Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التاريخ والأسطورة... سر حضور روايات أسامة الشاذلي

"نبي أرض الشمال" تعيد طرح السؤال عن علاقة الدين بالعلم بين الواقع والمخيلة

رمزية الدين والعلم (سوشيل ميديا)

ملخص

يقدم الروائي المصري المعروف أسامة الشاذلي في روايته الجديدة " نبي أرض الشمال " الصادرة عن "دار الرواق – القاهرة"،  قضية الصراع حول الدين والعلم، في  صيغة سردية متخيلة تسترجع المرويات الشائعة عن يأجوج ومأجوج.

يلاحظ المتأمل في اتجاهات القراءة وخيارات القراء في العالم العربي خلال الأعوام الأخيرة، حجم الإقبال الواسع على الروايات التاريخية وكتب السرديات التي تدور حول أمكنة وشخصيات وأساطير تخلب لب القراء.

وفي مصر التي يمتد تاريخها لآلاف السنوات من الطبيعي أن يصير التاريخ مصدر إلهام للروائيين، وفي هذا السياق أصبح الروائي المصري أسامة عبدالرؤوف الشاذلي، رقماً صعباً في سوق النشر، بعد أن تقدم اسمه إلى صدارة لائحة الكتب الأكثر مبيعاً خلال الأعوام الخمسة الأخيرة. وحظيت أعماله (شمعون المصري – عهد دميانة – يأجوج ومأجوج) بانتشار واسع امتد إلى البلدان العربية كافة بفضل عوامل عدة من بينها بساطة لغة السرد والقدرة على صهر معارف متعددة داخل بوتقة واحدة تجمع الفلسفة والتاريخ وعلوم الجيولوجيا والقصص الديني... إضافة إلى استعمال لغة صوفية تقف على حافة الشعر، وتخاطب عموم القراء، بما يكشف عن تغييرات كبيرة في أفعال التلقي وذائقة القراء.

في روايته الجديدة "نبي أرض الشمال" الصادرة عن "دار الرواق – القاهرة"، يواصل أسامة الشاذلي تقديم مقاربات روائية متخيلة لقضايا وأسئلة معلقة تشغل الجميع حول صراعات الهويات وتناقض السرديات وصراعاتها، لكنه يركز هذه المرة على قضية الصراع حول الدين والعلم، وأهم من ذلك تقديم تمثيل روائي للمرويات الشائعة عن يأجوج ومأجوج.

السرد المتوازي

يلجأ الكاتب في الروائية إلى تقنية السرد المتوازي عبر الجمع بين زمنين مختلفين، الزمن الأول وهو معاصر، يرصد رحلة باحث شاب يسمى عمر القداح من النشأة داخل قرية في دلتا مصر إلى الدراسة في الجامعة، قبل أن يحصل على منحة استكمال لدراسته العليا في مارسيليا نهاية تسعينيات القرن الماضي.

هناك يخوض القداح تجربة حب مع فتاة تدعى إبريال كانت على علاقة سابقة مع أستاذه. وتبلغ الإثارة ذروتها، عند حديث العشيقة الفرنسية عن تورط هذا الأستاذ في مشروع بحثي لمصلحة سلاح الجو الأميركي. لكن اكتشاف هوية أبريال الإسرائيلية، يدفع عمر إلى الابتعاد منها ومواجهة مصيرها الذي تختاره في نهاية الرواية.

أما الزمن الثاني، فهو زمن ضارب في الماضي، يرجع إلى أيام الإغريق الذين استقروا في مارسيليا بين القرنين الرابع والسادس قبل الميلاد. وفي ذلك الزمن، يتابع القارئ تجربة حب موازية تبدأ من ساحة الإغورا في مارسيليا 325 ق.م، جامعة الشاعر قدموس مع أيولا ابنة العالم أنوسطس، كبير إخوة بيثاغورث الذين يعيشون في عزلة ويعتقدون بأنهم صفوة البشر.

تعجب أيولا بقدموس وهو يلقي أبيات من ملحمة الأوديسة، قبل أن يبدأ مغامرة ملاحقتها في الأماكن التي ترتادها، إلى أن تستجيب له، غير أن قصة الحب تتهدد بوجود أنجوس، تلميذ والدها ومساعده الشرير الذي يخطط لإفسادها لكي يتزوج الابنة ويرث مكانة الأب.

 على هامش تلك الرحلة، تتناسل رحلة أخرى تخوضها جماعة بيثياس بغرض الحصول على معدن القصدير، بعد أن امتنع القرطاجيون عن تصديره، على رغم حاجة جيش مقدونيا إليه لصنع السلاح من أجل الحرب.

