Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا اقتلعت الحرب أسنان أهل غزة ومعها بسماتهم

تضخمت الأسعار حتى نافست الذهب مما شجع الأطباء على الهجرة

يقول الطبيب نجدت صقر "هذا العمل البدائي يعكس موتاً إكلينيكياً لتكنولوجيا قطاع الأسنان بغزة" (رويترز)

ملخص

بسبب الحصار واستهداف المستودعات الطبية في قطاع غزة، قفزت أسعار البنج والمستلزمات بنسبة 8000%، لتصبح أغلى من الذهب.

شبان وأطفال يفقدون ابتساماتهم الطبيعية للأبد لغياب حشوة عصب بسيطة أو أنبوب تخدير.

تحت ضوء خافت ينبعث من هاتف محمول داخل خيمة قماشية في غزة، يمسك طبيب الأسنان أنس بكماشة حديدية يدوية، أمامه على مقعد بلاستيكي يتلوى شاب في الـ20 من عمره من شدة الألم.

لا توجد في خيمة الطبيب أنس والتي حولها إلى عيادة أسنان كراس هيدروليكية حديثة واختفت أدوات الحفر الرقمية، والأخطر من ذلك كله لا وجود لأمبولة تخدير واحدة، ولا خيار سوى الخلع الفوري لسن كان يمكن إنقاذه بحشوة عصب بسيطة لو كانت متوافرة.

ما يدور في هذه العيادة هو الواقع اليومي الجديد لقطاع طب وصناعة الأسنان في غزة، إذ تسببت المعارك العسكرية بين حركة "حماس" وإسرائيل في انهيار شبه كامل، بخاصة بعد تدمير المستودعات الرئيسة التي بها مخزون جيد من المواد الخام الطبية.

بسبب الحرب، يقف الأطباء عاجزين أمام آلام ضروس مرضاهم، بخاصة بعدما قفزت أسعار مواد الأسنان الشحيحة أرقاماً تزاحم أسعار الذهب، ويضعونهم أمام خيارين، إما التعايش مع التهابات عصبية حارقة، أو التنازل عن أسنانهم الطبيعية إلى الأبد.

 

الخلع القسري

الأصل في علم طب الأسنان هو الحفاظ على السن الطبيعية داخل الفم لأطول فترة ممكنة عبر إجراءات تبدأ بحشوات التسوس البسيطة، مروراً بعلاج العصب المعقد، وصولاً إلى تركيب الجسور.

يعد الخلع في العرف الطبي الخطوة الأخيرة، ولا يتم اللجوء إليه إلا إذا تفحم السن تماماً ولم يعد هناك أي أمل في إنقاذه.

في غزة، لم يعد الأطباء يلتزمون بهذا البروتوكول، وصار الخلع هو الإجراء الأول، بعد تبخر المواد والمستلزمات التي تسبق خطوة الخلع من الأسواق جراء إغلاق المعابر وتدمير المخازن.

ابتسامة مبتورة

كانت رغد تحتاج إلى علاج عصب بسيط في ضرسها الأمامي، وهو إجراء روتيني يستغرق جلستين لتنظيف السن وحشوها، لكن غياب سوائل التعقيم الكيماوية الخاصة بالقنوات العصبية ونفاد العجائن الطبية، جعل كلفة الحشوة إن وجدت في السوق الموازية تتجاوز 150 دولاراً.

تقول رغد "توسلت للطبيب أن يفعل أي شيء لحماية ضرس الخد الأيمن، لكن الألم كان يحرمني النوم نهائياً ولم يكن معي ثمن الحشوة".

انتهى الأمر بجلوس رغد على مقعد عادي، وكان الخلع هو الحل الوحيد المتاح مجاناً في النقطة الطبية لإنهاء الوجع، "خسرت جزءاً من وجهي وابتسامتي في ثوانٍ، والآن أشعر بالخجل كلما تحدثت".

قصة رغد تتكرر يومياً مع مئات الفتيات والشباب الذين يواجهون تشوهات فكية مبكرة تؤثر في نطقهم وصحتهم النفسية.

يقول طبيب الأسنان حسن مقداد "لم نعد نمتلك أي إمكانات لتقديم حشو عصب مناسب ومستدام لأي مريض، لأن المستلزمات الطبية المتوافرة والمتبقية في الأسواق باتت منتهية الصلاحية"، ويضيف "يضطر الأطباء لإجراء جراحات الخلع الطارئة في بيئات تفتقر للمقومات الأساسية لإنقاذ المرضى من المضاعفات الشديدة".

يستخدم الطبيب حسن ما تيسر من أدوات قديمة وبلا بنية تحتية مجهزة إذ يعمل في خيمة مهترئة ويبذل الجهد لمنع تفاقم الدمامل والالتهابات الحادة في فك المريض. ويتابع "الخلع المباشر يهدد بكارثة صحية مستدامة، ففقدان الأسنان المبكر، بخاصة لدى الأطفال الذين يخسرون أسنانهم اللبنية قبل أوانها من دون تركيب حافظات مسافة، سيتسبب في تراجع نمو عظام الفكين، ما يعني أن الجيل القادم في غزة ينشأ بتشوهات حادة وأمراض هضمية مزمنة جراء عدم القدرة على مضغ الطعام بصورة سليمة".

إعادة تدوير

قبل الحرب كانت في غزة ورش لصناعة الأسنان، لكنها اليوم توقفت بسبب انقطاع الكهرباء وأزمة المواد الخام، صحيح أن المشاغل توقفت لكن الأطباء الفنيون واصلوا عملهم بخلطات بدائية مستخرجة من قلب الدمار.

في الوضع الطبيعي، يعتمد فني الأسنان على نوع خاص ومستورد من الجبس الطبي النقي عالي الصلابة، يسكب داخل طبعات الفم لإنشاء مجسم دقيق ومطابق لفك المريض، يتبنى على أساسه السن البديلة.

مع النفاد الكامل لهذا الجبس من مستودعات غزة، برزت قصة فني الأسنان رامي الريفي، الذي واجه هذا العجز بطريقة غير مألوفة، إذ توجه نحو تدوير ركام المنازل المقصوفة.

ينبش الريفي بين أنقاض البنايات المهدمة بحثاً عن كتل الجبس الأبيض المستخدم في الديكورات الداخلية للمنازل، بعد الجمع يطحنه يدوياً بدقة متناهية، ومن ثم يغربله مرات عدة عبر مصاف قماشية ضيقة للتخلص من الشوائب والأتربة، وصولاً إلى استخلاص مسحوق ناعم يعاد خلطه بالماء لصب قوالب الأسنان.

يفتقر هذا الجبس للمواصفات الحيوية المعقمة لأسنان البشر، ويحمل أخطار التفتت وعدم الدقة الإطباقية، إلا أنه بات الخيار المتاح لاستمرار صناعة أطقم الأسنان المتحركة لكبار السن.

يقول الطبيب نجدت صقر "هذا العمل البدائي يعكس موتاً إكلينيكياً لتكنولوجيا قطاع الأسنان بغزة، لقد توقفت بالكامل أفران صهر الزيركون الحديثة، وأجهزة الخراطة الحاسوبية وأفران البورسلين الرقمية التي تحتاج إلى طاقة كهربائية مستمرة وجهد كهربائي مستقر ومقنن لا يمكن للمولدات العادية توفيره، فضلاً عن غياب قطع الغيار والغازات الصناعية المخصصة للصهر".

يضيف "عادت المعامل عقوداً كاملة إلى الوراء، لتعود مهنة طب الأسنان بغزة إلى عصر الصناعة اليدوية البدائية، حيث يقف الفني ساعات طويلة يصهر ويبرد ويصقل بأدوات بائدة، لإنتاج بدائل تفتقر للجودة والجمالية، لكنها تؤدي غرضاً واحداً أساساً تمكين الإنسان في غزة من مضغ ما يتوفر له من طعام".

تبعات

ويحذر الأطباء من التبعات بعيدة المدى لهذا النمط البدائي من التصنيع.

ويشير متخصص تركيبات الأسنان محمد العطار إلى أن "استخدام جبس الديكورات المنزلي المعاد تدويره أو صهر المعادن بطرق بدائية يتسببان في عدم دقة هذه التركيبات، مما يؤدي إلى آلام حادة في مفصل الفك وضمور متسارع في اللثة للمرضى الذين تضطرهم الظروف لتركيبها".

التعقيم البدائي

أدى تدمير العيادات الطبية المعقمة إلى العمل من داخل خيام من النايلون والقماش، لكن هذا التغيير ترتب عليه هبوط حاد في معايير السلامة.

يقول عضو مجلس نقابة أطباء الأسنان في غزة حسن مقداد "تفتقر عيادات الخيام لأدنى مقومات التجهيز، استبدلت بكراسي الأسنان الفاخرة مقاعد بلاستيكية عادية أو مقاعد سيارات تالفة يثبت عليها رأس المريض يدوياً، وفي غياب الإضاءة الطبية المركزة يضطر الطبيب للاعتماد كلياً على كشافات الهواتف المحمولة لتوفير رؤية داخل تجويف الفم المعتم".

يضيف مقداد "يعتمد طب الأسنان على جهاز الأوتوكلاف، وهو فرن حراري يعمل تحت ضغط بخار مرتفع جداً، ويمثل الوسيلة الوحيدة القادرة على إبادة الفيروسات الكبدية والميكروبات المتحوصلة العالقة بالأدوات الجراحية والمناشير اليدوية"، ويوضح أن البديل هو العودة إلى العصور الوسطى من طريق غلي الأدوات الطبية القاطعة وإبر الجراحة فوق مواقد الحطب، أو نقعها في كحول بدائي منخفض التركيز، مشيراً إلى أن هذا الأسلوب البدائي لا يقتل الفيروسات الخطرة المستوطنة في الدم والأنسجة الفموية.

ومع غياب المياه النظيفة للمضمضة، تصبح كل عملية خلع أو جراحة داخل الخيمة بمثابة ناقل محتمل ومباشر للأمراض الفيروسية عبر الدم.

يشرح مقداد "الطائرات الحربية والمسيرة تهدر فوقنا، والغبار يتسلل إلى كل أداة جراحية، التعقيم يمثل هاجساً مرعباً، فنحن نجاهد بالحد الأدنى من غلي الماء والكحول، لكننا نعلم أن البيئة المفتوحة للخيمة لا يمكن أن تكون بيئة جراحية آمنة بنسبة 100 في المئة، لكن ألم الناس يمنعنا من التوقف".

مواد أغلى من الذهب

لم تعد المواد الطبية الشحيحة لطب الأسنان من المستلزمات العلاجية المدعومة، إذ تباع في السوق السوداء بأسعار فلكية، تتجاوز قيمتها الغرامية في بعض الأحيان قيمة المعادن النفيسة كالذهب.

تخضع عملية دخول أي مادة طبية لقطاع غزة لرقابة وحصار خانقين، غير أن كميات ضئيلة ومحدودة للغاية تتسرب إلى الأسواق بطرق ملتوية.

بمجرد وصول هذه المواد إلى غزة، تقع في أيدي شبكة من التجار الذين يتحكمون في أسعارها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أحمد السوافيري، صاحب أحد المستودعات الرئيسة المتضررة لتوريد مستلزمات الأسنان في غزة، يقول "قبل الحرب كانت الأسعار مستقرة ومراقبة نقابياً وحكومياً. ما يتدفق للسوق يمر عبر قنوات احتكارية تفرض أرقاماً خيالية لا علاقة لها بالواقع التجاري".

ويستعرض السوافيري لغة الأرقام الصادمة لمقارنة الأسعار بين ما قبل الحرب وما بعدها، "مادة الطبعات السنية، كان سعر المجموعة الكاملة 50 دولاراً، أما اليوم فتباع المادة الفردية منها داخل السوق الموازية بـ300 دولار إن وُجدت".

ويكمل "الجبس الطبي المتخصص قفز سعر الكيلوغرام الواحد من 50 دولاراً إلى قرابة 1500 دولار، وأمبولات بنج الأسنان ارتفعت أسعارها بنسبة تفوق 8000 في المئة".

بسبب القيود على المعابر نفدت المواد الطبية الحيوية، ومن أبرزها مستهلكات الحشو والتعقيم الجذري وسوائل غسل القنوات العصبية والشمع الطبي الأزرق والوردي والبورسلين وبودرة الخزف وقوالب المعادن المخصصة لصناعة الجسور الثابتة، وسنابل حفر الأسنان وإبر خياطة الجراحة الفموية المعقمة.

الاستخدام المزدوج

تبرر إسرائيل قيودها على المعابر بذريعة الدواعي الأمنية ومكافحة الإرهاب، وتدرج كثيراً من المواد والمعدات الطبية الأساسية تحت قائمة المواد ذات الاستخدام المزدوج.

يقول منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في المناطق يورام هليفي "لا نسمح بدخول أجهزة الخراطة الحاسوبية وأفران الصهر الرقمية وقطع غيارها، بخشية استخدام لوحاتها الإلكترونية أو تقنياتها في تصنيع المسيرات أو المنظومات القتالية المحلية".

يضيف "سوائل غسل القنوات العصبية والغازات الصناعية المستخدمة في صهر المعادن والبورسلين تخضع لحظر مشدد" بزعم إمكان استخدام مركباتها الكيماوية في صناعة المتفجرات أو الوقود الصاروخي.

تدمير رأس المال البشري

بحسب بيانات نقابة أطباء الأسنان فإن الحرب أسفرت عن مقتل ما يقارب 150 طبيب أسنان وفني معمل من الكفاءات والقامات المهنية البارزة في القطاع.

يقول نقيب أطباء الأسنان في قطاع غزة بهجت اشتيوي "هذا الفقدان البشري تزامن مع دمار شامل في المؤسسات التعليمية، إذ دمرت كليات طب الأسنان في جامعات غزة، ما أدى إلى تدمير مستقبل مئات الخريجين الجدد، هؤلاء الطلبة وجدوا أنفسهم فجأة بلا مقاعد دراسية، وبلا مستشفيات جامعية للتدريب، مما أصاب سلاسل الإمداد البشري للمهنة بشلل تام".

يضيف "الأثر الأكثر خطورة لأزمة قطاع الأسنان يتمثل في تصفية رأس المال البشري، فالمنظومة التي استغرق بناؤها وتطوير أكاديمياتها عقوداً من الزمن، تواجه اليوم نزفاً حاداً يهدد بإفراغ القطاع من كفاءاته وعقوله الطبية". ويتابع اشتيوي "نواجه الهجرة الصامتة لأطباء الأسنان الشباب والكفاءات التخصصية مثل جراحي الوجه والفكين ومتخصصي التقويم، بعدما تحولت عياداتهم التي كلفتهم عشرات آلاف الدولارات إلى ركام، ومع انعدام أي أفق قريب لإعادة الإعمار أو إدخال الأجهزة والمواد الحديثة، اضطر مئات الأطباء لمغادرة القطاع عبر المنافذ المتاحة بحثاً عن مستقبل مهني".

ويشرح نقيب أطباء الأسنان "لا نعيش أزمة رعاية طبية موقتة، بل نواجه خطراً يهدد مستقبل طب الأسنان، فالطبيب الشاب الذي يخسر عيادته ويجد نفسه عاجزاً عن توفير أمبولة بنج لعلاج مريض، يقع تحت ضغط نفسي ومادي هائل يدفعه قسراً للهجرة، إذا استمر هذا النزف البشري فإن غزة ستستيقظ بعد سنوات لتجد نفسها بلا جراحي أسنان وبلا معامل تصنيع، وسندفع ثمن هذا الإفراغ لجيلين قادمين في الأقل".

في الواقع، تعد أزمة قطاع الأسنان في غزة تعبيراً صارخاً عن حرمان الإنسان من أبسط حقوقه الصحية، فالوجع الممتد من عصب السن إلى فك المريض يتجاوز حدود الألم الموضعي ليصبح أداة لتعطيل الحياة اليومية والقدرة على البقاء ومضغ الطعام.

وفي مقولة تختزل هذا الواقع المأسوي، يختم عضو مجلس نقابة أطباء الأسنان حسن مقداد "هذه الحرب لا تستهدف فقط عظام الناس أو بيوتهم، إنها تستهدف حريتهم في التعبير وأبسط ملامح وجههم، عندما نجبر على خلع أسنان الشباب والأطفال الأصحاء لغياب حشوة عصب بسيطة، فإننا ننتزع سناً من مكانه ونقتلع من ملامح أهل غزة قدرتهم على الابتسام في وجه العالم".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات