ملخص
الغموض الذي أحاط بجولة مفاوضات نيويورك، ومسارعة الرئيس الأميركي إلى رفض النقاط الإيرانية، وامتناع إيران من اعتماد كلامه رداً نهائياً على مبادرتها، وانتظارها رداً رسمياً عبر الوسيط القطري، يجعل من الصعب القول إن مؤشرات التوافق باتت أقوى من مؤشرات عدمه، بل إن عدم التوافق لا يزال أكثر ترجيحاً من التوافق.
لم يستطع الحراك الدبلوماسي والسياسي الذي شهده مقر الأمم المتحدة في نيويورك، على هامش أعمال الجمعية العمومية، أن يصرف النظر عن حال التصعيد التي تشهدها منطقة غرب آسيا، وإمكان العودة لخيار الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، فعلى رغم نجاح الجهود القطرية في تمهيد الطريق لعودة واشنطن وطهران لطاولة التفاوض وعقد جولة جديدة، وما أوحت به تصريحات الرئيس دونالد ترمب، التي وصف بها المفاوضات بالبناءة والإيجابية، من إمكان التوصل إلى تفاهمات جديدة تعيد تحريك المسار السياسي والدبلوماسي، لكن هذه الإيجابية، من تأكيد ترمب أنه يعمل على إنهاء الحرب مع إيران بأسرع ما يمكن، مروراً بالنقاط السبع الجديدة التي وضعتها طهران أمام المفاوض الأميركي عبر الوسيط القطري، لم تتحول إلى عامل مساعد في خفض مستوى السقوف العسكرية، والتهديدات المرتفعة من قبل الطرفين، سواء من ترمب الذي هدد بمحو إيران، أو طهران التي لوحت بإمكان شنّ حرب استباقية في حال شعرت بوجود نيات جدية لقيام واشنطن بجولة جديدة ضدها.
الغموض الذي أحاط بجولة مفاوضات نيويورك، ومسارعة الرئيس الأميركي إلى رفض النقاط الإيرانية، وامتناع إيران من اعتماد كلامه رداً نهائياً على مبادرتها، وانتظارها رداً رسمياً عبر الوسيط القطري، يجعل من الصعب القول إن مؤشرات التوافق باتت أقوى من مؤشرات عدمه، بل إن عدم التوافق لا يزال أكثر ترجيحاً من التوافق.
تقدّم المؤشرات السلبية يعني أن أرضية التوصل إلى تفاهم وشروطه لم تتبلور بعد، ولا تزال الأمور بحاجة إلى مزيد من الزمن لإنضاج مثل هذا التفاهم، وإذا ما كان عامل الزمن يلعب لغير مصلحة إيران خلال هذه المرحلة التي تتصاعد فيها حدة التأثيرات السلبية للعقوبات الاقتصادية، التي أضيف إليها الحصار الجوي، فإنه يبدو أن الرئيس الأميركي يدرك حجم التأثير الاقتصادي السلبي لأي تصادم مع إيران، قبل نحو شهر من الانتخابات النصفية، لكنه في المقابل لا يريد الذهاب إلى أي اتفاق معها، فالاتفاق الذي يريده من المفترض به أن يضمن عودة تامة لأمن الممرات التجارية وانتقال الطاقة، وأن يساعد في خفض أسعار الطاقة عالمياً بصورة سريعة، ويعيد أسعار المحروقات داخل أميركا لحالها الطبيعية قبل الأزمة.
وإذا ما كانت أهداف الرئيس الأميركي المبدئية تمرّ من خلال إعادة فتح مضيق هرمز، من دون شروط، وإعادة بسط الأمن في الممرات المائية في المنطقة، أي مضيقي هرمز وباب المندب، فإن تحقيق هذه الأهداف لن يقدم لترمب الانتصار الذي يطمح إليه، بخاصة في حال كان التوصل إليه يمرّ من خلال إعادة إحياء مذكرة تفاهم إسلام آباد، التي أكدها وطالب بها الرئيس الصيني شي جينبينغ، خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن، نظراً إلى الثمن السياسي الكبير الذي سيتكبده ترمب والجمهوريون عشية الانتخابات.
من هنا، تصبح العودة من جديد للحديث عن الملف النووي في مواقف الرئيس الأميركي وفريقه، من دون أية إشارة إلى بنود المبادرة الإيرانية، أو حتى الإشارات التي صدرت عن فريقها المفاوض، بإمكان إبداء بعض الليونة في تطبيق هذه البنود، مؤشراً على حقيقة موقف هذه الإدارة من إيران، والآلية التي تدير بها الصراع معها، فالثمن الذي يريده الرئيس الأميركي كمدخل لأية خطوة تسوية مع إيران، سواء عبر إحياء مسار إسلام آباد، أو اعتماد المبادرة الإيرانية الجديدة، يمرّ من بوابة وحيدة وهي الملف النووي، أي أن ترمب يريد إنجازاً مسبقاً في الملف النووي، يكون بمثابة نصر سياسي وإستراتيجي له.
في المقابل، فإن طهران التي لا تثق بترمب مطلقاً، وتعتقد بأنه على استعداد لنقض أي اتفاق بعد الانتهاء من تحديات الانتخابات النصفية، سواء كان اتفاقاً نووياً أو إعادة إحياء لمسار إسلام آباد، ولذلك سعت منذ البداية إلى جعل أي تقدم في الملف النووي، بمثابة خطوة باتجاه إعادة بناء الثقة، ودليلاً على جديتها في الالتزام بأي اتفاق تعقده مع واشنطن، وفي المحصلة لا تكون بذلك قد قدمت لترمب نصراً مجانياً، يمكن أن يستخدمه في الانتخابات، وتضمن في المقابل تنفيذ ما سبق وجرى الاتفاق عليه.
طهران التي تراقب وترصد التحركات الأميركية العسكرية في المنطقة، لا تتعامل مع التسريبات الأميركية، حول تراجع مخزونات واشنطن من الأسلحة بكثير من اليقين والجدية، بخاصة في ظل تقارير استخباراتية عن نقل كميات كبيرة من الذخائر الإستراتيجية إلى كثير من القواعد في منطقة غرب آسيا، ولا سيما تلك القريبة من إيران، وبالتالي فإنها تتعامل مع أية تطورات سياسية أو عسكرية بكثير من الحذر، وإعلان استعدادها لرد مختلف عن السابق، في مواجهة أي اعتداء قد تتعرض له من جديد، ويزداد إمكان الخيار العسكري في حال استطاع الجمهوريون الفوز في الانتخابات، مما يعطي ترمب حرية أكبر في التصعيد، والعودة لخيار الحرب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الباب الذي فتحه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، عندما أعلن استعداد بلاده التفاوض حول مصير مخزونها من اليورانيوم المخصب بدرجة 60 في المئة، ضمن أية آلية يجري التوافق عليها مع واشنطن، لم يكن اقتراحاً هدفه التسويف، بل إستراتيجية تسعى طهران من خلالها إلى مداعبة طموحات ترمب بإنجاز نووي، وإسقاط ورقة ضغط من يد رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، الذي سيحاول توظيف الملف النووي لترجيح خيار الحرب في مقابل خيار التفاهم، فطهران تعتقد أن أي تفاهم مع ترمب سيعزز وضعه الداخلي والانتخابي، لكنه لن يكون في مصلحة نتنياهو، وسيضعه أمام تحد صعب، وقد يؤثر بصورة سلبية كبيرة في معركته الانتخابية، وقد يدفعه نحو عرقلة أية محاولة تقارب أو تفاوض بين واشنطن وطهران.
صعوبة أن يذهب ترمب إلى اتفاق مع إيران، لا يتضمن البرنامج النووي، وسعي نتنياهو إلى تعطيل إي أمكان للحل عشية الانتخابات، قد يدفعان إيران نحو اتخاذ خطوات أكثر تصعيداً، وهذه المرة في طبيعة علاقتها مع "الوكالة الدولية للطاقة الذرية"، بخاصة إذا شعرت بتقدم خيار الحرب على خيار التفاوض، وقد تعلن تعليق عضويتها في "معاهدة الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل"، من دون الانسحاب، وهو ما يعني الدخول الجدي في حال غموض نووي أكثر تعقيداً، فضلاً عن تعطيل أي إمكان لأنشطة الوكالة على الأراضي الإيرانية، من دون الذهاب إلى خيار التصنيع العسكري خلال هذه المرحلة.