ملخص
في غزة، لم يشفع لهم "رداء أبقراط" فبدلاً من تكريمهم، سيقوا مكبلي الأيدي من غرف العمليات إلى غياهب الزنازين. هنا نسلط الضوء على الأثر الذي تركه غياب الأطباء والجراحين في القطاع المدمر.
يقف الطبيب منير البرش أمام مبنى مستشفى الشفاء الطبي الذي دمره الجيش الإسرائيلي، يستذكر حاله عندما كان شاهداً مباشراً على اقتحام الجيش الإسرائيلي المرافق الصحية واعتقال زملائه العاملين الصحيين، ويتساءل "متى يعود هؤلاء الأطباء إلى غرف عملياتهم، قبل أن تلفظ المنظومة الصحية في غزة أنفاسها الأخيرة؟".
في الواقع تعد قضية الأطباء والكوادر الصحية الذين تعرضوا للاعتقال على يد الجيش الإسرائيلي أثناء الحرب على غزة أحد أكثر فصول المعاناة الإنسانية تعقيداً، ليس فقط لكونهم أرقاماً في السجون، بل لأن غيابهم يترك فراغاً قاتلاً في منظومة صحية متهالكة أصلاً.
60 طبيباً معتقلاً
عندما اقتحمت القوات البرية الإسرائيلية مستشفيات قطاع غزة، اقتادت من داخل المنشآت الطبية عشرات الأطباء إلى المعتقلات والزنازين القاسية، ومن بين هؤلاء قامات طبية مشهود لها بالكفاءة مثل مدراء مستشفيات ورؤساء أقسام جراحة. وعملية الاعتقال لها أبعاد كثيرة، أخطرها أن اعتقال طبيب جراح واحد لا يعني غياب شخص، بل توقف عمليات نوعية وانهيار الإدارة الطبية.
بحسب بيانات وزارة الصحة فإن الجيش الإسرائيلي اعتقل ما يقرب من 400 كادر صحي بينهم أطباء وممرضون ومسعفون وإداريون طبيون، أفرجت تل أبيب عن 340 منهم في صفقات التبادل أو بعد فترات من التحقيق والاحتجاز، ولا يزال نحو 60 كادراً طبياً قيد الاحتجاز، من بينهم 14 طبيباً في الأقل جراحون ومدراء مستشفيات.
وتضم قائمة الأطباء المعتقلين قامات طبية وإدارية كان لها دور محوري في استمرار الخدمة الصحية في غزة تحت أصعب ظروف الحرب، ومن أبرزهم استشاري طب الأطفال حسام أبو صفية، الذي كان يشغل مدير مستشفى كمال عدوان، والطبيب مروان الهمص مدير مستشفى أبو يوسف النجار، ورئيس قسم الجراحة في المستشفى الإندونيسي أكرم حسين، وجراح الأوعية الدموية إياد عبد الذي ترك غيابه تأثيراً مؤلماً بشدة في الجرحى.
14 تخصصاً مهماً
تضم قائمة الأطباء المعتقلين نحو 14 طبيباً من تخصصات الجراحة العامة وجراحة العظام والتخدير، وهم ممن رفضوا مغادرة المستشفيات أثناء العمليات العسكرية للبقاء مع الجرحى الذين لا يمكن نقلهم، وأدى غياب هؤلاء الكوادر إلى جعل المنظومة الصحية في حال شلل شبه تام، وباتت تعتمد على المستشفيات الميدانية والكوادر المتطوعة لسد العجز الهائل الذي تركه اعتقال الكفاءات الطبية.
تمت عمليات اعتقال الأطباء من قبل الجيش الإسرائيلي عبر سيناريوهات ميدانية متكررة، غلب عليها طابع المباغتة أثناء تأدية الواجب المهني، يقول مدير عام وزارة الصحة منير البرش "كانت هذه الطريقة الأكثر شيوعاً في اعتقال الأطباء أثناء اقتحام المستشفيات ومحاصرتها، حيث جرت عمليات اعتقال جماعية أثناء المداهمات العسكرية للمرافق الطبية، ففي مجمع الشفاء الطبي تم اعتقال عشرات الأطباء، وإجبار الكوادر على الخروج إلى الساحات معصوبي الأعين ومكبلي الأيدي".
ويضيف "جرت عمليات اعتقال مباشرة من داخل غرف العمليات أو مكاتب الإدارة، فمثلاً تم اعتقال الطبيبين حسام أبو صفية وأحمد الكحلوت بعد حصار مشدد لمستشفى كمال عدوان، حيث تم اقتيادهم تحت تهديد السلاح".
ويوضح البرش أن الجيش الإسرائيلي اعتقل أيضاً عدداً من الأطباء أثناء محاولتهم النزوح من شمال القطاع إلى جنوبه أو أثناء تنقلهم بين المرافق الطبية، وفي بعض الحالات جرى اعتقالهم أثناء مشاركتهم في القوافل الإنسانية التابعة لمنظمة الصحة العالمية على رغم وجود تنسيق دولي.
نمط واحد
وتعرض جميع الأطباء لنمط واحد من التعامل فور الاعتقال، بحسب شهادات المفرج عنهم. يقول الطبيب وائل عبدالهادي "يجبر الأطباء على خلع ملابسهم والبقاء بالملابس الداخلية فقط لساعات طويلة في البرد بمجرد اعتقال أي كادر، ثم نبقى معصوبي الأعين ومكبلي الأيدي بمرابط بلاستيكية شديدة الإحكام لفترات قد تمتد لأيام أثناء النقل الذي يتم في شاحنات مكشوفة إلى مراكز احتجاز موقتة أو معسكرات مثل سدي تيمان، حيث تبدأ جولات التحقيق التي تتضمن تعذيباً جسدياً ونفسياً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف الطبيب الذي أفرج عنه من السجون الإسرائيلية "يجبر الأطباء الذين لا يزالون معتقلين على الجلوس في وضعيات ثابتة مثل القرفصاء من الساعة الخامسة صباحاً حتى العاشرة مساء، ويمنعون من التحدث أو حتى تحريك أطرافهم، ومن يتحرك يتعرض للضرب الفوري".
من جانبها، تقول مقررة الأمم المتحدة الخاصة للحق في الصحة تلالينج موفوكينج "تلقيت تقارير موثوقة عن تعرض الطبيب حسام أبو صفية لتعذيب وحشي يشمل الضرب المبرح وكسر الأضلاع والحرمان من العلاج، على رغم كونه كادراً طبياً مدنياً يحميه القانون الدولي، هذه التقارير تتطابق في أدق تفاصيلها مع باقي الأطباء المعتقلين مما يثبت أنها لم تكن تصرفات فردية، بل سياسة ممنهجة متبعة في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية للتعامل مع الأطباء الفلسطينيين".
ألوان العذاب
بحسب المعلومات فإن الأطباء المعتقلين يتعرضون لصور قاسية من التعذيب شملت الضرب المبرح مع التركيز على مناطق معينة في الجسم لكسر الروح المعنوية، ونتجت من ذلك كسور في الأضلاع والأطراف لبعض الأطباء، والشبح إذ يتم تقييد اليدين خلف الظهر ورفعهما لفترات طويلة مما يسبب آلاماً مبرحة وأضراراً دائمة في الأعصاب، وإطلاق الكلاب البوليسية، والحرمان من الملابس والعلاج، والتعذيب النفسي والضغط خلال التحقيق في محاولة لإجبارهم على الإدلاء بمعلومات عن الفصائل الفلسطينية، والإيداع في زنازين ضيقة جداً ومظلمة تفتقر لأدنى المقومات الصحية، ومنع زيارات الصليب الأحمر أو المحامين لفترات طويلة جداً، مما يجعل الطبيب في حال إخفاء قسري لا تعرف عائلته عنه شيئاً.
ولا توجد تهم جنائية واضحة أو لوائح اتهام رسمية مقدمة ضد أطباء غزة في المحاكم الإسرائيلية، إذ يحتجز غالبهم تحت بند الاعتقال الإداري أو بموجب قانون المقاتلين غير الشرعيين، وهو ما يتيح لها احتجاز الأطباء من دون توجيه تهم رسمية أو السماح بتمثيل قانوني لفترات طويلة، أو حتى السماح بزيارات المحامين بانتظام، بدعوى الضرورة الأمنية.
لا تهم ولا محاكمة
يقول مدير قسم الأسرى والمعتقلين في منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" ناجي عباس "الأطباء الفلسطينيون يعاملون كأهداف سياسية، إذ تتهمهم السلطات الإسرائيلية بتقديم المساعدة لجهات معادية، وهذه هي التهمة الفضفاضة الأكثر استخداماً، وتتمثل في ادعاء أن الأطباء قدموا علاجاً طبياً لمقاتلين من الفصائل الفلسطينية من دون التبليغ عنهم، وسمحوا باستخدام المستشفيات كمراكز قيادة أو تخزين أسلحة، وكانوا على علم بنشاطات عسكرية داخل أو تحت المستشفيات وتستروا عليها، وفي بعض الحالات يتم توجيه تهمة الانتماء لتنظيمات فلسطينية".
ويضيف عباس "تعتمد إسرائيل على قانون المقاتل غير الشرعي للتعامل مع الأطباء، وهو قانون يمنح السلطات صلاحيات واسعة جداً مثل الاعتقال من دون تهمة، إذ يسمح باحتجاز الطبيب لفترات طويلة من دون الحاجة إلى تقديم أدلة للمحكمة، وتدعي وجود ملفات سرية لا يمكن للمحامي أو الطبيب المعتقل الاطلاع عليها لدواع أمنية، وتمنعه من لقاء المحامي لفترات قد تصل إلى 75 أو 90 يوماً قابلة للتجديد، وهي الفترة التي يتم فيها ممارسة أقسى ضغوط التحقيق".
ويوضح أن هذه التهم غالباً ما تكون انتقامية أو تهدف لانتزاع اعترافات تحت التعذيب لتبرير العمليات العسكرية داخل المستشفيات، إذ لم تنجح إسرائيل حتى الآن في تقديم أي طبيب من المعتقلين لمحاكمة علنية تثبت فيها هذه التهم بأدلة مادية قطعية.
ويشير عباس إلى أن "أطباء من أجل حقوق الإنسان" قدمت التماسات للمحكمة العليا الإسرائيلية تطالب إما بتقديم لوائح اتهام واضحة ضد الأطباء المعتقلين ومنحهم حق الدفاع، أو الإفراج الفوري عنهم لعدم وجود مسوغ قانوني لاستمرار احتجازهم.
منظومة صحة متهالكة
اعتقال الأطباء لا يعد فقط فقداناً لأفراد، بل هو قطع للأعصاب الحيوية لما تبقى من جسد المنظومة الصحية في غزة، التي تعاني القصف ونقص الوقود والمستلزمات، وتلقت ضربة قاصمة باعتقال هؤلاء الكوادر. يقول مدير عام وزارة الصحة منير البرش "اعتقال الأطباء ليس إجراء أمنياً بل هو جزء من خطة لتدمير الوجود الفلسطيني وإنهاء متعمد لما تبقى من خدمات صحية في القطاع، إسرائيل تسعى إلى إعدام المنظومة الصحية عبر تغييب عقولها وكفاءاتها في غياهب السجون".
ويضيف "بسبب اعتقال الأطباء فقدت مستشفيات غزة التخصصات النادرة، وبات هناك عجز نوعي إذ إن معظم الأطباء المعتقلين هم استشاريون ورؤساء أقسام في تخصصات دقيقة، وفي القطاع قد لا يوجد سوى عدد محدود جداً من الأطباء في جراحة الأوعية الدموية والمخ والأعصاب، وغياب طبيب واحد من هذه التخصصات يعني أن أي إصابة معقدة في الأطراف ستنتهي بالبتر الحتمي".
ويوضح أن "اعتقال مدراء المستشفيات يهدف إلى إحداث فوضى إدارية، فمدير المستشفى هو المسؤول عن تنسيق تدفق الجرحى وتوزيع الموارد الشحيحة والتواصل مع المنظمات الدولية لتأمين المساعدات، وغياب القيادة الطبية يجعل المستشفى يتحول من مؤسسة منظمة إلى نقطة طبية عاجزة عن التعامل مع الكوارث الكبرى والعدد الهائل من الإصابات الجماعية".
ويشير البرش إلى أن غياب الأطباء أدى إلى ضياع الخبرة الميدانية المتراكمة، إذ إن أطباء غزة يمتلكون خبرة فريدة عالمياً في طب الحروب والكوارث، بعدما تدربوا لأعوام على التعامل مع إصابات الانفجارات والحروق المعقدة بأقل الإمكانات، وباعتقال الاستشاريين توقفت عملية نقل المعرفة والخبرة للجيل القادم، مما يهدد مستقبل المهنة الطبي في القطاع لأعوام طويلة قادمة".
ويبين أن اعتقال الطبيب من داخل غرفة العمليات يرسل رسالة ترهيب لبقية الكوادر، إذ يخلق حالاً من عدم الأمان المهني، فيشعر الطبيب أنه مستهدف على رغم الحماية الدولية المفترضة لمهنته، وهذا الضغط النفسي يؤثر في كفاءة الأطباء الباقين الذين يعملون تحت وطأة الخوف من الاعتقال أو الاستهداف المباشر.
ويظهر أنه مع اعتقال الأطباء تفاقمت معاناة أصحاب الأمراض المزمنة، إذ توقفت برامج العلاج الكيميائي وغسيل الكلى، وغابت المتابعة الدقيقة لمرضى القلب والسكري مما رفع من معدل الوفيات الصامتة بعيداً من أزيز الرصاص، مؤكداً أن تغييب هؤلاء الأطباء هو حكم بالإعدام على آلاف المرضى والجرحى، فالمنظومة الصحية في غزة لا تعاني فقط نقص الدواء، بل تعاني يتماً مهنياً بعدما سُحب منها آباؤها الروحيون وعقولها المفكرة.
طلبات ولا قبول
وطالبت الأمم المتحدة بالإفراج الفوري عن أطباء غزة، ووثقت أن اعتقالهم تم أثناء ممارستهم لعملهم الطبي المدني الصرف، لكن على رغم المناشدات المتكررة من منظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر ونقابات الأطباء الدولية بضرورة إطلاق سراحهم فإن النتائج لا تزال محدودة.
وترفض إسرائيل التعاطي مع المطالبات الدولية، ويعقب متحدث الجيش الإسرائيلي نداف شوشاني "(حماس) تعمل بصورة منهجية داخل المستشفيات، المدراء والكوادر الطبية ليسوا غافلين، بل يوفرون الغطاء لاستخدام المنشآت الطبية كمراكز قيادة ومخازن سلاح، الطاقم الطبي تعمد البقاء في مناطق القتال ليس لأهداف إنسانية، بل لعرقلة عمليات الجيش الإسرائيلي وتوفير دروع بشرية للمقاتلين المتحصنين في المستشفيات".
ويضيف شوشاني "كل من يعمل تحت مظلة إدارة (حماس)، بما في ذلك المسؤولون الطبيون الذين يسهلون عمل الحركة، هم أهداف مشروعة للتحقيق والاعتقال، الأطباء المعتقلون ليسوا مجرد مقدمي خدمة صحية بل لديهم صلات تنظيمية وثيقة ويستخدمون مكانتهم المهنية لتوفير غطاء لنشطاء الحركة".