ملخص
بعد عام على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، لا تزال إعادة الإعمار رهينة حسابات سياسية ومماطلة إسرائيلية وتردد أميركي، فيما يرزح أكثر من مليوني فلسطيني تحت وطأة الدمار والعنف وانعدام الأفق. ويحذر خالد الجندي من أن استمرار هذا الجمود قد يقود إلى تهجير الفلسطينيين وتجدد الحرب، ويقوض حل الدولتين. وبينما تتآكل صدقية واشنطن وتتعمق عزلة إسرائيل، يبقى إنقاذ غزة مرهوناً بضغط أميركي حقيقي يفرض تنفيذ الاتفاق ويفتح الطريق أمام التعافي والسلام.
بعد مرور عام على إبرام إدارة ترمب اتفاقاً لإنهاء الحرب في غزة، لا يزال الفلسطينيون ينتظرون بزوغ فجر "اليوم التالي". فقد أدت خطة وقف إطلاق النار المبرمة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى تحرير آخر الرهائن الإسرائيليين، ووضعت في ظاهرها حداً للأعمال العدائية، لكن إسرائيل لم تتوقف يوماً عن شن غارات على أهداف في غزة، مسفرة في كثير من الأحيان عن مقتل مدنيين، وقع من بينهم نحو 300 طفل خلال العام الماضي، ونصت الاتفاقية على تنفيذ عملية سياسية تدريجية من المفترض أن تساعد في إعادة إعمار القطاع المدمر.
وقد وعد جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب والمسؤول عن شؤون الشرق الأوسط، في يناير (كانون الثاني) من هذا العام بأن تبدأ عملية إعادة تأهيل الخدمات الأساسية والبنية التحتية - بما في ذلك شبكات المياه والصرف الصحي، وشبكات الكهرباء، والمستشفيات، والمخابز - في غضون 100 يوم. ومع ذلك، مرت تسعة أشهر دون أن تشهد غزة أي إعادة إعمار أو استعادة للخدمات الأساسية، أو حتى نهاية لدوامة العنف اليومي. بدلاً من ذلك، لا تزال الغالبية العظمى من سكانها محشورة داخل مدن خيام قذرة ومترامية الأطراف تمتد على طول شريط ساحلي ضئيل، لا ينفك يتقلص، وهي تعاني الأمراض وتفشي القوارض، وتواجه نقصاً حاداً في الغذاء والدواء والمياه النظيفة وإمكان الوصول إلى مرافق الصرف الصحي الأساسية.
صحيح أن المجاعة لا تعصف بسكان غزة كما في السنوات السابقة، لكن الوضع الإنساني لا يزال كارثياً، وهو وضع لا يمكن أن يدوم. ومن المحتمل جداً أن تفضي هذه الظروف التي لا تطاق إلى اندلاع موجة جديدة من العنف، وأنها تمهد الطريق لتحقيق النتيجة النهائية التي يتمناها عديد من القادة الإسرائيليين: وهي تهجير أكثر من مليوني فلسطيني من سكان غزة بصورة نهائي من القطاع.
وفعلاً، يبدو أن الوضع الراهن يناسب القيادة الإسرائيلية. ففي مقابلة حديثة، كشف نيكولاي ملادينوف، الدبلوماسي البلغاري الذي يشغل منصب الممثل الأعلى لمجلس السلام الذي شكله ترمب للإشراف على خطة السلام الخاصة بغزة، عن المعوق الرئيس الذي يحول دون إحراز تقدم. وأشار ملادينوف بحذر إلى أن التزامات إسرائيل هي "النقطة الذي نجد أنفسنا عالقين عندها بعض الشيء في الوقت الحالي"، وألقى كوشنر باللوم على "الانتخابات المجنونة" التي ستجري في إسرائيل في أواخر هذا الشهر، معتبراً أنها جعلت حكومة نتنياهو "غير عقلانية بعض الشيء" في ما يتعلق بغزة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم أن الاعتبارات الانتخابية هي بلا شك عامل مؤثر، إذ يخوض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حملة إعادة انتخاب حامية الوطيس، بل مصيرية بالنسبة إليه، فإن مجمل التصريحات والأفعال الإسرائيلية تدل على شيء أعمق وأكثر إثارة للقلق: ففي نهاية المطاف، لا تتعلق استراتيجية حكومة نتنياهو بتحقيق الاستقرار في غزة أو حتى نزع سلاح "حماس" بقدر ما تتعلق بجعل المنطقة غير صالحة للسكن وطرد سكانها منها.
وسواء إدارة ترمب شريكة في هذا الهدف أم لا، فإن الاعتبار الاستثنائي الذي توليه لحكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة، ولامبالاتها بصورة عامة بمحنة الفلسطينيين، يسهمان في دفع الأمور نحو هذه النتيجة بالذات. وما لم تكن الولايات المتحدة وحلفاؤها وشركاؤها مستعدين لإجبار إسرائيل على الالتزام بتعهداتها، فقد يكون فقدان غزة إلى الأبد مسألة وقت لا غير.
جحيم على الأرض
إن ما قاسته بغزة وسكانها البالغ عددهم نحو 2.2 مليون نسمة على مدى السنوات الثلاث الماضية من موت ودمار ومآسٍ محنة يتعذر وصفها. في أعقاب الهجوم الإرهابي الذي شنته حركة "حماس" على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، تعهد القادة العسكريون والسياسيون الإسرائيليون بـ"تسوية" غزة بالأرض وتحويلها إلى "مدينة خيام"، وتوعدوا بألا "تعود غزة أبداً إلى ما كانت عليه". وقد نفذوا وعيدهم. فقد أسقط فوق غزة 223 ألف طن من المتفجرات - تعادل قوتها تقريباً قوة القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما 15 مرة - أسفرت عن مقتل ما يزيد على 74 ألف فلسطيني معظمهم من المدنيين، وحولت الجزء الأكبر من غزة إلى أنقاض. وقد أدى الهجوم الإسرائيلي، الذي تحاكم إسرائيل بسببه حالياً بتهمة ارتكاب إبادة جماعية أمام محكمة العدل الدولية، إلى تدمير نحو 92 في المئة من مساكن غزة، و95 في المئة من أراضيها الزراعية، وجميع جامعاتها الـ12، وما يقارب نصف مستشفياتها البالغ عددها 36 مستشفى - أو بعبارة أخرى، المؤسسات والبنية التحتية اللازمة لضمان استمرار الحياة.
بعد كل هذا الدمار، شكل وقف إطلاق النار الذي أبرم العام الماضي مصدر ارتياح بطبيعة الحال. وفي إطار المرحلة الأولى من الخطة التي وضعها ترمب لغزة، اتفق الطرفان على الوقف الفوري لجميع الهجمات العسكرية، وتبادل الرهائن والأسرى، وإعادة الخدمات الأساسية، وزيادة المساعدات الإنسانية بصورة كبير، لكن إن استثنينا إخلاء "حماس" سبيل الرهائن الإسرائيليين، فإن معظم هذه الالتزامات لم تنفذ إلا جزئياً.
وتفترض المرحلة الثانية، التي أطلقت رسمياً في يناير على رغم أن إسرائيل لم تكن قد أوفت بعد بالتزاماتها المنصوص عليها في المرحلة الأولى، إرساء الاستقرار في غزة من خلال نشر قوة دولية وإنشاء هيئة حكم فلسطينية تكنوقراطية، تعرف باسم "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، إلى جانب النزع التدريجي لسلاح "حماس" والانسحاب التدريجي للقوات الإسرائيلية. وتشكل هذه الخطوات الأخيرة مجتمعة الشروط المسبقة لإعادة إعمار قطاع غزة على المدى الطويل، على النحو المنصوص عليه في المرحلة الثالثة.
بعد مرور عام كامل على إعلان وقف إطلاق النار، تواصل إسرائيل منع دخول الهيئات الفلسطينية المسؤولة عن الحكم وأعمال الشرطة، التي من شأنها أن تسمح لحركة "حماس" بالتخلي عن السلطة وأن تبدأ عملية إعادة الإعمار. ولا تزال "حماس" وإسرائيل على خلاف في شأن جدول نزع سلاح الحركة والانسحاب الإسرائيلي. وعلى رغم تحسن الوضع الغذائي منذ المجاعة التي شهدها القطاع العام الماضي، تواصل إسرائيل تقييد المساعدات الإنسانية، فلا تسمح بدخول سوى جزء ضئيل من الشحنات اليومية اللازمة بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، والتي تبلغ 600 شاحنة. في المقابل أكثر من 90 في المئة من سكان غزة هم نازحون داخل القطاع.
علاوة على ذلك، منذ وقف إطلاق النار، وسع الجيش الإسرائيلي سيطرته من جانب واحد على نصف أراضي غزة أو أكثر بقليل، إلى نحو 65 في المئة منها، وأودت الغارات الجوية المتكررة التي تشنها إسرائيل بحياة أكثر من 1400 فلسطيني منذ إعلان وقف إطلاق النار. إن استمرار ارتفاع حصيلة القتلى خلال فترة وقف إطلاق النار هو دليل على الواقع القاتم الذي أصبح الحالة المعتادة الجديدة في غزة. وكما قالت مبعوثة الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط سيغريد كاغ، فإن "ظروف المعيشة في غزة هي مثل الجحيم على الأرض بلا أمل في حدوث تغيير ملموس في الأفق".
العنف الإسرائيلي المستمر الذي يمنع غزة من تحقيق انتعاش وإعادة إعمار حقيقيين، ولكنه يظل دون المستوى الذي يثير ضجة دولية كبيرة هو في غاية حد ذاتها بالنسبة إلى نتنياهو
ليست إسرائيل وحدها المسؤولة عن استمرار الظروف الجهنمية في غزة. فـ"حماس" تتحمل أيضاً جزءاً من المسؤولية. فقد أمضت قيادة "حماس" أشهراً طويلة في مقاومتها المتعنتة لمطالبات نزع السلاح التي تنص عليها خطة ترمب، ولم توافق في النهاية على ذلك إلا تحت ضغط شديد من مصر ووسطاء آخرين، وتتحمل إدارة ترمب جزءاً كبيراً من المسؤولية. فقد سمحت بتعثر العملية السياسية، وهي تطلق يد إسرائيل إلى درجة هائلة، إضافة إلى أنها منحازة بصورة كبيرة في تطبيقها لشروط وقف إطلاق النار. وقد سمحت فعلياً لإسرائيل بمواصلة حربها في غزة، وإن كان ذلك على نطاق أضيق.
قبل بضعة أشهر فحسب، بدا أن حال الجمود قد انكسرت أخيراً. في أواخر يوليو (تموز) الماضي، أعلن ترمب عن تحقيق تقدم كبير في تنفيذ المرحلة الثانية من خطته الخاصة بغزة. فبعد سبعة أشهر من المفاوضات المضنية والمشحونة، توصلت "حماس" ومجلس السلام إلى اتفاق في شأن نزع سلاح الجماعة المسلحة الفلسطينية، مما يمهد الطريق، في الأقل نظرياً، لبدء أعمال الإغاثة وإعادة الإعمار الملحة، فضلاً عن دخول أجهزة حكم وشرطة فلسطينية جديدة. كان نجاح الخطة يتوقف على تنفيذ سلسلة من الأحداث المدروسة: كان من المقرر أن تنزع "حماس" سلاحها بالتوازي مع الانسحاب العسكري الإسرائيلي، وهي خطة صممت لضمان إحراز تقدم ومنع أي من الطرفين من تعطيل العملية.
إن موافقة حركة "حماس"، التي قامت على مبدأ المقاومة المسلحة على أي شكل من أشكال نزع السلاح كان أمراً غير مسبوق، وقد كان ترمب محقاً في الإشادة بذلك باعتباره إنجازاً "تاريخياً". ومع ذلك، رفض نتنياهو خريطة الطريق هذه رفضاً قاطعاً، وأصر على أنه لا يمكن لإسرائيل الانسحاب ما لم يتم نزع سلاح "حماس" بالكامل، وأن إسرائيل ما زالت حرة في مواصلة عملياتها العسكرية في غزة. بعبارة أخرى، تصر إسرائيل على أن تفي "حماس" بجميع التزاماتها في المرحلة الثانية حتى قبل أن تفي إسرائيل بأي من التزاماتها في المرحلة الأولى، وهو موقف يجعل الخطة غير قابلة للتنفيذ.
لقد تعثرت العملية مرة أخرى. وفي ظل عدم إحراز أي تقدم سواء على صعيد نزع سلاح "حماس" أو انسحاب إسرائيل، لا يمكن للجنة الحكم الفلسطينية (التي تقبع حالياً في القاهرة) وقوات الشرطة الدخول إلى غزة، ولا يمكن لأي قوة دولية الدخول إليها. وقد حاولت إدارة ترمب ومجلس السلام التهرب من مسألة تسلسل الأحداث منذ الصيف - حيث أيدوا علناً الموقف الإسرائيلي القائل بضرورة نزع سلاح "حماس" بالكامل أولاً، بينما كانوا يؤكدون سراً لـ"حماس" وأطراف أخرى أن خريطة الطريق لم تتغير، لكن عدم الوضوح عادة ما يصب في مصلحة الطرف الأقوى، لذا كان هذا التردد من جانب واشنطن أشبه بتأييد صريح للموقف الإسرائيلي. وبعد أن أعفت إدارة ترمب إسرائيل فعلياً من معظم التزاماتها في المرحلة الأولى عبر رفضها إدانة انتهاكات وقف إطلاق النار التي ترتكبها إسرائيل بصورة شبه يومية، فإنها الآن تعفيها فعلياً من التزامات المرحلة الثانية أيضاً. ولا تزال إعادة إعمار غزة وإعادة تأهيلها معلقين إلى أجل غير مسمى.
ضاعت إلى الأبد
وفي مقابلة أجراها في سبتمبر (أيلول) الماضي، أوضح ملادينوف بصورة دقيقة أخطار المأزق الحالي. فقد حذر من أن غياب أي تقدم ملموس في غزة يقضي على مستقبل هذا القطاع وإمكان التوصل إلى حل الدولتين، مع ما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة على المنطقة بأسرها. وحذر ملادينوف قائلاً "إذا سمحنا باستمرار الوضع الحالي في غزة، فإن غزة ستضيع. ستزول إلى الأبد". وتابع قائلاً "إذا لم يركز المجتمع الدولي على الوضع في غزة، حيث يعيش مليوني فلسطيني في ظروف مروعة، فلن نتمكن من العودة لمسار موثوق لحل القضية الإسرائيلية - الفلسطينية". وفي الوقت ذاته، "نحن نزرع بذور الأزمة الأمنية والعسكرية التالية التي ستظهر قريباً".
إلا أن ما لم يذكره ملادينوف هو أن نتنياهو راضٍ تماماً عن بقاء العملية عالقة على هذا النحو. فقد نجح رئيس وزراء إسرائيل - الذي قبل على مضض بوقف إطلاق النار في غزة الذي اقترحه ترمب عام 2025 - في مواصلة شن الحرب على غزة دون تكبد كلفة كبيرة. لا تثير العمليات العسكرية المستمرة والأزمة الإنسانية في غزة أي سخط حقيقي في إسرائيل، في حين أن حتى المنافسين الرئيسين لنتنياهو في الانتخابات شعروا بأنهم ملزمون برفض خريطة الطريق التي تدعمها الولايات المتحدة في شأن غزة. وفي الوقت ذاته، خمد الغضب الدولي إزاء المذبحة في غزة إلى حد كبير، حيث يفضل عديد من الدول وجود عملية سلام متعثرة على عدم وجود أي عملية سلام على الإطلاق.
بالنسبة إلى نتنياهو، أصبح العنف المستمر على هذا المستوى - الذي يكفي لمنع غزة من تحقيق انتعاش وإعادة إعمار حقيقيين، ولكنه يظل دون المستوى الذي يثير ضجة دولية كبيرة - في غاية حد ذاته. وكما أصر على الهدف غير المعقول المتمثل في تحقيق "النصر الكامل" خلال العامين الأولين من الحرب، فإنه يصر الآن على الهدف الذي لا يمكن تحقيقه أيضاً، وهو "نزع سلاح حماس بالكامل". من الممكن أن تتخلى "حماس" عن صواريخها وقذائفها ومدافع الهاون والأسلحة الثقيلة الأخرى، لكن من غير الواقعي تصور أن تسلم الحركة كل بندقية أو مسدس لديها، لا سيما مع استمرار عمليات القوات الإسرائيلية داخل القطاع. إن موقف نتنياهو المتشدد يساعد في تهدئة شركائه المتطرفين في ائتلاف الحكم، وتبرير السيطرة العسكرية الإسرائيلية الدائمة على غزة، وإحباط أي تسوية سياسية مع الفلسطينيين إلى أجل غير مسمى.
يبدو أن الوضع الراهن يناسب القيادة الإسرائيلية
والأهم من ذلك، أن إبقاء غزة في حال من عدم اليقين السياسي والعسكري والإنساني – من دون وقف إطلاق نار حقيقي أو عودة لحرب شاملة، مع توفير إغاثة محدودة على المدى القصير دون إعادة إعمار على المدى الطويل، وسط انشغال السكان بمتطلبات البقاء على قيد الحياة وفقدانهم أي أمل حقيقي للمستقبل - هي حال تصب في صالح تحقيق الرؤية الأشمل التي يتبناها عديد من الإسرائيليين المتشددين، وهي: جعل غزة غير صالحة للسكن إلى درجة تجبر سكانها على مغادرتها. لا يعتبر نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة أن إفقار غزة أمراً ثانوياً، بل هو عنصر أساس في استراتيجية إسرائيل. وقد تعهد قادة إسرائيليون، بمن فيهم وزير الدفاع يسرائيل كاتس، بالبقاء في غزة إلى أجل غير مسمى وعدم الانسحاب منها. ومما يثير الانتباه أكثر هو أنه في ثلثي غزة الواقعة الآن تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، أزال الجيش الإسرائيلي عملياً كل آثار الحياة الفلسطينية، إذ دمر بصورة منهجية آلاف المباني وسوى أحياء بأكملها وأراضي زراعية بالأرض، بينما أقام قواعد عسكرية وغير ذلك من المنشآت الدائمة.
لم يخف أعضاء حكومة نتنياهو رغبتهم في تهجير سكان غزة والسماح بإقامة مستوطنات لليهود الإسرائيليين في تلك المنطقة في نهاية المطاف. وقد كشف وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير الذي يعد من أبرز وأشهر الأصوات الداعية إلى طرد الفلسطينيين، أخيراً عن خطة تمتد لسبع سنوات تهدف إلى "الهجرة الطوعية" للفلسطينيين من غزة، ومن بنودها نقل 250 ألف فلسطيني خارج غزة في السنة الأولى. ليس بن غفير العضو الوحيد في الحكومة الذي يقول صراحة ما كان يقال سراً. فقد دعا كاتس إلى تسهيل هجرة سكان غزة "بأي وسيلة ممكنة"، مضيفاً أنه "لا حل حقيقياً لغزة في النهاية من دون هذه الهجرة". وقد دعا نتنياهو نفسه إلى هذا الأمر، حيث أكد في جلسة خاصة مع مجموعة من المشرعين عام 2025 أن إسرائيل "تدمر عدداً متزايداً من المنازل" في غزة كي "لا يجد الفلسطينيون مكاناً يعودون له". وعلق نتنياهو قائلاً "إن النتيجة الوحيدة الواضحة ستكون اختيار سكان غزة الهجرة من القطاع". وقد لا تمانع إدارة ترمب، من جهتها، مثل هذه النتيجة.
ففي يناير 2025، اقترح ترمب أن "تسيطر" الولايات المتحدة على غزة و"تطهرها" من سكانها الذين يزيد عددهم على مليوني نسمة، في إطار رؤية غير مدروسة لتحويل غزة بعد إخلائها من سكانها إلى "ريفييرا الشرق الأوسط". وعلى رغم أن ترمب تراجع عن الفكرة في أعقاب احتجاج دولي هائل، فإن موقف الإدارة المتساهل إزاء الانتهاكات الإسرائيلية يشير إلى أنها على استعداد للتغاضي عن استمرار معاناة الفلسطينيين.
خسارة غزة
سوف يؤدي استمرار معاناة غزة إلى عواقب مروعة. وكما حذر ملادينوف، يرجح أن يسفر استمرار المسار الحالي عن نتيجتين: دفع أعداد متزايدة من الفلسطينيين إلى مغادرة قطاع غزة، وزيادة احتمال تصعيد العنف، بما يشمل العودة لحرب واسعة النطاق. وفي كلتا الحالتين، سيتحمل الفلسطينيون في غزة مرة أخرى الوزر الأكبر من كلفة هذا الوضع، على رغم أطرافاً أخرى ستدفع الثمن أيضاً، مع تزايد عدم الاستقرار في المنطقة ككل، وتدهور المكانة الدولية لإسرائيل والولايات المتحدة بصورة أكبر.
في ظل عدم حدوث تحسن ملموس في الأوضاع المعيشية في غزة واستمرار الهجمات الإسرائيلية القاتلة، تزداد احتمالات اندلاع صراع عنيف. وقد أظهرت حركة "حماس" التي مُنيت بخسائر فادحة دون أن يتم القضاء عليها تماماً، إلى الآن، قدراً نسبياً من ضبط النفس واستعداداً لتحمل الضربات المتكررة، بما في ذلك سلسلة من عمليات اغتيال أعضائها وغارات جوية إسرائيلية منتظمة، لكن من غير المرجح أن يستمر هذا النهج العملي الذي تتبعه الحركة إلى الأبد.
وقد يرحب نتنياهو، الذي يعتقد أن إبقاء إسرائيل في حال حرب دائمة كفيل بإبقائه في السلطة، بفرصة شن ما هو في الواقع حرب أبدية في غزة. غير أنه لا يرجح أن يحقق احتلال غزة المطول مكاسب عسكرية ملموسة، بل سيستنزف الموارد الإسرائيلية ويضعف المعنويات، مما يعمق عزلة إسرائيل الدولية ويقضي على إمكان تطبيع العلاقات مع المزيد من الدول العربية. وفي الوقت ذاته، فإن احتمال حدوث هجرة جماعية للفلسطينيين من غزة قد يغذي أوهام البعض في إسرائيل ممن يطمحون إلى إقامة "إسرائيل الكبرى"، لكنه سيعزز أيضاً موقف إسرائيل كدولة منبوذة ويحكم على الإسرائيليين والفلسطينيين بعقود أخرى من الصراع.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن استمرار العنف وتحول مسار السلام إلى مهزلة متزايدة قد يقوضان أحد الإنجازات القليلة الملموسة لترمب في السياسة الخارجية، ويبقيان المنطقة أسيرة اضطرابات لا تنتهي. ومع إظهار الحرب مع إيران الولايات المتحدة بمظهر القوة التي لا يمكن التعويل عليها، ودفع حلفائها الإقليميين إلى البحث عن بدائل لمظلتها الأمنية الآخذة في الانهيار، فإن الإخفاق في غزة سيرسخ صورة أميركا باعتبارها قوة عظمى فقدت بريقها ولم تعد كما كانت.
مهمة إنقاذ
لا شك في أن خطة ترمب في شأن غزة والآليات التي وضعها للإشراف عليها، ومن ضمنها "مجلس السلام"، تعاني خللاً كبيراً. فقد صمموا هذه العملية بصورة منحازة بشدة لمصلحة إسرائيل، وهي لا تفترض أي مساءلة عن الفظائع السابقة (والمستمرة)، وتحرم الفلسطينيين من حقهم في التصرف وتقرير المصير، إضافة إلى أنها تتعارض مع القانون الدولي لأسباب عديدة، من بينها تجاوزها لأحكام اتفاقات جنيف، ولكن في غياب عملية سلام أكثر جدية وإنصافاً، توفر خريطة الطريق الحالية لغزة أكبر فرصة لتقديم الإغاثة والتعافي اللذين تشتد حاجة سكان القطاع المنكوبين إليهما، شريطة تنفيذها بصورة عادلة.
إذا افترضنا أن إدارة ترمب تدعم الخطة بصدق وترغب في تحققها، فلا يزال أمامنا إمكان للخروج من المأزق الحالي. على الولايات المتحدة وشركائها اتخاذ ثلاثة إجراءات. أولها الاعتراف بأن رغبات إسرائيل في غزة تختلف عن تلك التي تتبناها إدارة ترمب والمجتمع الدولي الأوسع نطاقاً، بل تتعارض معها بصورة مباشرة على عدة أصعدة. ففي حين تركز هذه الأخيرة على إحلال الاستقرار في غزة على المدى البعيد وإعادة إعمار القطاع، تبدو الأولى مصممة على إحباط أي إمكان أمام الفلسطينيين لمواصلة العيش في تلك الأراضي. ثانياً، يجب التفريق بين عمليات تحسين الحياة اليومية للناس العاديين في غزة، أو فصلها تماماً، عن العملية السياسية. فلا يمكن أن تظل سلامة وكرامة أكثر من مليوني مدني رهينة لقرارات "حماس"، ناهيك بمكايد السياسة الداخلية الإسرائيلية. ولا ينبغي أن تكون رفاهية الفلسطينيين ورقة مساومة تستخدمها إسرائيل، أو حتى "مجلس السلام"، لانتزاع تنازلات سياسية أو عسكرية من "حماس".
وأخيراً، يجب على الولايات المتحدة والوسطاء الآخرين أن يحرصوا على التزام الطرفين بواجباتهما المنصوص عليها في اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر 2025، وعليهم الاستعداد لاتخاذ إجراءات عقابية في حال عدم الامتثال. ويشمل ذلك وقف الهجمات المسلحة من كلا الطرفين، والسماح بتدفق كميات هائلة من المساعدات الإنسانية دون قيد أو شرط، وإعادة الخدمات الأساسية، وإزالة الأنقاض، والمساعدة في إنعاش مصادر الرزق المحلية، وفقاً لما تنص عليه المرحلة الأولى من خطة ترمب.
وبالمثل، فإن نزع سلاح "حماس" والانسحاب الإسرائيلي وتشكيل إدارة جديدة في غزة، وإعادة إعمار القطاع ليست قضايا منفصلة بل متوازية. ويجب السعي لتحقيقها بالتوازي، وفقاً لما ورد في خريطة الطريق الأصلية لمجلس السلام، حتى تنجح العملية. وفي النهاية، لكي يمكن تحقيق أي من هذه الأمور، على الولايات المتحدة ومجلس السلام الضغط على إسرائيل للسماح بدخول التكنوقراط الفلسطينيين وقوات الشرطة الفلسطينية التي تم تدريبها حديثاً إلى غزة في أقرب وقت ممكن.
سيكون من الصعب إقناع واشنطن بهذه الإجراءات، لا سيما بالنظر إلى التقارب الشديد بين ترمب ونتنياهو والتزام الأخير تجاه شركائه المتطرفين في الائتلاف، لكن لا مفر منها، بغض النظر عن نتيجة انتخابات أكتوبر في إسرائيل. وعلى رغم أن عديداً من المراقبين يتوقعون أنه في حال فاز نتنياهو، فسيمنحه ذلك المجال للمضي قدماً في تنفيذ خطة ترمب لغزة وخريطة الطريق، فإن الدلائل التي ظهرت خلال السنوات الثلاث الماضية وطبيعة الحكومة الحالية تشير إلى أنه لن يفعل ذلك. فمن المرجح أن أي ائتلاف متطرف يترأسه نتنياهو، إذا حصل على ولاية جديدة، سيقضي السنوات الأربع المقبلة في العمل على استكمال تدمير حياة الفلسطينيين في غزة، ناهيك بالضفة الغربية، حيث تستمر إسرائيل في الضم الفعلي للأراضي بوتيرة جنونية.
من الأفضل لترمب أن يفكر إذا كانت التضحية بخطة السلام المتعلقة بغزة، التي راهن عليها سياسياً بصورة كبيرة، من أجل حكومة إسرائيلية قد تكون في طريقها إلى الزوال، أمراً منطقياً. فالتداعيات الناجمة عن تدمير غزة ومعاناة سكانها ستظل ملموسة لأجيال قادمة. وحدها إسرائيل ومساندها الرئيس في البيت الأبيض هما القادران على تقرير ما إذا كانت السنوات المقبلة ستكون فترة لإعادة إعمار والتئام الجراح أم فترة من العنف وعدم الاستقرار الدائمين.
خالد الجندي هو زميل باحث بارز في معهد كوينسي للحكم الرشيد، ومؤلف كتاب "نقطة مخفية عن الأنظار: أميركا والفلسطينيون، من بلفور إلى ترمب".
مترجم عن "فورين أفيرز"، 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2026