ملخص
في عالم الألعاب الإلكترونية، حين يدخل اللاعب إلى مدينة افتراضية، هو في العمق لا يرى المباني فقط، بل يقرأها من دون أن يدرك ذلك أصلاً.
في لعبة "ببجي" حين يهبط لاعب في مدينة "جورجوبول" داخل خريطة "إرانغل" الشهيرة فإن ما يقرره في الثواني الأولى لا يحدده حظه أو مهارته وحدهما، بل يحدده أيضاً من صمم تلك المباني المتهالكة على شكل مجمع سكني كثيف، ووضع فيها كماً من الأسلحة يفوق أي منطقة أخرى في الجزيرة. يظن اللاعب أنه يتخذ قراراً حراً بالهبوط هناك بحثاً عن غنيمة أفضل، بينما هو يستجيب في الحقيقة لمعادلة معمارية دقيقة، فالبيئة المصممة داخل اللعبة تكتب جزءاً كبيراً من الأحداث سلفاً، إذ تفرض كثافة المباني وتقاربها قتالاً سريعاً في مسافات قصيرة، بينما يعني تناثرها بلا نمط واضح أن هناك تهديداً متخفياً عند كل زاوية.
العمارة هنا ليست خلفية بصرية جميلة ولا تصميماً مكملاً للعبة، بل هي في الحقيقة نظام لعب متكامل، صيغ بلغة العمارة قبل أن يترجم إلى قواعد قتال.
لغة للعب
في عالم الألعاب الإلكترونية، حين يدخل اللاعب إلى مدينة افتراضية، هو في العمق لا يرى المباني فقط، بل يقرأها من دون أن يدرك ذلك أصلاً، يلتقط برجاً بعيداً بوصفه علامة أو يلحظ شارعاً أكثر إضاءة من غيره، وربما يتبع ممراً يبدو أكثر وضوحاً أو يتوقف أمام باب مختلف أو يصعد إلى سطح مرتفع ليتمكن من رؤية وجهته بصورة أفضل.
اللعبة لا تقول له "اذهب من هنا"، ومع ذلك يعرف غالباً أين ينبغي أن يذهب. وهذه القدرة ليست سحراً تقنياً ولا مصادفة، بل ينضوي خلفها تفكير مكاني يقترب بصورة لافتة من التفكير المعماري: كيف يدخل الإنسان إلى المكان، وماذا يرى أولاً؟ وما الذي يجذبه، وأين يشعر بالانقباض أو الانفتاح، ومتى يحتاج إلى نقطة توقف، وكيف يمكن توجيهه من فراغ إلى آخر من دون أن يشعر بأنه يُقاد؟
وفي ألعاب الفيديو، يصبح السؤال أكثر تعقيداً، لأن المبنى هنا لم يعد مكاناً يعيش فيه المستخدم، بل فضاء يتحرك داخله ويقاتل ويختبئ ويستكشف ويتخذ القرارات من خلاله. وهنا تتحول العمارة من خلفية إلى لغة للعب.
العمارة كنظام لعب
يعرف مصممو المستويات المحترفين (Level Designer) تقنية قديمة قِدَم العمارة ذاتها، تقوم على التلاعب بالضغط والتمدد المكاني. فالممرات الضيقة المتعرجة تخلق شعوراً بالترقب وتدفع اللاعب قسراً إلى الأمام، بينما يمنحه الانفتاح المفاجئ إلى ساحة واسعة بعد ممر ضيق إحساساً مفاجئاً بالتحرر أو بالانفتاح الكامل، وتُستخدم هذه التقنية في الغالب حين يريد المصمم أن يشعر اللاعب فجأة بأنه دخل مسرحاً مختلفاً تماماً عما سبقه.
وفي دراسة نُشرت عام 2026 حول ما سماه الباحث "الدراماتورجيا المكانية"، وهو فن وتقنية تشكيل المكان وتوظيفه بوصفه عنصراً درامياً حياً، جرى تحليل الفضاء المعماري في بعض الألعاب على أنه عنصر ينظم حركة اللاعب ويوزع المعلومات ويضبط الإيقاع السردي.
وكلما ازداد وعي الصناعة بهذه الحقيقة، ازداد اعتمادها على مبادئ العمارة الفعلية لا بوصفها ديكوراً وصوراً جميلة، بل أداة تصميمية تحدد إلى أين يذهب اللاعب، وبماذا يشعر وهو في طريقه إلى هناك، ومتى يجب أن يشعر بالرهبة أو بالأمان، من دون حتى ذكر ذلك؟
رسائل ضمنية بين الجدران
وللعمارة داخل اللعبة أحياناً وظيفة أعمق من توجيه الحركة، إذ تحمل رسالة اجتماعية أو سياسية ضمنية من دون أن تحتاج إلى سطر حوار واحد. ففي لعبة "ديسونرد 2"(Dishonored 2)، استُخدم التدرج الرأسي للأحياء ليقول شيئاً واضحاً عن طبيعة المدينة المتخيلة، إذ تمثل الطبقة الكادحة أولئك الذين يعيشون في الطبقات السفلى، بينما تتموضع السلطة والثروة في الطبقات العلوية المضيئة. أما في لعبة "ديوس إكس: مانكايند ديفايديد"، فإن الكتل المعمارية الأحادية الضخمة التي تهيمن على أفق مدينة براغ المستقبلية تعبّر بصمتها الكامل عن هيمنة الشركات الكبرى على حياة الناس اليومية. وهذا هو جوهر ما يسميه صناع الألعاب "السرد البيئي".
