Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حرية القراءة في مهب الرقابة البريطانية

سحب كتب تتناول قضايا مجتمع الميم من مكتبات المدارس وتقييد مجالس محلية يقودها حزب "ريفورم" تتصاعد الضغوط الرامية إلى فرض الرقابة على المطبوعات

كتاب "وأصبحت" لميشيل أوباما من بين مئات الكتب التي سُحبت من رفوف المكتبات (أ ف ب/غيتي)

 

ملخص

تشهد بريطانيا تصاعداً مقلقاً في الضغوط الرامية إلى فرض الرقابة على الكتب، سواء في المدارس أو المكتبات العامة. وبينما تكفي أحياناً شكوى واحدة لسحب كتاب من الرفوف، يحذر المدافعون عن حرية التعبير من أن تقييد الوصول إلى الكتب، خصوصاً تلك التي تعكس تجارب ووجهات نظر متنوعة، يهدد الحق في القراءة الحرة ويقوض قيم الشمول والتفكير النقدي.

في العام 2025 وحده، سُحبت مئات الكتب من رفوف المكتبات في أنحاء المملكة المتحدة في محاولات لفرض الرقابة عليها. ومن بين هذه الكتب مذكرات ميشيل أوباما "وأصبحت"، وسلسلة "توايلايت" لستيفاني ماير، و"موسيقى الروح" لتيري براتشيت.

ويصادف هذا الأسبوع "أسبوع الكتب المحظورة"، وهو فعالية تحتفي بالحق في القراءة بحرية. وخلال الأعوام الأخيرة، انصب الاهتمام بدرجة كبيرة على الرقابة في الولايات المتحدة، حيث تصاعدت حملات حظر الكتب إلى حد تسجيل رقم قياسي بلغ 7370 عنواناً مختلفاً جرى الطعن في محتواها خلال العام الدراسي 2025 - 2026، وفقاً لمنظمة "بن أميركا"، فيما بات بعض أمناء المكتبات يواجهون حتى تهديدات بالعنف.

لكن ما يحظى باهتمام أقل هو الرقابة على الكتب في المملكة المتحدة. ففي أكاديمية لوري بمدينة سالفورد في مانشستر الكبرى، استُهدِف أكثر من 130 كتاباً، وارتفع العدد إلى نحو 200 عند احتساب أعداد الروايات المصورة. وفي الوقت نفسه، طُلب من مكتبات تابعة لبعض المجالس المحلية التي يقودها حزب "ريفورم" إزالة العروض الخاصة بشهر الفخر. وتحدث مؤلفون عن إلغاء زياراتهم المدرسية.

وأُعيد إطلاق "أسبوع الكتب المحظورة" في المملكة المتحدة عام 2025 بعد أعوام من التوقف، وتقوده منذ ذلك الحين منظمة "مؤشر الرقابة" المعنية بحرية التعبير، إلى جانب ائتلاف من المنظمات المدافعة عن الحق في القراءة بحرية. وجاءت عودته في ظل تنامي المخاوف في شأن الرقابة على الكتب في البلاد، فيما توالت التقارير التي توثق هذه الممارسات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في عام 2024، قدت تحقيقاً مشتركاً مع منظمة "مؤشر الرقابة" حول واقع الرقابة في مكتبات المدارس البريطانية، ونشرته صحيفة "اندبندنت" بالتعاون مع المنظمة. وقبل بدء التحقيق، قال لي كثر إنني لن أعثر على شيء يذكر، وإن الأمر لا يتجاوز حالة أو حالتين حظيتا بتغطية إعلامية. لكن النتائج كشفت واقعاً مختلفاً تماماً.

فقد أفاد أكثر من نصف أمناء مكتبات المدارس الذين شملهم الاستطلاع بأنهم تلقوا طلبات لإزالة كتب من مجموعاتهم. ومن بين هؤلاء، قال 56 في المئة إنهم أُجبروا بالفعل على سحب الكتب المعنية. وكانت نسبة كبيرة من الكتب المستهدفة تتناول مواضيع مرتبطة بمجتمع الميم. ولم تقتصر الضغوط على طلبات السحب المباشرة، إذ أبلغني كثر من أمناء المكتبات بأنهم مارسوا رقابة ذاتية، وأحجموا عن شراء بعض الكتب خشية أن يؤثر ذلك في وظائفهم.

كان ذلك قبل عامين، لكن الوضع ازداد حدة منذ ذلك الحين. ففي وقت سابق من عام 2026، أخبرتني أمينة مكتبة مدرسية، أطلقت عليها اسم "إميلي" حفاظاً على هويتها، بأن 200 كتاب سُحبت من رفوف مكتبتها بعدما اعترض مدير المدرسة على وجود كتاب "الرجال الذين يكرهون النساء" للكاتبة لورا بيتس ضمن الكتب المتاحة للطلاب الأكبر سناً. وكانت إميلي قد طلبت شراء هذا الكتاب غير الروائي بعد مشاركتها في دورة تدريبية حذرت من تصاعد ظاهرة كراهية النساء في المدارس.

وعقب ذلك، أطلقت إدارة المدرسة مراجعة شاملة لمحتويات المكتبة، استهدفت الكتب غير المكتوبة أساساً للأطفال، لا سيما تلك التي رأت أنها قد تكون مقلقة لهم أو غير مناسبة لأعمارهم أو تشكل خطراً على سلامتهم. وفتحت تحقيقاً مع إميلي نفسها. وأسفرت هذه الإجراءات عن سحب عدد من الكتب الموجهة إلى اليافعين، إضافة إلى عناوين أخرى، منها رواية مصورة مقتبسة من رواية "1984" لجورج أورويل، ومذكرات ميشيل أوباما "وأصبحت".

وبعد فترة وجيزة، فقدت إميلي وظيفتها، بل صنفتها السلطة المحلية على أنها تشكل خطراً على سلامة الأطفال، لمجرد قيامها بعملها. وقد اطلعت على كم كبير من الأدلة، بينها إقرار من المدرسة بأنها استخدمت الذكاء الاصطناعي لتبرير سحب الكتب المدرجة على قائمتها. ولم تستجب المدرسة ولا مؤسسة "يونايتد ليرنينغ تراست" لطلبات التعليق، قبل أن تعلنا لاحقاً إعادة بعض الكتب إلى الرفوف من دون الكشف عن عناوينها.

وعلى رغم أن هذه الحالة كانت استثنائية، فإن كتّاباً من مجتمع الميم أفادوا بإلغاء فعاليات لهم في المدارس، أو بمنع بعض التلاميذ من حضور محاضراتهم، أو بطلب عدم التطرق إلى أي مواضيع تتعلق بمجتمع الميم.

ثم جاء الربيع حاملاً معه مؤشرات إلى امتداد الرقابة لتشمل المكتبات العامة أيضاً. فبعد بداية متعثرة عام 2025، عندما زعم أعضاء من حزب "ريفورم" في مقاطعة كِنت أنهم أزالوا جميع الكتب التي تتناول قضايا التحول الجنسي من أقسام الأطفال، وهو ادعاء غير صحيح، عادت بعض المجالس المحلية التي يقودها الحزب في إنجلترا هذا الصيف إلى اتخاذ إجراءات استهدفت الكتب من جديد.

ففي يونيو (حزيران)، وهو شهر الفخر الذي يحتفي فيه مجتمع الميم بهويته وتاريخه، قال قادة حزب "ريفورم" في مجلس مقاطعة إسيكس إن المكتبات ينبغي أن تكون "مساحات محايدة"، ووجهوا الموظفين إلى تعليق الترويج للفعاليات التي لا ترتبط مباشرة بأنشطة المكتبات. ولاحقاً، قال زعيم المجلس بيتر هاريس إن بعض الكتب والمواد التي اطلع عليها ضمن عروض شهر الفخر كانت "غير مناسبة".

أما مجلس مقاطعة ستافوردشير، الذي يقوده حزب "ريفورم"، فأعلن في يونيو أن مكتباته لن تنظم عروضاً للكتب أو المواد المرتبطة بشهر الفخر، واصفاً ذلك بأنه "نهج موحد" في جميع مكتبات المقاطعة. وأوضح أن العروض ستركز على "الخدمات الأساسية للمكتبة والخدمات المحلية والقراءة والتعلم".

وفي ووريكشير، ذهب زعيم مجلس الحزب جورج فينش أبعد من ذلك، معلناً عزمه وضع سياسة تهدف إلى "تعزيز الحياد" داخل المكتبات. وقال إن مكتبات المجلس ينبغي أن تكون "محايدة سياسياً" و"موائمة للعائلات"، وألا "تروج لأيديولوجيات سياسية".

وردت منظمة "ووريكشير برايد" بالقول: "المكتبات وجدت لإتاحة الوصول إلى المعرفة والمعلومات والأدب ووجهات النظر المتنوعة. والإيحاء بأن الكتب أو الموارد التي تعترف بوجود أفراد مجتمع الميم تقوض الحياد هو أمر مضلل وخطر في آن واحد. فالتمثيل ليس تلقيناً، والشمول ليس دعاية سياسية".

ولم تُسحب أي كتب فعلياً من المكتبات العامة البريطانية خلال شهر الفخر، لكن تقييد عرضها أو الترويج لها يبعث برسالة مقلقة مفادها أن مكان هذه الكتب يجب أن يكون بعيداً من الأنظار. وبالتبعية، يوحي الأمر ذاته بأن الأشخاص الذين تمثلهم تلك الكتب ينبغي أن يظلوا أيضاً في الظل. وتخضع بعض هذه المجالس حالياً لمراجعات تتعلق بالمساحات المخصصة لعرض الكتب داخل المكتبات.

ونحن الآن في مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، الشهر الذي يُحتفى فيه بـ"شهر تاريخ السود". ووفقاً للقواعد التي وضعتها هذه المجالس نفسها، قد تصبح العروض المرتبطة بهذه المناسبة عرضة للاستهداف أيضاً. فقد قال رئيس مجلس مقاطعة ووريكشير، جورج فينش في مقابلة مع إذاعة "إل بي سي" إنه لا يرى مبرراً للاحتفاء بـ"شهر تاريخ السود"، معتبراً أن "التاريخ هو التاريخ" وأن "الأمور السيئة تحدث"، مضيفاً أنه لا يقتصر على مشاهدة أفلام نيلسون مانديلا خلال هذا الشهر. وسيكون من المثير للاهتمام معرفة ما إذا كان موقفه من العروض المرتبطة بالمناسبات سيتغير عندما يحل موعد "أحد الذكرى" أو المناسبات الواردة في التقويم المسيحي.

وعلى خلاف الولايات المتحدة، حيث تقود جماعات ضغط مثل "أمهات من أجل الحرية" ومسؤولون حكوميون حملات لحظر كتب معينة، لا توجد أدلة تشير إلى أن جماعات منظمة تقف وراء الدفع نحو الرقابة على الكتب في المملكة المتحدة. وبدلاً من ذلك، يأتي معظم الضغط من أفراد، مثل أولياء الأمور ومديري المدارس، أو من أعضاء المجالس المحلية المنتمين إلى حزب "ريفورم" الذين يحملون قناعات محددة في شأن ما ينبغي الترويج له وما لا ينبغي الترويج له.

وغالباً ما تبدأ قرارات الحظر بشكوى واحدة. ففي مقاطعة دورسِت العام الماضي مثلاً، أدت شكوى من أحد أولياء الأمور إلى حذف الرواية الحائزة جوائز "الكراهية التي نمنحها" للكاتبة أنجي توماس من قائمة القراءة لطلاب الصف الـ10. واعتبر ولي الأمر أن الرواية تتضمن محتوى جنسياً وألفاظاً نابية، وتصور البيض على أنهم "الأشرار". وبعد موجة من الاعتراضات وعريضة احتجاج، أعلنت المدرسة أنها ستعيد الكتاب إلى القائمة.

وتعكس هذه القصة إلى حد بعيد ما سمعته من أمناء مكتبات المدارس في مختلف أنحاء البلاد. فحين يعترض شخص واحد على كتاب ما، يُسحب سريعاً من الرفوف، وأحياناً توضع أقسام كاملة من الكتب في صناديق وتُبعد عن الأنظار. وفي نهاية المطاف، يعتمد الأمر على مدى دعم إدارة المدرسة للمكتبة، إذ لا توجد سياسة قانونية ملزمة تنظم عمل المكتبات المدرسية.

ويُعد الاحتفاء بحرية القراءة جزءاً من مقاومة حظر الكتب. ففي هذا الأسبوع، تنظم المكتبات والمدارس ومتاجر الكتب في مختلف أنحاء البلاد عروضاً خاصة في مناسبة "أسبوع الكتب المحظورة"، وتقيم فعاليات وتسلط الضوء على الكتب التي تعرضت للرقابة.

وهي بذلك تحتفي بفكرة مفادها أن تنوع المجموعات المكتبية يعزز الشمول والتفاهم، ويشجع على التفكير النقدي. لكن الرقابة على الكتب تتسلل ببطء إلى هذا البلد، وهو أمر لا ينبغي أن نغض الطرف عنه.

فلحظر الكتب تاريخ طويل ومقلق، يمتد من محاكم التفتيش إلى الأنظمة الاستبدادية. ولعل المثال الأشهر هو ألمانيا النازية، حيث أُحرقت علناً عام 1933 الكتب التي عدت "معادية لألمانيا". ولا شك أننا لا نزال بعيدين جداً عن تلك المرحلة، لكن أصداء التاريخ لا تزال تتردد. ولمنعها من أن تصبح أكثر صخباً، علينا جميعاً أن نظل يقظين إزاء خطر ترسخ الرقابة في مدارسنا ومكتباتنا.

للمزيد من المعلومات، يمكن زيارة موقع حملة "أسبوع الكتب المحظورة في المملكة المتحدة"، التي تقودها منظمة "مؤشر الرقابة".

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة