Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فيلم فرنسي عن الترحيل يفتتح مهرجان لوكارنو

الفتى اللاجئ يقع في غيبوبة عميقة في "العيون الخضر"

فيلم "العيون الخضر" يفتتح مهرجان لوكارنو (ملف الفيلم)

ملخص

افتتحت الدورة الـ79 من مهرجان لوكارنو السينمائي (سويسرا) مساء الأربعاء الماضي، بفيلم يتناول قضية الهجرة واللجوء التي لا تزال تلقي بظلالها على المجتمعات الأوروبية، مسببة انقسامات حادة واصطفافات متباينة. وتستمر الدورة حتى الـ15 من الشهر الجاري.

يحمل فيلم الافتتاح  في مهرجان لوكارنو عنوان "العيون الخضر"، وهو من توقيع الثنائي الفرنسي فاني لياتار وجيريمي تروي اللذين يقدمان تجربتهما الروائية الطويلة الثانية. يتناول الفيلم مصير عائلة تواجه خطر الترحيل القسري والعودة إلى البلد الذي اضطرت إلى الفرار منه هرباً من الحرب والتهديد المحدق بحياة أفرادها.

تدور الأحداث حول الطفلة شايا (دواي بوتاربوش مزاوكي)، وشقيقها نور (سيد العلامي)، ووالدهما (عمر الجباعي). تعيش هذه الأسرة في ظل غياب الأم، التي لا تزال حاضرة كطيف يخيم على حياتهم اليومية. فالفقدان أكبر من أن يعالج بالكلمات، لذلك يلتزم الجميع الصمت، فالحديث عنها من شأنه أن يعيد فتح جراح الماضي. وعلى رغم الآثار النفسية التي تركتها التجربة، يجد أفراد الأسرة قدراً من الطمأنينة في منطقة اللاند في جنوب غرب فرنسا، حيث يبدأون باستعادة إحساس بالأمان يسمح لهم بالتطلع إلى المستقبل بشيء من الأمل.

غير أن هذا التوازن المصطنع ينهار فجأة مع وصول رسالة تبلغهم برفض طلب اللجوء الذي تقدموا به. صدمة جديدة تقلب حياتهم رأساً على عقب، وتدفع نور إلى الدخول في سبات عميق، في حدث يبدو عصياً على التفسير.

يفقد نور أي رغبة في المقاومة، منسحباً من الواقع، غارقاً في نوم عميق يعرف طبياً باسم "متلازمة الاستسلام"، وهي اضطراب نادر يشبه الغيبوبة، وقد يستمر لأشهر أو حتى لسنوات، ويصيب في الغالب أطفال اللاجئين الذين يواجهون خطر الترحيل بعد رحلة نزوح محفوفة بالأخطار هرباً من أوضاع مأسوية. ليست هذه الظاهرة حالاً معزولة، إذ سبق أن ظهرت أعراض مشابهة لدى أطفال لاجئين في بلدان أوروبية أخرى، من بينهم أطفال سوريون في السويد، بعدما وجدوا أنفسهم أمام خطر فقدان المكان الذي ظنوا أنهم وجدوا فيه ملاذهم.

عند الإصابة بها، يختار الجسد السكون التام، في محاولة يائسة لحماية صاحبه من ألم نفسي بلغ حداً يستحيل معه الاستمرار في المواجهة والتصدي. يجمع الفيلم بين الواقعية والرمزية ليمنح شكلاً لمعاناة يصعب التعبير عنها بالسرد الواقعي وحده. وحين يغدو الواقع غير محتمل، لا يجد العقل سوى الاحتماء بالحلم، فيتحول النوم إلى ملاذ موقت تتلاشى فيه الحدود ويخف حدة الألم.

خيبة الحلم الأوروبي

ذاع صيت الثنائي الفرنسي لياتار - تروي في الأوساط السينمائية بعدما حققاً نجاحاً معيناً مع "غاغارين" الذي أقدم مهرجان كان على ضمه إلى برنامجه عام 2020 قبل أن يتم إلغاء تلك الدورة بسبب الجائحة. نلاحظ أن فكرة الطرد والاستعانة بالأحلام لدى المطرودين من الفراديس الأوروبية، كان، قبل "العيون الخضر"، الموضوع الأساس في "غاغارين"، إذ تدور الحكاية على يوري، المراهق الذي يرفض مغادرة مجمع غاغارين السكني المهدد بالهدم، ويحوله إلى مركبة فضائية تعكس أحلامه بالهرب من واقع اجتماعي مأزوم. أهمية الفيلم تكمن في استعادة تاريخ هذا المجمع، الذي كان يوماً رمزاً للمشروع الشيوعي الفرنسي قبل أن يتحول إلى حي للمهاجرين تهمشه الدولة.