وقد أصبح هذا التقاطع بين العمارة وتصميم الألعاب اليوم مساراً مهنياً معترفاً به، ويعد كتاب "مقاربة معمارية لتصميم المستويات" لمؤلفه كريستوفر توتن، الحاصل على درجة الماجستير في العمارة، المرجع الأكاديمي الأشهر الذي يربط تصميم مستويات الألعاب مباشرة بمفاهيم معمارية كلاسيكية حول الشكل والفراغ والنظام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بغداد والعلا
ولعل من أكثر الألعاب المعاصرة التي تصلح مثالاً عربياً على العلاقة بين العمارة واللعب لعبة "أساسنز كريد ميراج" (Assassin’s Creed Mirage)، ليس فقط لأن أحداثها تدور في بغداد القرن التاسع، بل لأن المدينة صُممت أصلاً لكي تشارك في اللعب. وتوضح الشركة المطورة "يوبي سوفت"، وهي شركة فرنسية عملاقة لتطوير ونشر ألعاب الفيديو، أن فريقها أعاد بناء مناطق من بغداد التاريخية بالاعتماد على المراجع التاريخية، مع دراسة أساليب البناء والمواد والأشكال، غير أن الهدف لم يكن إنتاج صورة تاريخية فقط، بل بناء مدينة تعمل مع نظام الحركة والتسلل والقتال. والنتيجة أن بغداد في اللعبة ليست ديكوراً خلف الشخصية، فالأسطح تصبح طرقاً والأزقة مسارات هروب والأبنية نقاط اختباء، ويصبح الارتفاع وسيلة للمراقبة، وتساعد القبة أو البرج أو أي معلم بصري اللاعب على تحديد موقعه. بل إن "يوبي سوفت" تصف المدينة بأنها صممت مع وضع الباركور (Parkour) في الاعتبار (الحركة الحرة التي تعتمد على القفز والتسلق وتجاوز العوائق داخل البيئة)، بحيث تشكل شبكة من المسارات التي يستطيع اللاعب اكتشافها واستخدامها.
ويكتسب هذا التقاطع بعداً خاصاً حين يتصل بتراث المنطقة العربية نفسها. ففي تحديث "وادي الذكريات" للعبة ذاتها، التي تدور أحداثها في العلا خلال القرن التاسع الميلادي، لم يكتفِ المطورون بابتكار عمارة متخيلة، بل تعاونوا مباشرة مع مؤرخين من الهيئة الملكية لمحافظة العلا لإعادة بناء تفاصيل دقيقة من موقع الحِجر المسجل على قائمة التراث العالمي، بدءاً من أبعاد المقابر المنحوتة في الصخر، وصولاً إلى سماكة الحجارة المستخدمة في العمارة الدينية، ومسارات جبل عثلب الضيقة التي يسلكها اللاعب اليوم كما كان يسلكها ساكن تلك البقعة قبل أكثر من 1000 عام.
وهنا لا تكون العمارة أداة توجيه لعب مجردة فحسب، بل وثيقة تاريخية حية أعيد بناؤها بدقة هندسية صارمة.
في النهاية، حين ينجح تصميم المستوى، قد لا يتذكر اللاعب كل التفاصيل المعمارية التي مر بها، وقد لا يعرف لماذا اتبع شارعاً من دون آخر أو لماذا نظر إلى برج قبل أن يغير اتجاهه أو لماذا شعر بالضيق في ممر ثم بالراحة حين وصل إلى الساحة، لكنه عاش هذه القرارات كلها. وهنا تكمن قوة العمارة في الألعاب، إذ تعمل في مستوى أعمق من الصورة، لتصمم سلوك اللاعب.
وأنجح تصميم معماري داخل أي لعبة هو ذاك الذي لا يشعر اللاعب بوجوده على الإطلاق. فحين يهبط لاعب في "جورجوبول"، أو حين يجد نفسه يتبع ممراً مضاء بعناية داخل مبنى مظلم من دون أن يتوقف ليتساءل لماذا اختار ذلك الاتجاه بالذات، تكون العمارة قد أنجزت وظيفتها الكاملة، وهي أن تقرر نيابة عنه من دون أن يشعر بأن أحداً قرر عنه. وهذا بالضبط ما يفسر لماذا تبدو بعض الألعاب أكثر ذكاء من غيرها في فهم ما يريده اللاعب، هي فقط تملك عمارة صممت بدقة كافية لتقرأ سلوك الإنسان قبل أن يقرأه هو نفسه.