ملخص
يدعم الغرب أوكرانيا كدولة تقاوم روسيا، وليس كسياسيين أفراد. ويؤكد الخبراء أن المصالح الرئيسة للشركاء الغربيين تتمثل في الحفاظ على القدرة الدفاعية للبلاد، وردع روسيا بشكل فعال، وإنهاء الحرب تدريجاً عبر المفاوضات.
أثار التعديل الوزاري والتغييرات التي أجراها فولوديمير زيلينسكي هذا الأسبوع داخل الأجهزة الأمنية ضجة في المجتمع الأوكراني، تراوحت بين عمليات تمرد واستقالة عدد من الموظفين، واحتجاجات في الشوارع على استقالة ميخايل فيدوروف من منصب وزير الدفاع، وصولاً إلى إطلاق تصريحات علنية تكشف وجود خلافات حادة بين هذا الوزير الشعبي والقائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية، أولكسندر سيرسكي.
استكشفت "اندبندنت عربية" أسباب هذا التغيير الحكومي في هذه المرحلة الحساسة، وما هي الدوافع الخفية وراءه، وكيف سيؤثر ذلك على القدرة الدفاعية لأوكرانيا، واحتمال تفاعل الشركاء الدوليين مع قرارات زيلينسكي والاحتجاجات في الشوارع خلال حرب شاملة مع روسيا.
تغييرات دراماتيكية في الحكومة الأوكرانية
أعلن الرئيس زيلينسكي نيته إجراء تغيير حكومي، وعقد سلسلة من الاجتماعات مع رؤساء الوزارات والهيئات الحكومية. وقدمت رئيسة الحكومة يوليا سفيريدينكو استقالتها وأيد البرلمان الأوكراني (فيرخوفنا رادا) على الفور استقالتها رسمياً من دون أي نقاش.
في المقابل أعلن ميخايل فيدوروف في رسالة مؤثرة استقالته من منصب وزير الدفاع، مما أشعل موجة من الاحتجاجات في كييف ومدن أخرى صباح اليوم التالي. وسرعان ما أكد فيدوروف خلافاته مع القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية، أولكسندر سيرسكي، في مؤتمر صحافي.
بادر زيلينسكي الذي فوجئ بالاحتجاجات الشعبية على استقالة وزير الدفاع إلى التعليق على هذا الوضع، مشيراً إلى رغبته في تحقيق الوحدة بين هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الأوكرانية ووزارة الدفاع. ومن اللافت أن القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية، أولكسندر سيرسكي نفسه سارع إلى نشر منشور منفصل موجه إلى فيدوروف شخصياً.
وفي معرض تعليقه على التغييرات في وزارة الدفاع، أقر زيلينسكي بأن الوزير ميخايلو فيدوروف ورئيس الأركان العامة قد فشلا في إيجاد أرضية مشتركة، وأن المشكلات في ساحة المعركة، وفي الألوية، ومع التعبئة لا تزال من دون حل.
وقال الرئيس رداً على سؤال حول سبب رغبته في استبدال ميخايل فيدوروف "بالنظر إلى الأولويات والوضع الصعب. فهناك حوار معقد يدور بين قيادة الجيش ووزارة الدفاع. وهو حوار معقد، بالمناسبة، على مستويات متعددة. ولا يقتصر الأمر على مجرد اختلاف في الشخصيات."
وبحسب رئيس الدولة، لا تزال هناك عدة قضايا عالقة في الوقت الحالي. "لذا، عندما نتحدث عن قضايا ساحة المعركة، والعمليات، والوضع في الألوية، ومركز القيادة والسيطرة، وتحويل الوحدات إلى حافلات، وهي قضايا قائمة أيضاً، يجب أن نُقرّ بما هو صواب وما هو خطأ ومخزٍ. هذه المشكلات تحتاج إلى معالجة. أنا لا أقول إن أياً من الطرفين يجب أن يتخذ القرار. أعتقد أنه ينبغي عليهما اتخاذ القرار معاً."
وقال زيلينسكي "لأنه لا يمكن أن يفوز شخص هنا، ويُحاسب شخص آخر هناك. لا. معاً نفوز، ومعاً نُحاسب على الأمور التي تُسبب سوء الفهم والاستياء الشعبي".
وزير الدفاع الأكثر شعبية
ذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، نقلاً عن مصادر، أن استقالة فيدوروف من منصبه كرئيس لوزارة الدفاع الأوكرانية ناجمة عن خلافه مع شخصيات نافذة في القيادة السياسية والدفاعية للبلاد. ووفقاً لهذه المصادر، عرقل فيدوروف مراراً وتكراراً محاولات تحويل عقود المشتريات العامة إلى شركات معينة، كما أصبح شخصية سياسية تحظى بشعبية مفرطة. وعقب استقالته، أعلن إليزروف، نائب قائد القوات الجوية الأوكرانية، استقالته أيضاً، واصفاً إقالة فيدوروف بأنها "شر عظيم لقدرات البلاد الدفاعية".
ووفقاً لتقرير صحيفة "فايننشال تايمز"، نقلاً عن ممثلين من قطاع الصناعات الدفاعية، ومسؤولين أوكرانيين رفيعي المستوى، وأعضاء في البرلمان من حزب "خادم الشعب" الحاكم، ومصادر أخرى مطلعة على الوضع، فإن فيدوروف البالغ من العمر 35 سنة فقط، الذي يحظى بشعبية كبيرة عرقل مصالح شخصيات تسعى إلى التربح من ميزانية الدفاع الأوكرانية.
وذكر خبراء أوكرانيون، أن فيدوروف أحبط مراراً محاولات تحويل عقود دفاعية مربحة إلى شركات معينة. ويبدو أن هذا السياسي اليافع نظيف اليد ويتمتع بكفاءة عالية، وقد قرر عدم التسامح مع الفساد المستشري، وبخاصة في الدائرة المقربة من الرئاسة. علاوة على ذلك، ارتكب هذا الشاب خطأً فادحاً بشعبيته الكبيرة والمتصاعدة، مما جعل رئيس البلاد يتخوف من أن يصبح منافساً رئيساً له في أي انتخابات رئاسية قادمة، وفقاً لما ذكره المصرفي الاستثماري الأوكراني سيرغي فورسا.
وكشفت مصادر مقربة من وزارة الدفاع الأوكرانية لـ"اندبندنت عربية" أن فيدوروف كان على خلاف مع أولكسندر سيرسكي، القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية، لعدة أشهر. وتركزت الخلافات حول مناهج العمليات القتالية وتنظيم القوات المسلحة، لا سيما في ما يتعلق بالمشتريات العسكرية والاستراتيجية. وفي نهاية المطاف، انحاز الرئيس إلى جانب قائد الجيش في هذا الصراع. وأوضحت المصادر أيضاً أن سيرسكي يحظى برضا زيلينسكي، على رغم سمعة الجنرال المثيرة للجدل بين بعض أفراد القوات البرية، الذين انتقدوا قراراته، زاعمين أنها أدت إلى سقوط كثير من الضحايا.
وأشار خبراء عديدون إلى أنه بعد تعيينه وزيراً للدفاع الأوكراني قبل أشهر معدودة، أجرى فيدوروف إصلاحاً واسع النطاق للوزارة، وأطلق أنظمة رقمية جديدة ومبادرة "جيش الطائرات المسيّرة" لتوسيع إنتاج المسيرات. وفي الشهر الماضي، رفع رواتب أفراد القوات المسلحة في الخطوط الأمامية بصورة ملحوظة، وأدخل عقوداً محددة المدة، ومنح الجنود الأقدم خدمة فرصة التسريح. علاوة على ذلك، يهدف الإصلاح إلى توسيع قاعدة المجندين المحتملين من خلال استقطاب مواطنين أجانب، وتخفيف العقوبات المفروضة على العسكريين الذين يتركون وحداتهم من دون إذن، وتقديم حوافز مالية لشركات التوظيف الخاصة.
وبحسب مقربين من هذا الوزير، أسهمت علاقات فيدوروف مع شخصيات بارزة في قطاع التكنولوجيا بوادي السيليكون - مثل أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لشركة "بالانتير"، وإريك شميدت، الرئيس التنفيذي السابق لشركة "غوغل" ومؤسس صندوق استثماري في مجال الدفاع، وإيلون ماسك، مالك شركة "سبيس إكس" في تطوير تقنيات الدفاع والاتصالات الأوكرانية. وأشاروا إلى أنه بالتعاون مع كارب، استخدم فيدوروف تقنيات شركة "بالانتير" لتوسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة الأسلحة ومعالجة المعلومات الاستخباراتية، بينما تعاون معه شميدت في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وتقنيات الطائرات المسيّرة الجديدة، التي تستهدف يومياً عمق الأراضي الروسية وتلحق أضراراً فادحة بالبنية التحتية لقطاع الطاقة الروسي، مما يجعل المواطنين الروس حتى البعيدين من جبهة القتال يشعرون بوطأة الحرب.
برز فيدوروف خلال فترة توليه منصب وزير التحول الرقمي قبل تسلمه وزارة الدفاع، حيث أشرف على إنشاء تطبيق "ديا" الحكومي، الذي جمع الخدمات الحكومية ووثائق الهوية في تطبيق واحد للهواتف الذكية. وفي عام 2019، كان أحد منظمي الحملة الرئاسية لزيلينسكي. ووفقاً لمصادر مقربة من الرئيس الأوكراني، فقد اشتبهوا في أن وزير الدفاع لديه طموحات سياسية، وقد يطمح يوماً ما إلى الرئاسة.
وقال عالم السياسة فولوديمير فيسينكو "هذا عامل سلبي كبير في نظر الرئيس". ووفقاً للخبير، جاءت التغييرات الأخيرة التي أجراها زيلينسكي مفاجئة. وأضاف "يبدو أن هناك دافعاً ما لم نفهمه تماماً بعد، عجّل بهذه التغييرات". ومع ذلك، لا يتوقع فيسينكو أي تغييرات جوهرية في السياسات الخارجية أو الداخلية للبلاد.
وفيما تتواصل الاحتجاجات الشعبية ضد قرار زيلينسكي إقالة وزير الدفاع ميخايل فيدوروف، في كييف ومدن أخرى بأنحاء أوكرانيا، وافق البرلمان الأوكراني على التشكيلة الجديدة لمجلس الوزراء، من دون تسمية وزيري الدفاع والخارجية فيها، وبعد ذلك أعلن عن بدء عطلته الصيفية التي تستمر حتى 18 أغسطس (آب) المقبل.
مطالبة بإقالة قائد الجيش
وفقاً لوكالة "يوكرينفورم" الأوكرانية، يطالب عديد من المحتجين الرئيس زيلينسكي بإقالة القائد العام للجيش ألكسندر سيرسكي، الذي يُنظر إليه باعتباره جزءاً من الجيل القديم من كبار القادة العسكريين المعارضين للإصلاحات التي من شأنها الحد من عمليات الفساد المستشرية في البلاد، لا سيما في وزارة الدفاع التي تنفق أكثر من 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. لا سيما بعد إقالته هذا الأسبوع رئيسة الوزراء يوليا سفيريدينكو ووزير الدفاع فيدوروف، الذي لم يمض على توليه المنصب سوى ستة أشهر.
وتُعد هذه المرة الرابعة التي يتم فيها تغيير وزير الدفاع الأوكراني منذ بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في فبراير (شباط) 2022.
وكان اسم وزير الداخلية السابق إيغور كليمنكو مطروحاً في البداية لتولي حقيبة الدفاع، لكن زيلينسكي أعلن أن كليمنكو سيتولى بدلاً من ذلك منصب أمين مجلس الأمن القومي الجديد.
وفي 16 يوليو، عين البرلمان الأوكراني سيرغي كوريتسكي رئيساً جديداً للوزراء، وهو الاقتصادي البالغ من العمر 46 سنة، الذي كان يدير شركة النفط والغاز الحكومية "نفتوغاز أوكرانيا" منذ عام 2023 .
وتأتي هذه التغييرات في وقت تواجه أوكرانيا ملفات فساد تطال أوساطاً قريبة من السلطة. ويقول مراقبون إن هذه التعديلات تهدف إلى تعزيز مواقع زيلينسكي السياسي واستعادة ثقة الشركاء الغربيين، خصوصاً في ظل تزايد الحديث عن ضرورة إصلاح مؤسسات الدولة.
ما هو السبب الحقيقي لاستقالة الحكومة؟
أوضح فولوديمير فيسينكو، رئيس مركز "بنتا" للأبحاث السياسية التطبيقية، الأسباب الحقيقية لاستقالة الحكومة. وبحسب عالم السياسة، فبينما تكون استقالة مجلس الوزراء في الجمهوريات البرلمانية الكلاسيكية عادة نتيجة للانتخابات العامة أو انفراط عقد الائتلاف الحاكم أو أزمة سياسية عميقة، فإن آليات أخرى تعمل في الواقع الأوكراني، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمزاج الرئيس ومدى رضاه عن الوزراء ورئيس الحكومة والقادة الأمنيين سواء في القيادة العامة للقوات المسلحة، أو قادة الأمن في المناطق والأقاليم.
وأوضح "وضعنا مختلف قليلاً. أولاً، هناك حرب تؤثر على سير عمل الدولة. ثانياً، منذ عام 2019، أصبح لدينا نظام حكم رئاسي بحكم الأمر الواقع. وتُحدد التغييرات في الحكومة من قبل شخص واحد ودائرته المقربة، وهو الرئيس".
ويشير عالم السياسة إلى أن المجتمع أصبح مهووساً بصورة مفرطة بمجرد تغيير الحكومة، رغم عدم حدوث أي تحولات جوهرية. ويعتقد أن حكم فولوديمير زيلينسكي باق في أوكرانيا، ولا يهم من يشغل منصب رئيس الوزراء - سواء كان دينيس شميهال، أو يوليا سفيريدينكو، أو الآن سيرغي كوريتسكي.
في الواقع، يعتقد فيسينكو أن هذه مجرد تغييرات داخلية في المناصب. ويشير إلى أن تغييرات مماثلة حدثت من قبل.
رئيس وزراء جديد
بحسب عالم السياسة، فإن السؤال الأنسب هو: لماذا تغيير رئيس الحكومة؟ ويعزو ذلك إلى قرار زيلينسكي بإجراء جولة أخرى من التغييرات في المناصب. وفي الوقت ذاته، تشير مصادر متعددة إلى أن الرئيس كان يشعر بخيبة أمل إلى حد ما من أداء يوليا سفيريدينكو.
على الرغم من عدم وجود أسباب مباشرة أو غير مباشرة لإقالتها، فإن السبب المحتمل هو شكوك الرئيس في قدرتها على الاستمرار في ضمان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في البلاد، كما كانت الحال خلال فترة توليها منصب رئيسة الوزراء لمدة عام.
وقال فيسينكو "مع تصاعد الحرب واقتراب شتاء قاسٍ آخر، احتاج زيلينسكي إلى مدير أزمة قوي. وفي الوقت نفسه، شخص قادر على بناء علاقات مع البرلمان، وهو ما فشلت سفيريدينكو في تحقيقه. شخص يحظى بقبول النخب والشركاء الغربيين على حد سواء. وكان هذا الشخص هو سيرغي كوريتسكي".
وبحسب فيسينكو، هذه خطوة تكتيكية وليست تغييراً سياسياً جوهرياً. وأشار إلى أن سياسة الحكومة ستبقى على حالها تقريباً، مع وجود بعض الأولويات والتركيزات الجديدة.
لكن خبراء آخرون يرون أن من بين الاحتمالات الأخرى للتعديل الحكومي الحالي استبدال وزير الدفاع الذي أصبح يتفوق بشعبيته على الرئيس نفسه. إلا أن هذا الأمر يبقى محل نقاش، إذ إن زيلينسكي لم يسارع لتسمية وزير دفاع جديد رسمياً على رغم أن البلاد في حالة حرب، بل عيّن وزيراً بالوكالة.
ويؤكد هؤلاء أنه بالنظر إلى أن استبدال وزير الدفاع وإبعاده عن مراكز الحكم والقرار كان أحد أسباب التغييرات الحكومية، إلا أن ذلك لم ينجح، إذ ازدادت شعبية الوزير فيدوروف، وصار بمثابة "بطل قومي" في عيون غالبية الأوكرانيين. وهذا وضع متناقض مع ما هدف إليه التغيير الحكومي.
ويشير الخبراء إلى أن الاحتجاجات الحالية، لا تمثل أي تحد ذي أهمية بالنسبة لزيلينسكي وهي لن تغير خططه، لأنه يعد نفسه الشخصية الأوكرانية الأكثر قبولاً لدى الدوائر الغربية الداعمة لكييف، والشخص المؤهل أكثر من غيره للمضي قدماً في قتال روسيا اعتماداً على التمويل والتسليح الذي يقدمه الغرب الأوروبي له، على اعتبار أن أوكرانيا تشكل في الوقت الراهن خط الدفاع الأول عنه، بوجه طموحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وبحسب الخبراء، فإن قرار زيلينسكي بإقالة فيدوروف كان خطأً، إذ قلل من شأن الأخطار والعواقب السلبية، لكنه يدرك أن الوضع الحربي الحالي يعني أن الدعم لأوكرانيا سيستمر مهما حدث. الشركاء الدوليون يدعمون أوكرانيا، وليس زيلينسكي أو فيدوروف.
اتجاهات تطور الأحداث
يقول الباحث السياسي سيرغي إيفانينكو المقرب من دوائر صنع القرار في أوكرانيا، لـ"اندبندنت عربية" بمعرض تعليقه على مسألة كيفية تأثير الاحتجاجات على التطورات اللاحقة، إن الضغط الشعبي لن يغير موقف الرئيس. ويفسر ذلك بحقيقة أن المظاهرات، في رأي زيلينسكي، لا تعكس إلا آراء جزء من المواطنين الذين لا يوافقون على قرارات الحكومة المتعلقة بالتعيينات، وليس آراء المجتمع ككل.
ويعتقد عالم السياسة أنه "على الرغم من أن هذا الوضع يؤدي إلى تفاقم الاستقطاب في المجتمع، فإنه غير قادر على زعزعة الاستقرار السياسي بشكل خطر أو تغيير مسار الحكومة، وستهدأ الاحتجاجات نفسها ببساطة بعد فترة معينة من النشاط".
وفي معرض تعليقه على قرار ميخايل فيدوروف بالتحدث علناً عن الصراع مع ألكسندر سيرسكي، أشار عالم السياسة إلى أن التزام الصمت حيال ذلك لم يعد منطقياً. وفي رأيه، أظهر الوزير السابق صدقاً خلال مؤتمره الصحافي وأكد بصورة مباشرة أن التوتر في العلاقات مع القائد الأعلى هو حقيقة واقعة لا ينبغي إخفاؤها.
ومع أن إيفانينكو لا يعتقد أن احتجاج فيدوروف وتصريحه العلني سيغيران الوضع. إلا أنه يؤكد أن فيدوروف بدأ يتصرف بصورة مختلفة تماماً عن باقي أعضاء فريق زيلينسكي الذين تمت إقالتهم. لقد انصرفوا جميعاً بهدوء وساروا إلى حيث أومأ لهم زيلينسكي، من دون أي خلاف أو تصريحات. أما فيدوروف فقد رفع صوته عالياً. لذلك، فإنه لن يعود ليكون واحداً من حاشية زيلينسكي، وربما يفكر جدياً في منافسته.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحسب عالم السياسة، فإن مبدأ وحدة الفريق بالغ الأهمية بالنسبة لزيلينسكي، وقد أصبح فيدوروف مصدراً للخلاف بالنسبة إليه. وأشار إلى أن سيرسكي كان بإمكانه أن يقلل من المشكلات التي واجهها زيلينسكي.
وتابع "من الناحية الأسلوبية، كان أكثر ارتياحاً. طالب فيدوروف بتغييرات محددة وانتقد سيرسكي. ويبدو أن الأخير لم ينتقد فيدوروف بصورة مباشرة، لكنه أشار إلى المشكلات التي خلقتها قرارات وزارة الدفاع".
هل يقلق هذا شركاء أوكرانيا؟
في ما يتعلق برد فعل الشركاء الدوليين على التغييرات في المناصب، يرى الخبراء أن لا مفاجأة القرارات ولا الأسماء الجديدة ستشكل مشكلة بالنسبة لهم. فبينما قد يطرح الحلفاء بعض التساؤلات، تبقى مسألة الأفراد المعنيين ثانوية بالنسبة إليهم.
يدعم الغرب أوكرانيا كدولة تقاوم روسيا، وليس كسياسيين أفراد. ويؤكد الخبراء أن المصالح الرئيسة للشركاء الغربيين تتمثل في الحفاظ على القدرة الدفاعية للبلاد، وردع روسيا بصورة فعالة، وإنهاء الحرب تدريجاً عبر المفاوضات.
لكن هناك بعض القلق بشأن ما إذا كانت استقالة فيدوروف والاضطرابات المحيطة بوزارة الدفاع ستؤثر على القدرات الدفاعية لأوكرانيا. وهذه المسألة ستتضح خلال الأيام القليلة المقبلة. وسيراقب شركاء أوكرانيا الغربيون هذا الأمر عن كثب.
اعتاد الشركاء الدوليون في الغرب منذ فترة طويلة على الطبيعة النسبية للتغييرات في المناصب القيادية في أوكرانيا. إلا أن الأهم بالنسبة لهم هو التفاعل المستقر مع أولئك الذين يمارسون السلطة فعلياً ويتخذون القرارات السياسية الرئيسية.
هل تستغل روسيا هذا الوضع؟
تجاهلت روسيا ووسائل إعلامها إلى حد كبير ما يجري في أوكرانيا، ولم تطلق حتى الآن أي حملة إعلامية قوية تهدف إلى زعزعة استقرار أوكرانيا في ضوء الوضع الراهن. فموسكو تدرك تماماً أن المشكلة ليست في الأشخاص. والكرملين الآن لا يهتم بفيدوروف الذي يصنفه على يمين الحكم الموالي للغرب في كييف، أو زيلينسكي، بل بدونباس، وهو مقتنع بذلك، ولهذا السبب ينصب التركيز حالياً على تصعيد الحرب ككل، وقضم مزيد من الأراضي في دونيتسك تحديداً.
كما أن موسكو لديها تقييم أشمل لأسباب الوضع العسكري الراهن. وهي تفهم أن فيدوروف قدّم إسهاماً كبيراً، ولذلك شعر كثيرون في روسيا بالسعادة لإقالته. لكن في الوقت ذاته، لديهم وجهة نظر مختلفة. هناك صورة نمطية روسية مفادها أن نجاح أوكرانيا مدفوع بزيادة المساعدات الغربية، لا سيما المساعدات التكنولوجية، وليس بدور الأشخاص وعلاقاتهم المستقلة مع قوى فاعلة في الغرب.