Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عسكرة دول البلطيق لحدودها مع روسيا تشكل اختبارا صعبا لأميركا

بناء ما لا يقل عن 28 مخبأً و10 مخازن بحلول نهاية العام

صورة نشرتها القوات السويدية تقول إنها تظهر مقاتلة روسية من طراز "ميغ-31" شاركت في انتهاك المجال الجوي الإستوني (رويترز)

ملخص

يعتبر رئيس الأركان العامة الإستونية اللواء فاهور كاروس أن خطط بناء قاعدة عسكرية في نارفا أمر ضروري لأن هذه القاعدة التي ينبغي أن تشكل مركزاً تابعاً لحلف "الناتو" على الحدود مع روسيا

بدأ إنشاء خط الدفاع البلطيقي في جنوب شرقي إستونيا قرب الحدود الروسية، إذ يجري بناء خنادق مضادة للدبابات، ومن المخطط بناء ما لا يقل عن 28 مخبأً و10 مخازن بحلول نهاية العام.

وستشكل هذه الخنادق جزءاً مما يسمى" خط الدفاع البلطيقي"، الذي يتم إنشاؤه بالتعاون مع لاتفيا وليتوانيا في مواجهة ما تسميه هذه الدول العدوان الروسي المستمر على أوكرانيا.

وأعلنت وزارة الدفاع الإستونية أنه "لا يوجد تهديد عسكري مباشر، لكن الجاهزية هي الأساس. الدفاع الجاد يبدأ بالاستعداد الجاد".

وكشف مدير محفظة المشاريع في مركز الاستثمار الدفاعي في جمهورية إستونيا البلطيقية أندو فوغما عن أن بلاده ستبني أول قرية عسكرية لها في مدينة نارفا على بعد 150 متراً من الحدود الروسية. وأشار إلى أن السلطات تخطط لنشر وحدة من قوات الدفاع تضم نحو 200 فرد في هذا المركز العسكري الذي سيكون بمثابة قاعدة عسكرية متقدمة. 

وقال فوغما "سنقوم بتشييد المركز العسكري الرئيس المخطط له خلال مرحلة واحدة. سيبدأ العمل في نهاية العام ويكتمل في صيف عام 2028. وسيستوعب المركز في المرحلة الأولى 200 عسكري".

ويعتبر رئيس الأركان العامة الإستونية اللواء فاهور كاروس أن خطط بناء قاعدة عسكرية في نارفا أمر ضروري لأن هذه القاعدة التي ينبغي أن تشكل مركزاً تابعاً لحلف "الناتو" على الحدود مع روسيا، بإمكانها أن تكون رادعاً إضافياً لأي عدوان محتمل. لذلك، من المرجح أن يستخدم جنود حلف شمال الأطلسي هذه القاعدة العسكرية، مما يشكل تهديداً مباشراً لروسيا.

إجراءات عسكرية متقابلة

منذ استقلال دول البلطيق الثلاث عن الاتحاد السوفياتي قبيل انهياره عام 1991 انقلبت المواطنة الواحدة في الدولة الآفلة إلى حالة من الخصومة والعداوة، فكانت هذه الدول السوفياتية أول من انضم إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي، وأكثر من ناصب روسيا العداء واتخذ إجراءات قاسية بحق الروس الذين بقوا في عداد مواطنيها واستمروا في العيش داخل أراضيها.

وذكرت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإستونية، أنه من المقرر أن تتمركز وحدة من اللواء الأول للمشاة في نارفا، لتكون رأس حربة في مواجهة روسيا. وصمم المركز العسكري لاستيعاب ألف فرد، لكن سيناوب فيه نحو 200 جندي بصورة دائمة في المرحلة الأولى.

وبحسب وكالة الأنباء الإستونية يجري حالياً حفر خندق مضاد للدبابات بعرض أربعة أمتار وعمق ثلاثة أمتار في المنطقة الحدودية. وقال قائد قسم الهندسة في قوات الدفاع الإستونية المقدم آينار أفاناسيف "يوقف الخندق المضاد للدبابات العدو، ويبطئ تقدمه، وعندما يحفرون ممراً عبره، يصبحون هدفاً سهلاً لأسلحتنا".

في وقت سابق أوردت صحيفة "بوستيميس" أنه على مدار شهرين، تم حفر 10 كيلومترات من الخنادق المضادة للدبابات في إستونيا في قسم بسكوف من الحدود مع روسيا، وتم تعزيزها بعوائق خرسانية تعرف باسم "أسنان التنين".

وستصبح هذه التحصينات جزءاً من البنية التحتية للحدود، وستعزز أمنها في أوقات السلم. وأشار رئيس مركز حرس الحدود في بيوسا التابع لهيئة الشرطة وحرس الحدود الإستونية روميت نيلوس إلى أن "الأمر لا يزال صعباً. إنه تأخير إلى حد ما، ولكنه سيمنحنا وقتاً للاستجابة في حال وجود تهديد".

 

 

وتعد قوات الدفاع الإستونية قوة عسكرية مرنة وصغيرة الحجم، ولكن موازنتها الدفاعية لعام 2026 تضاعفت لتصل إلى 2.4 مليار يورو (ما يعادل 5.43 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد)، مما يضعها في مقدمة دول حلف "الناتو" إنفاقاً على الدفاع مقارنة بحجمها العسكري. وتعتمد إستونيا على نظام الخدمة العسكرية الإلزامية (التجنيد) وبناء جيش قائم على الاحتياط السريع. وبلغ تعداد أفراد القوات المسلحة الموجودين فعلاً في الخدمة عام 2026 نحو 7100 عسكري فحسب، وتقول السلطات في فنلندا ودول البلطيق إن قواتها المسلحة تستعد لغزو روسي محتمل.

وتتجاوز دول البلطيق وبولندا الولايات المتحدة من حيث الإنفاق العسكري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً للمفوضية الأوروبية.

ومن جهتها، تعزز روسيا بنيتها التحتية العسكرية على طول حدودها الغربية مع دول البلطيق. وتعتبر وجود قوات مناوبة من حلف "الناتو" مزودة بمقاتلات حربية من أحدث الطرز في هذه الدول تهديداً يجب أخذه بعين الاعتبار عند رسم الخطط العسكرية الدفاعية والهجومية على حد سواء.

الدفاع المقدس

يقول ممثل رابطة الدفاع الإستونية الرائد نيمي بروس "نحن نعرف تاريخنا. ونعرف الخطر الذي يمثله جارنا الشرقي. لا يساورنا أي وهم. نحن على أهبة الاستعداد لما قد يحدث، كما حدث في أوكرانيا".

ويضيف "لدينا، بالطبع، خطة دفاعية. لسنا وحدنا، فنحن عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وعضو في الاتحاد الأوروبي. ونأمل بصدق، وفقاً للمادة 5 من معاهدة الناتو، أن يساعدنا شركاؤنا في الدفاع عن أنفسنا. وكما يقاتل الشعب الأوكراني والجيش الأوكراني الآن من أجل أوروبا بأسرها، سنفعل الشيء نفسه، إذا لزم الأمر. لن نسمح لأي جندي روسي أن تطأ قدمه أرض إستونيا".

اتهامات متبادلة

في العاشر من الشهر الجاري استدعت الخارجية الروسية القائمين بالأعمال الدبلوماسية من لاتفيا وإستونيا وليتوانيا في موسكو وسلمتهم مذكرة احتجاج مشتركة على توفير بلادهم مجالها الجوي لشن هجمات بطائرات مسيرة أوكرانية على أهداف في روسيا، لكن هؤلاء الدبلوماسيين رفضوا اتهامات نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل غالوزين بأن دولهم البلطيق تسمح للمسيرات الأوكرانية بالانطلاق من أراضيها لضرب أهداف روسية استراتيجية في أقصى غرب البلاد.

وأكد الدبلوماسيون أن الدول الثلاث لم تمنح هذا الإذن قط. كما رفض القائمون بالوكالة مزاعم أخرى أدلى بها ممثلو وزارة الخارجية الروسية في الأيام الأخيرة. فعلى وجه التحديد، صرحت وزارة الخارجية الروسية بأن دول البلطيق كانت تستعد، على ما يبدو، لترحيل جماعي لسكانها الناطقين بالروسية.

وقال نائب وزير الخارجية الروسي إن روسيا لا ترغب في أن يستخدم الغرب دول البلطيق في مخططات معادية لها أو أن تتحول إلى "وقود للحروب" خدمة للمصالح الأنغلوساكسونية.

في الأشهر الأخيرة، حلقت طائرات مسيرة اعتقدت السلطات أنها روسية مراراً وتكراراً في المجال الجوي لدول البلطيق، ولا سيما لاتفيا. وفي حالات عدة، تحطمت هذه الطائرات دون إحداث أضرار جسيمة.

لكن تبين لاحقاً أن جميع الطائرات المسيرة التي أمكن تحديد نوعها كانت أوكرانية، وزعمت السلطات العسكرية أنها إما انحرفت عن مسارها أو تم تحويل مسارها عمداً بواسطة أنظمة الحرب الإلكترونية الروسية.

أميركا تحذر

في المقابل حذر تقرير تحليلي أميركي من أن السياسات المتشددة لدول البلطيق تزيد من خطر الصراع بين حلف شمال الأطلسي وروسيا.

ويدور حديث في الولايات المتحدة عن ضرورة إعادة النظر في نهج الناتو الأمني ​​تجاه دول البلطيق وعلاقاتها مع روسيا. ويرى معدو تقرير تحليلي جديد أن السياسة الحالية لإستونيا ولاتفيا وليتوانيا لا تؤدي بالضرورة إلى مزيد من الاستقرار، بل إلى زيادة خطر المواجهة المباشرة بين حلف شمال الأطلسي وموسكو.

وتشير الوثيقة إلى أن دول البلطيق لا تزال تمثل حلقة هشة ومصدراً محتملاً لتصعيد العلاقات بين الغرب وروسيا. ويؤكد معدو التقرير أن الذاكرة التاريخية للحقبة السوفياتية والصراع في أوكرانيا قد شكلا موقفاً متشدداً للغاية ضد روسيا في المنطقة، وهو ما يؤثر بصورة متزايدة على القرارات داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

ويولي التقرير اهتماماً خاصاً لدور سياسيي دول البلطيق في هياكل الاتحاد الأوروبي. ووفقاً للمحللين، فإن ممثلي المنطقة يتبنون نهجاً تصادمياً ويعارضون أي سيناريوهات توافقية لحل النزاع الأوكراني.

وتقول الدراسة "إن أزمة البلطيق الناجمة عن سوء تقدير عسكري أو حرب هجينة قد تضع الولايات المتحدة في مأزق واختبار حقيقي، فإما التدخل والمخاطرة بحرب شاملة، أو رفض التدخل والإضرار بصدقية (الناتو)".

وينصب التركيز على خفض التصعيد ونقل المسؤولية عن هذه المنطقة التي تتسم باحتمالات مواجهة خطرة إلى أوروبا.

ويرى معدو التقرير أن على واشنطن تقليص دورها تدريجاً في ضمان أمن أوروبا، ونقل المزيد من المسؤولية إلى حلفائها الأوروبيين في حلف الناتو. وفي الوقت نفسه كما يؤكد التقرير، يجب على الولايات المتحدة الالتزام بالمادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي.

وفي الوقت نفسه يطلب من البيت الأبيض التأثير في قيادة دول البلطيق خلف الأبواب المغلقة، وإقناعهم بالتخلي عن "خطاب التصعيد" ودعم عملية التفاوض في شأن أوكرانيا.

ويشير التقرير أيضاً إلى أن التهديد المباشر بغزو روسي لدول البلطيق يعتبر حالياً محدوداً. ويعزو المحللون ذلك إلى الخسائر الفادحة التي تكبدها الجيش الروسي خلال الصراع الأوكراني، فضلاً عن التفوق الجوي والبحري الكبير لحلف الناتو في منطقة بحر البلطيق.

كانت إحدى الأفكار الرئيسة للوثيقة هي مفهوم "هيكل أمني أوروبي شامل". ووفقاً لكتابها، يجب أن يشمل هذا النظام ليس فقط دول "الناتو" وأوكرانيا، ولكن أيضاً روسيا.

 

 

وتؤكد الدراسة أن الاستقرار طويل الأمد في أوروبا مستحيل دون تخفيف التوترات حول أوكرانيا وإيجاد نموذج جديد للتعايش مع روسيا في القارة.

بالتوازي مع هذا التقرير، أفاد موقع "ميدل إيست أي" في تقرير بأن روسيا لم تظهر أي عداء عسكري تجاه أي دولة من دول أوروبا الغربية، ومن بينها دول البلطيق، ولم تقدم أي مطالبات إقليمية سوى الأراضي الحدودية المتنازع عليها في أوكرانيا.

وقال الموقع إن الحكومات الغربية ومؤسساتها العسكرية أصرت منذ عام 2022 على أن روسيا تشكل خطراً وجودياً على أوروبا، وهو تهديد يتطلب إعادة تسليح غير محدودة.

وذكر الموقع أنه يمكن فهم حرب روسيا في أوكرانيا جزئياً في الأقل، كرد فعل على التوسع شرقاً لتحالف حذرت موسكو لعقود من أنها تعتبره تهديداً وجوديا لأمنها. 

وزعم الأمين العام لحلف "الناتو" مارك روته خلال قمة الحلف الأخيرة في أنقرة أن روسيا قد تكون "مستعدة لاستخدام القوة العسكرية ضد (الناتو) بحلول عام 2030".

لكن "ميدل إيست أي" اعتبر في تقريره أن مثل هذه التصريحات التي تتكرر بلا انقطاع، تخدم وظيفة سياسية تتجاوز بكثير التقييم الاستراتيجي الحقيقي.

ولفت الموقع أن هذا التقديم ليس مجرد نقل لحقيقة وإنما اتخاذ موقف يبرر بصورة ملائمة موازنات الدفاع التي تقترب من مستويات الحرب الباردة، وإثراء مجمع صناعي بات الآن متجذراً في صميم العملية السياسية الغربية.

من المستفيد؟

لقد بلور الصراع الإيراني حقيقة كثيراً ما شكك بها مراقبو العلاقات عبر الأطلسي، وهي أن الولايات المتحدة في عهد ترمب لا تنظر إلى حلفائها الأوروبيين كشركاء، بل كأتباع يتوقع منهم الانصياع من دون نقاش والدفع من دون تذمر.

وعندما رفضت فرنسا السماح لطائرات إسرائيلية حاملة للأسلحة بالمرور عبر مجالها الجوي، وصف ترمب ذلك بأنه "غير مفيد على الإطلاق".

وكما قال أحد المحللين الأوروبيين، فإن رابطة حلف شمال الأطلسي "تضعف أكثر فأكثر".

ومع ذلك في أنقرة، تعهد هذا التحالف نفسه بتقديم 70 مليار يورو (80 مليار دولار) كمساعدات عسكرية لأوكرانيا حتى عام 2026، وأعلن عن شراء أسلحة جديدة بأكثر من 50 مليار دولار.

والتزم أعضاء "الناتو" إنفاق 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول عام 2035، ولكن من المستفيد الحقيقي من كل هذه الأموال التي تنفق، وكيف؟

هنا تبرز أهمية التدقيق في النفوذ المتزايد لجماعات الضغط في قطاع الأسلحة والدفاع، إذ لم تكن قمة أنقرة مجرد حدث دبلوماسي فحسب، بل كانت أيضاً، بالتوازي، منصة لمنتدى صناعات الدفاع التابع لحلف "الناتو"، والذي جمع مصنعي الأسلحة في القارة إلى جانب رؤساء الحكومات لمناقشة "الإنتاج والاستثمار والابتكار".

ويؤكد الخبراء أنه وفي جميع أنحاء أوروبا يتكرر النمط نفسه موازنات الدفاع تتوسع عاماً بعد عام، وغالباً على حساب الرعاية الاجتماعية والتنمية والخدمات العامة.

ويقول هؤلاء إنه في هذا السياق "ينبغي التساؤل من المسؤول تحديداً عن خلق هذا الشعور بالخطر بإلحاح؟".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير