ملخص
بث نجيب محفوظ سيرته الذاتية على نحو متشظٍّ داخل قصصه القصيرة، التي يؤرخ عبرها لتحولات المجتمع المصري، في القرن الـ20، مستعيداً خصوصاً عالم الطفولة كملمح مركزي في بنائه السردي.
يتكئ نجيب محفوظ في كثير من قصصه القصيرة على تقنيات فنية متعددة لاستحضار طفولته، في مقدمها التذكر: "ورحنا نتذكر ونتذكر ونقلب صفحات الماضي البعيد والقريب. جلنا معاً في جنبات عالم حافل بالأموات، ألا ما أكثر الراحلين". حكي ينبش في الذكريات ويموج بالشاعرية، ويرثي عالماً انقضى يبث إليه الكاتب شجونه ويتمنى العودة إليه في العالم الآخر: "لقد جمعتنا هذه الحارة ذات يوم ثم فرقت بيننا الأيام، فإلى اللقاء في المقر الأخير".
خصص محفوظ مجموعتيه "حكايات حارتنا" 1975، و"صباح الورد" 1987، لنقل عالم الطفولة وحي الجمالية، في القاهرة التاريخية، حيث نشأ. قدم في الأولى بناءً سردياً مغايراً يضع العمل على الأعراف بين الرواية، والمتوالية القصصية، والقصة القصيرة جداً. تضم المجموعة أكثر من 70 حكاية عن عالم الحارة، تنبع جميعها من الحارة وأناسها.
اعتمد محفوظ في هذا العمل على أسلوب قريب من حكايات ألف ليلة وليلة، إذ يغيب الترابط الخطي لمصلحة التداعي الحر، وتتجاور الحكايات في شذرات سردية مستقلة نسبياً، تحكمها ذاكرة السارد. تبدأ الحكايات من طفولته، التي عايش خلالها مرحلة انتقالية فارقة بين قاهرة العصور الوسطى وقاهرة الحداثة.
تظهر داخل حكايات المجموعة خيوط رفيعة تصنع شكلاً من الترابط الداخلي بينها، يستعيد الزمن الأول وعلاقته بالتكية و"الكتاب" والمدرسة، وأولى تجارب الحب، وصلاته بجيرانه، وحكايات الأم مع نساء الحارة. تتقاطع داخل الحكايات الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الوطنية، فتظهر ثورة 1919 عبر متظاهرين يمرون من تحت شرفة البيت، حيث يعسكر الإنجليز، وتتجلى المحبة الجارفة لسعد زغلول، جنباً إلى جنب مع ملامح الطفل العاشق، المفتون بعالم النساء، مازجاً بين البراءة والاكتشاف ورابطاً بين الخاص والعام.
التكوين الأول
يكرر نجيب محفوظ استعادة هذا العالم مرة أخرى، ولكن عبر مقاربة فنية مغايرة، في "صباح الورد" التي تضم ثلاث قصص تمثل ثلاث مراحل أساسية في حياة بطلها، ففي القصة الأولى "أم أحمد" يتنقل السرد بين بيوت الطفولة في القاهرة القديمة، مستعيداً ملامح التكوين الأول، يحكي عن بيوت الحارة وناسها ومصائرهم.
وفي القصة الثانية "صباح الورد" يتجه إلى سرد حكايات البيوت والشوارع في حي العباسية، التي تتسع فيها الدائرة المكانية وتتعقد الخبرة الحياتية مع الانتقال إلى طور الشباب، وفي القصة الثالثة "أسعد الله مساءكم"، يقدم قصة أكثر تجريداً ورمزية وأقرب إلى التأمل المصيري منها إلى الواقعية المباشرة، ينفذ إلى مصير بطله، متأملاً مآلات العمر.
وتتخذ مجموعة "صباح الورد"، على عكس السابقة، الشكل الأثير والمحبب إلى نجيب محفوظ، القائم على التنظيم المرحلي للأحداث، حيث تتدرج التجربة الإنسانية من الطفولة، مروراً بمرحلة الشباب، وصولاً إلى الشيخوخة، فالذاكرة محوره والزمن هو البطل المتحكم في مسار الحكايات.
أما قصص "حكايات حارتنا" فتكاد تمثل الصيغة الأقرب للأسلوب الذي اتبعه محفوظ في كتاباته المتأخرة، مثل "أحلام فترة النقاهة" و"أصداء السيرة الذاتية"، يعتمد على التكثيف الشديد في السرد عبر قصص قصيرة مرقمة، وعلى التداعي الحر بعيداً من الترابط السببي الصارم، بينما "صباح الورد" تعد أقرب إلى نمطه السردي في كتاباته الأولى، التي كان فيها الزمن وتحولاته هو البطل المركزي الذي يرسم مسار الأحداث ويؤطرها ضمن بناء تقليدي.
تحولات عميقة
يرصد محفوظ في مجموعتيه التحولات العميقة التي طرأت على مدينة القاهرة، يتكرر فيهما تصوير الانتقال من منطقة الجمالية إلى العباسية بوصفه قفزة تاريخية: "والنقلة من الجمالية إلى العباسية في ذلك الزمان تعتبر وثبة من القرون الوسطى إلى أعتاب العصر الحديث"، كاشفاً عن الفوارق الاجتماعية والثقافية الحادة بين العالمين.
ففي الحارة القديمة تتجاور الفئات الاجتماعية على نحو فريد، فالفقراء والأغنياء، والسرايات والبيوت المتواضعة، يشكلون نسيجاً واحداً، "ومن عجب أن الحارة كانت أسرة كبيرة واحدة لا تعترف بالفوارق الطبقية". حارة منغلقة على ذاتها، "وحارة قرمز ذات جدران حجرية عالية، تغلق أبوابها على أسرارها، ولا تبوح بسر إلا لمن ينظر في داخلها"، بما يحمله هذا الانغلاق من ألفة وتضامن وذاكرة جمعية.
غير أن هذا النسق يتبدل مع الانتقال إلى العباسية، ينشطر المكان إلى عباسية شرقية وأخرى غربية، "وكأن شارع العباسية الذي يفصل بين الجانبين أصبح سداً لا يعبر إلا في الملمات وقد لا يعبر أبداً". لتتجلى بوضوح ملامح المجتمع الطبقي الحديث، وتتراجع الروابط الحميمية التي ميزت عالم الحارة، وهو ما يرصده محفوظ بقول سارد إحدى قصصه: "والظاهر أن روح الألفة والتضامن المنبثة في الحارة تتلاشى في الأحياء المترامية".
شكلت جغرافيا المكان العلاقات الإنسانية، فالحارات تحولت إلى أحياء، وانفتحت الحياة الاجتماعية على أنماط جديدة، فتسير النساء مكشوفات الوجوه، وينتهي عهد الفتوات التي رصد محفوظ مآلاتها في أكثر من عمل، أبرزها قصته "فتوة العطوف"، عندما يخرج الفتوة من السجن ليكتشف أن الزمن تجاوزه، وأنه لم يعد يجد مكاناً في عالم تغيرت قواعده، فيعمل ماسحاً للأحذية، في صورة كاشفة عن انهيار منظومة اجتماعية كاملة أمام زحف الحداثة.
المسمى والممارسة
في قصة "الخوف" ضمن مجموعة "بيت سيئ السمعة"، رصد محفوظ انهيار عصر الفتوات التقليدي بقدوم الشرطة، "وجاء عساكر وضابط فشغلوا المكان الجديد، وتجمهر الناس أمام النقطة، فقال لهم عسكري عجوز: الحكمدارية غضبانة ولا بد أن تنتهي الفتونة!". فتحولت الشرطة إلى الفتوة الجديد تمارس سلطتها بنفس أساليب الفتوات السابقين، تتقمص أدوارهم حتى في المظهر، فالشرطي يرتدي الجلباب ويخوض القتال: "من كان يخشى البدلة فقد خلعتها، والآن فليأت إليَّ الفتوات إن كانوا حقاً رجالاً… أمس تحديتم الحكومة، ها أنا بينكم وحدي أطالب بنصيبي من التحدي، فالجدع منكم يتقدم؟"، ليتجدد العنف والاستبداد نفسه على أهل الحارة أو الأحياء سواء على يد الفتوة التقليدي أو السلطة الرسمية الحديثة، فالتغيير الظاهر في المسمى لم يتبعه تغيير حقيقي في الممارسة.
وعلى الصعيد السياسي، يتبدى كذلك فارق جوهري بين عالمي الحارة والعباسية، ففي الحارة كان التأييد لثورة 1919 جارفاً، اشترك فيه أغنياؤها وفقراؤها على السواء، وسقط العشرات قتلى في سبيل الاستقلال، مما يظهر وحدة الوجدان الوطني وتماسك البنية الاجتماعية في ذلك الفضاء المغلق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما في العباسية فلا يتحقق هذا الإجماع الوطني، تتكشف الانقسامات الطبقية والسياسية بوضوح، فنرى "القربي باشا" يستضيف إسماعيل صدقي في حفل صاخب داخل فيلته بالعباسية، على رغم الكراهية الشعبية الواسعة له، وتحميله مسؤولية قدر كبير مما آلت إليه الأوضاع السياسية في مصر آنذاك، فالمكان عند نجيب محفوظ في المجموعتين ليس خلفية محايدة على الإطلاق، فهو المشكل الرئيس للوعي السياسي والاجتماعي للشخصيات.
القرار الأخير
ونرصد صدى عالم الحارة والطفولة حاضراً بطيفه في مجموعة نجيب محفوظ القصصية "القرار الأخير" 1996، غير أنها على خلاف ما سبقها، تتسم بتنوع الموضوعات التي تطرحها، والتي تراوح ما بين النوستالجية، والقضايا الرمزية، والتأملات الفلسفية، ولا تقتصر على الحارة واستعادة الذاكرة الشخصية المباشرة. ومن القصص التي يستعيد فيها عالم الحارة وطفولته في تلك المجموعة، قصة "اليمامة"، وكذلك قصة "المهد" التي يرسم فيها مشاهد من حارته القديمة: "في حومة الهموم لا بأس من التماس الرحمة في رحاب الأشياء التي أحبها القلب".
ويتكرر في قصة "المهد" ما جاء في مجموعته "صباح الورد" حول صورة الطفل الذي يخرج مع أبيه مرتدياً زي البحار، في مشهد حميمي يستعيد براءة الطفولة ودهشتها، "ودعوة إلى الخروج في صحبة الأب أو الوالدين هي عز المنى، في بدلة بحار يسير تيَّاهاً". تكرار هذه التفاصيل ذاتها في أكثر من عمل يكشف عن اعتمادها على أساس واقعي في تجربته الحياتية، وهو ما يتأكد في حكيه في "حكايات حارتنا" عن قريبه الذي توفي طفلاً، فشكل موته صدمة أولى عرفته معنى الفقد، وهي الحكاية ذاتها التي تعود بصيغ مختلفة في أكثر من عمل، من بينها رواية "حديث الصباح والمساء" 1987.
يظهر في "حكايات حارتنا"، و"صباح الورد"، وما نحا نحوهما، ولع محفوظ بالحكي وجعله وسيلة لرصد مصائر أبناء الحارة من المهد إلى اللحد، وما طرأ على حياتهم من تحولات قاسية وانتقالات زمنية معقدة بين عصرين متباينين. ويكشف عبر تقنية الحكي المتدفق، كيف تبدلت العادات والتقاليد، وتغيرت ملامح العمارة، وأنماط التجارة، وحياة الموظفين، فانقرضت مهن قديمة وظهرت أخرى. ويرصد تأثير السياسات الاقتصادية، بخاصة في عصر الانفتاح، وما أفضى إليه من ثراء فاحش لفئات محدودة، مقابل إقصاء وسحق فئات أخرى، وتحول شريحة واسعة من الموظفين من عماد الطبقة الوسطى إلى ذوي دخول محدودة، في صورة بانورامية تبين قدرة الحكي المحفوظي على تأريخ التحولات الاجتماعية والاقتصادية، وجعل الزمن الاجتماعي بطلاً يحكم مصائر الشخوص.