ملخص
يضم لبنان العشرات من المتاحف التي تعبر عن غنى البلاد التاريخي والثقافي والاجتماعي. وتتنوع تلك المتاحف بين تلك التي تضم القطع الأثرية، والتي تحوي القطع الفنية، أو حتى المتحجرات والحيوانات المحنطة، ولا ننسى متحف العملات داخل مصرف لبنان، فيما تحتاج تلك المتاحف إلى نظام حماية قوي لمواجهة التهديدات.
يعد لبنان من أغنى دول المنطقة على صعيد الإرث الثقافي والتاريخي، وهو ما ينعكس بوضوح في تنوع متاحفه وانتشارها على امتداد أراضيه. فهذه المتاحف لا تقتصر على عرض القطع الأثرية فحسب، بل تشكل مرآة لهوية البلاد المتعددة الحضارات، من الفينيقية إلى الرومانية، مروراً بالعصور الإسلامية والعثمانية، وصولاً إلى التاريخ الحديث والمعاصر.
في مقدمة هذه المؤسسات يأتي المتحف الوطني في العاصمة بيروت، الذي يُعد الواجهة الأبرز للآثار اللبنانية. ويضم المتحف مجموعة غنية من القطع التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ وحتى الحقبة المملوكية، من تماثيل ونقوش ولوحات فسيفسائية وتوابيت شهيرة، أبرزها التوابيت الفينيقية. وعلى رغم ما تعرض له خلال الحرب الأهلية اللبنانية، استطاع المتحف أن يستعيد دوره الثقافي بعد عمليات ترميم واسعة، ليعود شاهداً على قدرة الذاكرة اللبنانية على الصمود.
وتتنوع المتاحف اللبنانية بين رسمية خاضعة لإدارة وزارة الثقافة، وفي مقدمها المتحف الوطني الواقع في قلب العاصمة بيروت، ومتحف لبنان الشمالي وعكار في قلب قلعة طرابلس التاريخية شمال لبنان، ومتحف العملات التابع للمصرف المركزي، وأخرى تديرها مؤسسات خاصة من ضمنها تلك الشاهدة على الغنى الجيولوجي والتضاريسي والبيئي، على غرار متحف الفراشات والطيور في القبيات شمال البلاد، ومتحف المتحجرات داخل مدينة جبيل الساحلية، وغيرها كثير من المتاحف والمواقع الأثرية.
ومع تعرض متاحف محصنة وضخمة للانتهاكات، مثل سرقة مجوهرات نابليون الثالث من داخل متحف اللوفر في فرنسا قبل أشهر قليلة والسوار الفرعوني من داخل المتحف المصري، أصبح ملف أمن المتاحف عرضة للتساؤلات وإمكانية تعرض الوطنية منها لأعمال الاعتداء والسرقة.
المتاحف في حمى الأمن السري
أرخت "صفعة اللوفر الأمنية" خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بظلالها على أمن المتاحف على مستوى دول العالم، بما فيها لبنان.
يؤكد القيمون على إدارة المتاحف اللبنانية أن "الموضوع دقيق للغاية ويخضع لخطط تبقى سرية بُغية تأمين حماية وأمن المتحف الوطني على عدة مستويات، البشرية منها والتقنية، للحفاظ على القطع الأثرية"، ويكشفون أن "ثمة عدداً كبيراً من المتاحف المتنوعة في لبنان إلا أن 25 منها فقط تنطبق عليها معايير المنظمة الدولية للمتاحف، وأن قائمة هذه المتاحف ليست نهائية وتحتاج إلى التجديد بصورة دورية بسبب فتح وإطلاق عدد من المتاحف على مستوى داخل غالب المدن والمناطق اللبنانية، والتي قد يفوق عددها حالياً 100 متحف بين متاحف أثرية وفنية وحرفية وبيئية، بانتظار تفعيل الهيئة الناظمة للمتاحف التي لم تُفعل بعد على المستوى الميداني".
تتحفظ أوساط وزارة الثقافة عن كشف تفاصيل الخطة الأمنية، إلا أنها تجزم أن ثمة خطة أمنية قائمة ولا يمكن الكشف عنها، وهي تقوم على عناصر ظاهرة وأخرى تبقى طي الكتمان، بالتعاون مع الجهات الأمنية المختلفة في إطار خطط الأمن الاستباقي.
وتضم الخطط الأمنية مجموعة من أجهزة التحقق والرصد والمراقبة، إضافة إلى عمل استخباري لحماية المواقع من أية صورة من صور المس.
"فجوات واقعية"
تنتشر المتاحف على طول الجغرافيا اللبنانية و"يمكن تصنيف عدة أنواع من المتاحف، فإلى جانب المتحف الوطني الأساس الواقع في قلب عاصمة البلاد، وهو الأهم بسبب ضمه القطع الأثرية التي استخرجتها الدولة من الحفريات الأثرية بإشراف المديرية العامة للآثار، توجد متاحف فرعية بارزة وتقدر بـ60 متحفاً، مثل متحف ميم للأحجار الكريمة ومتحف الحقبة ما قبل التاريخ في الجامعة اليسوعية داخل بيروت ومتحف سرسق، وهي متاحف خاصة تحت إشراف الدولة"، بحسب الخبيرة في الآثار والمحاضرة الجامعية الدكتورة خولة صباح خوري.
لا تستبعد خوري وقوع خروقات أمنية في لبنان وسرقات داخل المتاحف، "فقد سبق أن تعرض متحف في مدينة جبيل المطلة على البحر شمال البلاد للسرقة خلال عام 2013، وعلى رغم ترميز القطع المسروقة فإنه لم تحدد هوية السارق أو الوجهة، ولم تُسترجع مطلقاً". وترجح "حدوث سرقة متحف جبيل بناء لخطة منظمة، إذ قدم الفاعلون بقوارب عبر البحر ودخلوا إلى المتحف، وعادوا من حيث جاؤوا من دون حدوث أية عرقلة لأعمالهم، بما يشي بوجود خرق أمني في عملية الحراسة".
ترى خوري أن "ثمة ثغرات يمكن أن تستغل خلال أي وقت لسرقة المتاحف داخل لبنان، حيث تتوافر كل المقومات لعدم وجود متحف آمن بفعل غياب التيار الكهربائي المستدام والاهتزازات الأمنية المتكررة، وإمكانية تشغيل أفراد والتواطؤ، على رغم وجود خطط أمنية لا يكشف عنها، وتبقى في حيازة المدير العام للآثار ومدير المتحف الوطني"، متحدثة عن شهادة شخصية "عندما وقعت أحداث الطيونة (أحداث أمنية تخللت إطلاق نار واشتباكات في الشوارع عام 2021) القريبة من المتحف الوطني، كنت أمر في المكان وشاهدت بأم العين مسلحاً على درج المتحف يطلق الرصاص للترهيب ولم تتوافر لديه نية الدخول أو السرقة، إلا أن بوابة المتحف كانت مفتوحة بسبب عدم وجود سلطة لموظفي المتحف بإغلاق البوابات من دون العودة إلى الهرمية الإدارية العليا".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتضيف "لم ألاحظ في حينه وجود عناصر أمنية للحماية أو التدخل. وأعتقد أنه في حال وجود نية لاختراق المتحف، قد يكون ذلك ممكناً"، داعية إلى إيجاد خطط بديلة خلال أوقات الطوارئ وعدم الخضوع للبيروقراطية الإدارية.
تنوه الخبيرة في الآثار إلى أن "الإجراءات الأمنية تتركز على المتاحف التي تضم قطعاً أثرية مهمة ونادرة، وهنا ننظر إلى موقع المتحف الوطني اللبناني بكثير من الإيجابية، فهو قرب مراكز أمنية، كما أن القطع الثمينة داخله كبيرة الحجم كالتماثيل والنواويس والفسيفساء، وليست صغيرة ويمكن حملها كما هي حال مجوهرات متحف اللوفر التي سُرقت".
وتنبه إلى أن "عدداً كبيراً من السرقات حصل في الميدان، أي أثناء التنقيب والبحث عن الآثار وليس من داخل المتاحف مع أنه أمر مخالف للقانون، الذي يؤكد أن كل ما تعثر عليه الحفريات هو ملك للدولة وليس للأفراد".
من جهة أخرى، تطرح خوري تساؤلات حول ما عرف بـ"حفريات اللوفر" التي حصلت عام 2022 في مدينة جبيل، نتيجة تعاون فرنسي لبناني، ونُقلت الآثار التي عثر عليها نتيجة أعمال الحفر التي حصلت لعرضها داخل متاحف فرنسية، على أمل عرضها في لبنان خلال سبتمبر (أيلول) 2026، منوهة إلى أنه "كانت هناك حاجة لإجراء مؤتمر صحافي في نهاية الحفريات والإعلان عن القطع المستخرجة".
خط تماس حربي
خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990)، كان المتحف الوطني خط تماس بين بيروت المنقسمة على نفسها طائفياً وعقائدياً، بين شرقية تسيطر عليها الأحزاب المسيحية وغربية لها صبغة مسلمة، وشكل المتحف خط فصل بين "العاصمتين"، وخلال الوقت نفسه كان "معبراً" لمن أراد تحدي الصعاب وإكمال مسيرة الحياة، وأسعفه وجود السفارة الفرنسية على مقربة منه في الحفاظ على موجوداته.
وضمن السياق تشيد خوري بجهود المهندس موريس شهاب الذي كان يشغل موقع المدير العام للآثار خلال حقبة الحرب، "لقد كان شخصاً شغوفاً بالآثار والتاريخ، ولم تشغله الحرب اللبنانية عن الحفاظ على موجودات المتحف"، مضيفة "لقد استغل فترة وقف إطلاق النار خلال الحرب وقرر صب الباطون والخرسانة فوق الموجودات في الطابق الأرضي السفلي من المتحف، وبنى جداراً حول النواويس الحجرية، وعندما انتهت الهدنة ودخل المسلحون، لم يفطنوا إلى ما فعل، بالتالي لم يجدوا شيئاً لسرقته وهو ما أنقذ جزءاً كبيراً من آثار البلاد وتاريخ المشرق"، من هنا ترى خوري "ضرورة إعادة النظر في الإجراءات الأمنية، إذ لا يكفي وجود عنصر أمني واحد للحماية عند مدخل المتحف، ناهيك بتعزيز الوعي لأهمية الحفاظ على الآثار والتعاون الدولي لحمايتها".
نظام معقد
يكشف الخبراء عن إجراءات معقدة لحماية الآثار، والتي يطبق بعضها في متاحف لبنانية. ويلفت الأستاذ المتخصص في كلية الهندسة والعمارة في الجامعة اللبنانية الدكتور خالد تدمري عن إنشاء أنظمة مركبة بالتعاون بين المهندسين وأجهزة الأمن لحماية الآثار، والتي تختلف على ضوء حجم المتحف وأهمية المحفوظات بداخله، معطياً مثالاً "متحف لبنان الشمالي وعكار داخل قلعة طرابلس وهو من المتاحف الصغيرة، والتي أُنشئت لتقديم صورة عن تاريخ البلاد ومشاهد من عصور مختلفة. وتقتصر الحماية فيه على الخزائن المحكمة الإغلاق، على خلاف المتاحف الضخمة والنادرة".
ويتحدث عن "اعتماد نظام أمني معقد وعال عند تجهيز غرفة "الأثر النبوي الشريف" داخل الجامع المنصوري في طرابلس، حيث اتخذ الفريق الهندسي مختلف الاحتمالات في الاعتبار، وتم تأمين سبل الحماية من السرقة، وخصصت لها خزانة لا يمكن فتحها إلى الخارج واقتصرت على مداخل سرية، كما أن سماكة الزجاج تحول دون إمكانية تكسيره يدوياً أو بالرصاص، وأضيف إليه نظام إنذار في حال تعرضت الخزانة إلى المس، إذ تصدر إشارة وتُرسل عبر تطبيق موصول بالإنترنت إلى الجهات المتخصصة بالحماية والأمن.
وإضافة إلى ما سبق، هناك كاميرات المراقبة بجودة عالية، وتعمل ليلاً على الأشعة البنفسجية لاكتشاف الحركة، إلا أن نقطة الضعف بقيت بعدم وجود نقطة أمنية ثابتة عند مدخل المسجد الكبير للتدخل السريع.
ينطلق تدمري من هذه النقطة ليؤكد حجم التعقيد في حماية المتاحف، حيث توجد أعداد كبيرة من القطع النادرة والأثرية التي لا تقدر بثمن، ويفترض وجود احتياطات إضافية لمواجهة الحرائق والزلازل والكوارث.
ويخلص تدمري إلى أن حماية المتاحف كما الأرشيف الخاص بالدول، إنما تكون على عدة مستويات أمنية، كما هي حال المتحف الوطني وخزانة الدولة داخل مصرف لبنان المركزي.