 يخوض قدموس رحلته مستلهماً رحلة أوديسيوس في الأوديسا، بعدما واجه الملك المحارب وأكلة لحوم البشر، وقاوم رياح "أيولوس"، وتمكن من هزيمة العملاق "بوليفيموس". وعبر العالم السفلي، وصولاً إلى فناء رجاله بفعل غضب "زيوس"، في حين تبدو رحلة بيثياس استعادة لحكاية ذي القرنين.

لعبة المصائر

 يربط الشاذلي بحرفية مصائر الأبطال في الرحلتين، على رغم الفجوة الزمنية الهائلة بينهما. لكنهما يمران على الأرض نفسها في مارسيليا، كما لو أن قصة الحب التي تجمع أيولا مع قدموس، تتكرر، على نحو ما، في القصة التي تجمع أحمد مع عشيقته الفرنسية، تأكيداً لنظرية "تأثير الفراشة" التي تبدو حاكمة في تفكيك النص. فكلما نشأت فجوة أو أزمة نجد لها أصداء تماثلها في الزمن المعاصر.

يصنع الروائي حيلة تجمع بينهما باقتدار. فخلال جولاته لاكتشاف شوارع مارسيليا يشاهد عمر القداح تمثال بيثياس المارسيلي، ويتعرف إلى قصته التي تختلف عن حكاية أخرى ترتبط بتمثال آخر في المدينة لبيثياس الأثيني الذي كان أول من وطئ أرض الشمال. وهي تمثل في الرواية هدفاً نهائياً لرحلة البحث عن القصدير، كما كانت  إيثاكا، وهي أيضاً المكان التي استوعب قصتي الحب.

يغذي الكاتب عناصر السرد الدرامي داخل الرواية، ويميز بين زمنيها بمجموعة من المسارات الفرعية الداعمة. ويملأ الفراغات بالتفاصيل الواقعية التي تخص عالمنا المعاصر، في حين يغذي في المقابل المسار الذي يدور في الماضي بنمط من الحوادث الغرائبية التي تزيد من شغف القراء بتتبع الحوادث ذات النزعات الأسطورية.

وفي إطار معالجة أسئلة الحاضر، يكتشف القارئ الخطابات المضمرة في النص الذي يقاوم التسلط الأبوي، من خلال الصورة التي يقدمها للأستاذ الجامعي داخل مجتمع بطريركي كالمجتمع المصري، وهي لا تختلف كثيراً عن صورة والد عمر التي تتأرجح بين القسوة البالغة والحنان المفرط.

ويؤسس الشاذلي بذكاء لهذا النمط التسلطي ويرده إلى غياب السؤال النقدي في مجتمعاتنا بوجه عام. ويعود بالقارئ لتتبع جذور الخلاف بين الأب والعم الذي يصير طبيباً شهيراً بعدما غادر القرية، من أجل تحصيل العلم والمعرفة، متحرراً من قيود الثقافة التقليدية. كذلك، يؤكد الروائي مسؤولية الأب عن المشكلات التي تتفاقم بين ابنته وزوجها المتشدد دينياً، فهو الذي اختاره من دون رغبة الابنة وبقية أفراد العائلة.

يعطي الشاذلي مساحة منضبطة للجانب الساخر داخل النص، وبطريقة تبرز قدراته في التقاط مقومات المفارقة، سواء كانت ساخرة أو فلسفية. ويتأكد وعيه الحاد

بالثقافة الشعبية ومكوناتها داخل بيئة السرد، سواء عبرالطقوس أو الممارسات وأشكال التراث المادي واللامادي. وهو يستحضرها لتقريب الصورة أمام القراء،

فلا يمكن للقارىء تفادي النظرة التي يملكها المؤلف في شأن التغييرات التي عاشتها مصر خلال النصف قرن الأخير. وكذلك رصد مراحل تسرب جماعات الإسلام السياسي داخل الحياة اليومية ودروس شيوخ المساجد الذين يمثلهم الشيخ رسلان في الرواية، وهو يواجه أسئلة المصلين بمقولات ضعيفة الإسناد، مؤكداً أنه لا يحق السؤال في أمور الغيب.

ضد الثقافة الغيبية

لا يتردد الروائي في إدانة سيادة الثقافة الغيبية ورفض النموذج المتشدد الديني بوجه عام. ويتمثل في شخصية إمام مسجد القرية الذي يرفض الرد على أسئلة الأطفال. ويضع في المقابل شخصية رفيق يساري التقاه داخل القرية (أحمد عقل)، يتسم بالبساطة والزهد، فيبدو أمام عمر كامتداد لشخصية العم الذي قرأ مذكراته التي أهداها إلى "العلم نبي هذا الزمن".

ويفتح عقل أمام عمر آفاقاً معرفية واسعة، تقوده إلى الإيمان بأن الولاء ينبغي أن يكون للعقل، كما أن هناك مسؤولية أخلاقية للعالم والمثقف الراغب في مواجهة السائد.

ويساعده رفيقه في السكن الجامعي في مارسيليا (رحماني) في امتلاك معرفة متوازنة لا تنكر قيمة العلم وتستهدف التصالح بينه وبين الدين، فالعلم كما يراه "نبي كاذب لو دعاك إلى الجحود بدلاً من الإيمان".

ويقدم رحماني صورة تقليدية عن المسلمين الملتزمين دينياً في بلاد الغرب، فهم على رغم ما لديهم من حوافز، يفضلون العزلة. لذلك توقعهم تلك الصورة في شبهة التورط في عمل إرهابي، لكن رحماني يثبت براءته ويتفرغ لكتابة رواية عن تجربته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هكذا تستعيد الروائية الأسئلة ذاتها التي حملتها الرواية العربية طوال قرن كامل في شأن العلاقة مع الثقافة الغربية، وتسترجع الهموم التي طرحها توفيق الحكيم في "عصفور من الشرق" أو يحيى حقي في "قنديل أم هاشم" وسهيل إدريس في "الحي اللاتيني" والطيب صالح في "موسم الهجرة إلى الشمال"... وكلها تقوم على مقارنة أوضاع الذات بأوضاع الآخر، وهي مقارنة أساسية ومتكررة في كتابة الرحلة منذ الطهطاوي إلى الآن، لكن "نبي أرض الشمال" لا تتردد في إدانة النخب الثقافية في مجتمعاتنا العربية لأنها "تتزين بالمعرفة وتفتقر إلى المنطق".

ويزيد المؤلف من عناصر الفانتازيا والغرائبية التاريخية التي تبدو وسيلة سردية، تلائم الجيل الجديد الذي يتلقى معارفه التاريخية من خلال الصور السينمائية، كما في أفلام كريستوفر نولان وغيره. ولذلك يغرق المسار التاريخي داخل الرواية في سلسلة من التنبؤ والأساطير والرؤى، ومن بينها أسطورة طريق الحج الذي ابتكره الإغريق والرومان، معتقدين بأن نهاية الأرض من جهة الغرب، أو أسطورة بحيرة الشيطان التي تصدر منها دموعه مجسدة في غاز الميثان. وكذلك الأساطير المرتبطة بما تعنيه بعض الأرقام، والنظر إلى الحشرات والطيور والأسماك على أنها أرواح البشر. وهيأ الكاتب قارئه لهذا النمط عبر إغراق النص بفيض من الرؤى والأحلام تقود سلوك الأبطال في الجزء المعاصر.

 عموماً تنطوي كتابة أسامة الشاذلي على كثير من المحفزات التي تبرر الإقبال على أعماله. فهي تتسم بسلاسة الحكي وخفة الانتقال من شخصية إلى أخرى، فضلاً عن الحفر داخل الشخصيات الرئيسة واللجوء إلى ما يمكن وصفه بـ "رواية المقولات" التي تراهن على ما تخلقه اللغة الصوفية من تأثيرات إيجابية لدى المتلقي. فاللغة الصوفية بما فيها من آفاق شعرية تبدو بوابة مضمونة للدخول إلى القراء الذين يستنسخون بعض العبارات من نوعية الجمل التالية "المعرفة هي ذلك النور الأزلي الذي سبقنا إلى العالم"، أو عبارة "لو أنّ هناك جداراً في الشمال، فهو جدار الخوف من المجهول ولو أن هناك ظلاماً وراءه فهو ظلام الجهل"، وغير ذلك من العبارات التي يسهل الترويج لها على منصات التواصل الاجتماعي.

شخصياً، تمنيت أن تكون مساحة الحوار في الرواية أقل مما هي عليه، كما لم أجد مبرراً للتسوية التي قدمها الروائي للصراع المحتدم في عقل البطل بين العلم والدين، فهي تسوية لا تتجاوز ما طرحه يحيى حقي في "قنديل أم هاشم".

أخيراً أتساءل مع قراء أسامة الشاذلي، هل يمكن أن يذهب بمشروعه الروائي إلى كتابة رواية معاصرة لا تستند إلى حدث أو أسطورة تاريخية؟

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة