ملخص
يبدو اهتمام اللبنانيين كبيراً بالمتاحف في "ليلة المتاحف" التي تشكل اللقاء السنوي حول الإرث الثقافي. لكن زياراتهم إلى ما يعد ذاكرة الوطن قد لا تتكرر باستمرار وقد تكون الأزمات سبباً وراء ذلك.
لطالما بدا الاهتمام بالثقافة في العالم العربي مختلفاً عما هو عليه في الغرب من نواحٍ عديدة. ففي الدول العربية، تواجه الثقافة تحديات، وثمة انطباع بأنها ليست ضمن أولويات الناس. وفي لبنان تحديداً، تبدو الأمور أكثر تعقيداً في هذا المجال.
ففي ظل الأزمات المتتالية والحروب منذ أكثر من نصف قرن، كثرت هموم المواطنين وأبعدتهم غالباً عن المجال الثقافي وقللت من اهتمامهم بالمتاحف بصورة خاصة. فإذا كان اللبناني يجاهد ليؤمن لقمة العيش، من الطبيعي ألا تعود الثقافة وزيارة المتاحف من أولوياته في الحياة.
على أرض الواقع، تظهر مبادرات ثقافية وأنشطة تستند بصورة كبيرة إلى اهتمام اللبنانيين بإرثهم الثقافي ورغبتهم في التعرف إليه والغوص فيه أكثر، حتى وإن كانت ظروف الحياة تمنعهم إلى حد كبير عن ذلك.
فيما تأتي "ليلة المتاحف" التي تنظمها وزارة الثقافة اللبنانية كل سنة لتؤكد تعطش اللبنانيين إلى عالم الثقافة، وإلى اكتشاف خفايا الإرث الوطني الاستثنائي.
لقاء حول الإرث
عام 2025، استقبلت المتاحف الـ14 المشاركة في "ليلة المتاحف" التي نظمتها وزارة الثقافة اللبنانية، أكثر من 28 ألف زائر، مما شجع الوزارة إلى تكرار هذا اللقاء السنوي الذي انطلق عام 2014 كنشاط ثقافي يجمع اللبنانيين في ليلة واحدة حول إرثهم وتاريخهم، يزورون فيها المتاحف في مختلف المناطق اللبنانية مجاناً وتتأمن وسائل النقل المجانية لهم فيها أيضاً. علماً أنه بعد إقامة نسخات عديدة منها، فرضت الظروف الصعبة في البلاد انقطاعاً دام أعواماً منذ الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا، وما تبعهما من أزمات وحروب متتالية.
عودة للسنة الثانية على التوالي
اليوم، عاد هذا النشاط للعام الثاني على التوالي بمشاركة أكثر من 30 متحفاً، إذ توسعت المشاركة خارج العاصمة مع متاحف في بعلبك وطرابلس وصيدا وصور، وبدت لهفة اللبنانيين واضحة إلى مثل هذه الأنشطة الثقافية، التي تعيد وصلهم بتراثهم وتشكل دفعاً لهم ليواظبوا على زيارة المتاحف في مختلف الأراضي اللبنانية طوال أيام العام، فلا تقتصر الزيارة على يوم واحد في السنة ليكتشفوا كنوزاً كثيرة خلف أبواب المتاحف لم يتعرفوا إليها بعد.
وأتى رقم المشاركين هذا العام مفاجئاً، إذ كشف وزير الثقافة غسان سلامة أنه تخطى الـ40 ألف زائر في "ليلة المتاحف".
وعلى رغم الاعتقاد السائد بأن اللبنانيين لا يظهرون اهتماماً بالمتاحف والثقافة بصورة عامة، أكد آلاف اللبنانيين الذين زاروا المتاحف ليل 16 يوليو (تموز) الجاري تعطشاً لاكتشاف الإرث الاستثنائي الذي يتميز به لبنان، فكان اهتمامهم واضحاً بهذا اللقاء الذي يجمعهم حول اهتمام واحد.
اهتمام واضح عندما تحين الفرصة
تقول مديرة عام الهيئة العامة للمتاحف في وزارة الثقافة آن-ماري عفيش، إن الناس يحتاجون حقيقة إلى دعوة ليقبلوا على المتاحف ويندفعوا للتعرف إلى تراثهم وتاريخهم، ومن واجب الدولة ووزارة الثقافة ومن مسؤولياتها أن تتولى هذه المهمة لتقربهم من الإرث الوطني.
وتابعت "ما هو معروف أن للمتحف دوراً ثقافياً اجتماعياً في غاية الأهمية. ومع إقامة مبادرات مثل "ليلة المتاحف" تسنح الفرصة للبنانيين ليجتمعوا حول إرثهم الذي يفخرون به، كما أظهرت التجربة. وبالفعل، يعبر اللبنانيون بوضوح في هذه الليلة عن إعجابهم وعن حجم المفاجأة بكل هذا الغنى الثقافي وبالإرث الذي يتميز به لبنان. فقد لا تكون الثقافة والمتاحف في بال اللبنانيين نظراً للهموم الكثيرة التي لديهم والأزمات التي يواجهونها والتحديات الحياتية الكثيرة. لكن يبدو واضحاً أنهم يتوقون للتعرف إلى تاريخهم والإرث اللبناني عندما تحين الفرصة".
تتوقف عفيش عند الأرقام وتكشف أنه في عام 2018 زار المتحف الوطني في العاصمة بيروت وحده ما لا يقل عن 14 ألف زائر في ليلة واحدة، فيما تضيء "ليلة المتاحف" الوجه الثقافي للبنان وهي تشكل دعوة لهم لاكتشاف الثروة الوطنية التي لديهم وما في متاحف لبنان من كنوز لم يتعرفوا إليها بعد، منها متاحف وطنية ومنها تلك المعتمدة إضافة إلى متاحف الجامعات التي انضمت أيضاً إلى هذا اللقاء مثل الجامعة اليسوعية والجامعة الأميركية بمتاحفهما.
وقد سُجلّ توسع مهم في هذا العام ليضم متاحف لا في بيروت وضواحيها فحسب، إنما أيضاً في مناطق أخرى مثل بعلبك، شرق لبنان.
اهتمام بدرجات متفاوتة
بدا واضحاً أن اللقاء السنوي حول المتاحف يشهد إقبالاً كثيفاً وأن اللبنانيين كانوا يتشوقون إلى عودتهم بعد انقطاع دام أعوام الأزمة. لذلك، في العام الماضي كان النجاح الذي حققه لافتاً، حيث زار قرابة 30 ألف زائر المتاحف خلال أربع ساعات تمكن فيها اللبنانيون من الغوص في الثقافة والفن وفي الإرث الذي يشعرهم بالانتماء. ولم يكن نجاح نسخة العام الحالي بمستوى أقل، إذ استقطبت هذه المبادرة آلاف اللبنانيين في مختلف المناطق، ولو بدرجات متفاوتة حيث إن ثمة مناطق ومتاحف معينة شهدت مزيداً من الإقبال.
وفي السياق تقول عفيش "يبرز دور المتاحف كمؤسسات حية للتربية والثقافة والحوار"، وتعد "ليلة المتاحف" مناسبة لتشجيع المواطنين من مختلف المناطق ومن مختلف الفئات العمرية على المشاركة في هذا اللقاء على رغم الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد. فالثقافة والتراث عناصر أساسية لتعزيز الهوية الوطنية والذاكرة والإحساس بالانتماء، وهي تسهم في تعزيز الاهتمام بها خصوصاً أنها دعوة مجانية للتعرف إليها والاستمتاع بهذا الإرث، وإن كانت الثقافة لا تعود أولوية في الأزمة والحروب".
وانطلاقاً من نسخة هذا العام، يبدو واضحاً أن اللبنانيين يقبلون كعائلات وشباب وأطفال ومسنين ومن مختلف الفئات العمرية. لكن السؤال الذي يطرح هنا هو ما إذا كان هذا الاهتمام يبقى محصوراً في ليلة واحدة فقط أو ما إذا كان يمتد طوال أيام السنة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حضرت "اندبندنت عربية" في "ليلة المتاحف"، وسألنا كثيرين عن اهتمامهم بزيارة المتاحف، فأتت أجوبتهم لتؤكد أنهم قد لا يقصدونها في مختلف أوقات السنة، بل في هذه الليلة بالتحديد لكن منهم من أكدوا أيضاً أنهم بعد هذه الزيارة الأولى لهم إلى المتاحف في هذه المناسبة ، شعروا بانجذاب لاكتشاف المزيد عنها ولمتابعة هذه الزيارات خارج إطار هذا النشاط.
ما تلفت النظر إليه عفيش هو أن اللبنانيين يعتقدون أن زيارة المتاحف مكلفة لكن في الواقع البدل المادي زهيد ولا يتخطى 100 ألف ليرة أي قرابة دولار واحد للمتحف الوطني للبنانيين ونحو 10 دولارات للأجانب، فيما هناك متاحف مجانية مثل متحف سرسق في العاصمة بيروت، ومتاحف الجامعات.
لكن، في "ليلة المتاحف" تظهر الحماسة والاندفاع بوضوح لدى المواطنين للزيارة المجانية ويكون الإقبال كثيفاً، وقد لا نرى مثله في الأيام العادية. علماً أنه حتى في "ليلة المتاحف" يبدو الإقبال أهم في بيروت، سواء في العام الحالي أو في النسخات السابقة. لكن هناك إقبالاً أيضاً على متاحف صيدا في جنوب البلاد بصورة خاصة، لأن الناس يظهرون رغبة في التعرف إلى المتاحف الموجودة خارج العاصمة.
الجيل الجديد والمتاحف
لتعزيز هذا الاهتمام بالإرث الوطني وبالمتاحف في مختلف الأوقات وفي مختلف أيام السنة، شددت عفيش على دور المدارس لتنمية الحس بالانتماء وتعزيز هذه الرغبة لدى الجيل الجديد فيتعرف على الكنوز التي في لبنان.
وتقول "من الممكن التركيز على رحلات الطلاب إلى المتاحف والزيارات الدورية لها. فالمطلوب هو العمل على التواصل الاجتماعي لتعزيز روح الثقافة لدى هذه الفئة، علماً أن ثمة متاحف تجذب الجيل الجديد بصورة خاصة أكثر من أخرى بسبب التفاعل والأنشطة التي فيها وهي تعد أكثر جاذبية"، وتكشف مثلاً أن هذه الفئة تنجذب لمتحف ميم للمعادن ومتحف مصرف لبنان، حيث تحضر الفئات الأصغر سناً لما تتضمنه من أنشطة تفاعلية، في المقابل، تبدو متاحف أخرى مثل المتحف الوطني ومتحف الكاتب اللبناني ميخائيل نعيمة من تلك التي تستقطب الأسر والأشخاص الذين هم أكبر سناً ويظهرون اهتماماً بإرث مماثل.
وتضيف "هناك حاجة لنقل التاريخ بطريقة جذابة للأطفال لتحظى باهتمامهم مع قصص مناسبة لأعمارهم، فيرتبط ذلك بالطريقة التي تقدّم فيها الفكرة. لكن كل هذه الأمور وجذب الناس والحصول على اهتمامهم لزيارة المتاحف من مسؤوليات الدولة ووزارة الثقافة، ولا يتحملها المواطنون. فعندما توفر لهم الفرصة لذلك، هم يزورون المتاحف بفخر واعتزاز بما يكتشفونه عن إرثهم الوطني".
جولة في متحف ميخائيل نعيمة
نجول في متحف المفكر والفيلسوف الشهير ميخائيل نعيمة، في منطقة المطيلب الواقعة في جبل لبنان.
هناك تؤكد سهى حداد نعيمة، من أفراد الأسرة، أن الإقبال الكثيف في أنشطة كهذه يؤكد على اهتمام الناس بالمتاحف والثقافة والأدب. لكن ثمة تقصير من قبل المدارس في تعزيز هذا الاهتمام لدى الجيل الجديد على حد قولها. فعلى رغم أنه ثمة مدارس حريصة على زيارات دورية، إلا أن مثل هذه الأنشطة يجب أن تتكثف أكثر بعد.
بحسب نعيمة "المهتمون بهذا المتحف هم من عايشوا كتابات ميخائيل نعيمة ولا يزال يتملكهم شغف للأدب الخاص به والأيديولوجيا التي له. وفي مناسبات عدة مثل ذكرى ولادة ميخائيل نعيمة وذكرى وفاته وغيرها، تفتح أبواب المتحف لتستقبل الزوار الذين يتوافدون بأعداد كبيرة ليتعرفوا إلى تفاصيل عن حياته وعائلته واهتماماته ويغوصوا أكثر في كتاباته.
تراث لبنان اللامادي
من جهته يؤكد مدير عام المديرية العامة للآثار في وزارة الثقافة سركيس خوري أن ليلة المتاحف حققت نجاحاً بارزاً منذ أن أقيمت للمرة الأولى، فهي تستقطب اللبنانيين والأجانب المقيمين في لبنان. وهي فرصة لتتمكن الوزارة من التعريف بتراث لبنان اللامادي الفني والحديث الذي له قيمة فنية ثقافية كبرى.
ويقول "النجاح الذي تحققه هذه المبادرة في كل عام يؤكد على اهتمام الناس الكبير بالأنشطة الثقافية على رغم الظروف. وهي فرصة تدمج بين الثقافة والفرح. لكن لا ننكر أن التحديات والأزمات كثيرة في البلاد وبسببها لم تعد المتاحف من ضمن أولويات الناس. لذلك، صحيح أن التحديات أثرت على الكل، لكننا نحرص على إقامة نسخة جديدة بعد كل انقطاع"
هذه المرة أيضاً، لم تبد ظروف البلاد مشجعة لإقامة هذا النشاط الثقافي، وكان التحدي كبيراً في ظل ظروف الحرب الصعبة التي يمر بها لبنان وهو عرضة للهجمات الإسرائيلية المتكررة منذ ثلاثة أعوام. لكن بحسب خوري، اتخذت وزارة الثقافة القرار بإقامته كواجب ولتكون هذه النسخة مخصصة لجنوب لبنان نظراً لما يمر به.
لا ينكر خوري أنه كان هناك ابتعاد عن المتاحف من قبل اللبنانيين بسبب الأزمات والظروف، فابتعد اللبنانيون عن أجواء المواقع الأثرية، لكن بصورة عامة لا تبعد الأزمات الإنسان عن الإرث الوطني، بل بالعكس هي تجعله أكثر تمسكاً به وحرصاً عليه وعلى حمايته، كما يقول .
لذلك، بدت أعداد الشباب الذين جذبتهم زيارة المتاحف مفاجئة، وهم من يظهرون اهتماماً بصورة خاصة حين يكون التراث في خطر. ويشير خوري إلى أنه بعد انفجار المرفأ في صيف عام 2020 كان اهتمام الشباب بالتراث لافتاً، وأيضاً في ظل الحرب على الجنوب.
هذا الاهتمام دفع الوزارة إلى التفكير بالشراكة المهمة بين القطاعين العام والخاص لأن المواطن مسؤول عن حماية تراث المنطقة وهو الشريك الأساس.
ويختم "يبدو واضحاً أن ثمة تمسكاً بالتراث وعودة إليه لأن المواطن يشعر بذلك أن لديه ماضياً وذاكرة يحافظ عليها، بما أن الماضي مصدر القوة للمستقبل. والتراث جزء من هوية الإنسان وهو مستقبله أيضاً".