يقول المخرجان أن اهتمامهما بـ"متلازمة الاستسلام" بدأ لأنها تصيب الأطفال والمراهقين، ولأنهما كانا يرغبان أصلاً في إنجاز فيلم عن عالم الطفولة، بعد تجربتهما السابقة في العمل مع الأطفال. ومن هنا نشأت الرغبة في استكشاف ما يدور داخل ذهن طفل ينسحب بالكامل من الواقع، وما الذي يمكن أن يختبئ خلف هذا السبات الغامض. تناول قضية الهجرة من خلال حكاية أسرة، بعيداً من السرديات العامة المعتادة حول اللجوء والهجرة، بدا لهم حلاً أنسب، إذ يتحول الحدث السياسي إلى تجربة شخصية يعيشها طفل بكل عجزه.

أما عالم الأحلام الذي يبنيه الفيلم، فانطلق من شهادة لطفل أصيب بهذه المتلازمة، قال إنه لم يتذكر شيئاً بعد دخوله في السبات، سوى إحساس بأنه كان محبوساً داخل قفص زجاجي وسط المحيط، وأن أي حركة منه كانت كفيلة بتحطيم القفص وإغراقه. هذه الصورة تركت أثراً بالغاً لدى المخرجين، فشكلت نقطة انطلاق الخيال البصري للفيلم، وصولاً إلى المشهد الختامي.

غابة اللاند، حيث تجري الأحداث، هي إحدى أكبر الغابات في أوروبا. لم تبقَ مجرد خلفية للأحداث، وإنما غدت مكاناً يرتبط بحياتهما الشخصية، فهي مسقط أحدهما فيما أمضت الأخرى سنوات طويلة فيه. ومع اختيارهما هذا الفضاء لاحتضان القصة، أعادا اكتشافه بعينين جديدتين، فعثرا على عناصر طبيعية، مثل المنارة القائمة وسط الغابة، والقرية التي تغمرها الرمال شتاءً، وهي تفاصيل تضفي على المكان طابعاً أقرب إلى الحكايات الخرافية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نقطة الانطلاق عند الثنائي كانت دائماً الخيال، إذ يتركان لأنفسهما حرية الانتقال من الفكرة الأولى إلى عالم الفيلم، لكن هذا المسار ترافق مع أبحاث واسعة، كان أهمها الاقتراب المباشر من أطفال يعيشون تجربة مشابهة لشخصيات الفيلم، أي أطفال ينتظرون البت في طلبات اللجوء مع عائلاتهم، خصوصاً في المناطق الريفية.

أتاحت لهم هذه اللقاءات فهم الصعوبات اليومية التي تواجهها هذه العائلات في القرى الصغيرة، حيث تصبح الحركة محدودة بسبب غياب وسائل النقل، كما عملوا مع الأطفال على مواضيع مثل النوم والأحلام والخيال، وهي عناصر أصبحت جزءاً أساساً من بناء الفيلم. إلى جانب ذلك، اعتمدوا على دراسات ومقالات متخصصة، والتقوا بالدكتورة التي تظهر في الفيلم، وهي من أبرز المتخصصين في "متلازمة الاستسلام" بعدما تابعت مئات الأطفال المصابين بها.

وشكلت جلسات الاستماع في المحكمة الوطنية لحق اللجوء في فرنسا، حيث يروي طالبو اللجوء قصصهم أمام القضاة، مصدراً مهماً لكتابة السيناريو. فقد استمع المخرجان إلى تجارب إنسانية كثيرة محورها الهجرة والاقتلاع. هذه العناصر كلها، إلى جانب البحث في طبيعة منطقة اللاند وغاباتها وثروتها الحيوانية، ساعدت في بناء الجانب الواقعي للفيلم، وفي الوقت نفسه غذت عالم الأحلام والخيال الذي يرافقه.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما