي حمدي جوارا أنه "كان هناك نوع من التخفي للفيلق الروسي بسبب سمعة فاغنر لكن بعد هذه الأحداث والانسحاب الذي ذكرته، على رغم أن 'جبهة أزواد' دعت روسيا إلى التخلي عن مالي، فلم ترفض ذلك العرض فقط بل عززت وجودها بالخروج العلني بعناصرها في عمليات مشتركة في كل نواحي البلاد".
وأوضح جوارا، "صحيح أنه كانت هناك حال صدمة بعد مقتل وزير الدفاع إلا أن الماليين لا يحمّلون روسيا المسؤولية وإنما يرون أن الوزير جازف بنفسه من خلال رفضه الخروج من منزله وسط حي شعبي وذلك وسط غياب لإجراءات أمنية مشددة".
واستنتج أنه "لذا التعاون سيستمر ولن يتغير شيء إلا تصاعد العمليات على الأرض ومواصلة استهداف الإرهابيين والمتمردين".
ضربة سياسية ورمزية
وتسلّط الهجمات الأخيرة الضوء على مخاوف، ليست وليدة اللحظة في الواقع، حيال إمكانية استمرار الدعم الروسي خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، الذي لم تتدخل موسكو من أجل منع انهياره قبل أكثر من عام.
واعتبر الباحث السياسي الروسي ديمتري بريدجيه أن "أحداث مالي كشفت حدود النفوذ الروسي بالفعل، فموسكو تدعم المجلس العسكري الحاكم في باماكو لكن دعمها يبقى محدوداً في محاولات إعادة بناء الدولة المالية أو فرض السيطرة على شمال البلاد، وانسحاب الفيلق الأفريقي من كيدال يمثل ضربة سياسية ورمزية قوية لأن المدينة تمثل رمزاً تاريخياً لتمرد الانفصاليين الطوارق".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأردف بريدجيه أن "هذه التحولات تدل على ضعف سياسات روسيا في ملفات عدة وهذا ما رأيناه في دول مثل سوريا وليبيا وإيران، والأخطر أن الانسحاب جاء في خضم هجوم منسّق شنته 'جماعة نصرة الإسلام والمسلمين' المرتبطة بتنظيم 'القاعدة' و'جبهة تحرير أزواد'، حيث تحاول التنظيمات استنساخ السيناريو السوري عندما سيطرت 'هيئة تحرير الشام' على السلطة".
ولفت إلى أن "المشكلات التي تعانيها مالي لم تعد مجرد تمرد عابر أو تهديدات إرهابية تقليدية بل هي تقاطع ميداني بين جماعات انفصالية وتنظيمات متطرفة تتحدى سلطة باماكو التي تلقت بالفعل ضربات قوية بعد مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، وهو ما يشكل تحدياً رئيساً أمام موسكو وقدرتها على حماية حلفائها في الساحل الأفريقي، لكن يجب الانتباه إلى أن ما حدث لا يعني أن روسيا انسحبت من مالي أو أن نفوذها انهار بالكامل، إذ لا تزال موسكو حاضرة من خلال دعم أمني وسياسي وهي تحاول التعامل مع الانسحاب من كيدال على أنه إعادة تموضع تكتيكية لا هزيمة استراتيجية كاملة".
تحديات صعبة
ومع تقدم المسلحين في دول مثل بوركينا فاسو والنيجر ومالي، بات الحضور الروسي في الساحل الأفريقي أمام مفترق طرق حقيقي لا سيما أن الجيوش المحلية تبدو عاجزة عن صدّ هجمات الجماعات المسلحة.
وقال ديمتري بريدجيه إن "الرسالة الأعمق مما حدث أخيراً هي أن نموذج الدعم الروسي في الساحل الأفريقي يواجه تحديات صعبة الآن في ظل التعقيدات الميدانية ولم يعد الخطاب السيادي الذي تتبناه المجالس العسكرية وحده كافياً في مواجهة هذه التحديات". وأضاف أن "الدعم الروسي قام على ثلاث ركائز أساسية: نشر قوات على الأرض، ودعم الخطاب السيادي الذي تتبناه المجالس العسكرية في الساحل الأفريقي، وتقديم دعم دبلوماسي لهذه الدول، لكن ذلك غير كافٍ في مواجهة التحديات التي تواجهها هذه الدول".