ملخص
استرداد أكثر من 25 مليون دولار يمثل تقدماً في مسار ظل معقداً لأعوام، إلا أن الملف لا يزال بحاجة إلى جهد مؤسسي طويل الأمد، يعتمد على التنسيق بين القضاء وهيئة النزاهة ووزارة العدل والبنك المركزي ووزارة الخارجية، إضافة إلى توسيع الشراكات الدولية.
عاد ملف استرداد الأموال العراقية المنهوبة لواجهة الاهتمام الرسمي، بعد إعلان وزارة العدل استعادة أكثر من 25 مليون دولار خلال العامين الماضيين، في خطوة تعد مؤشراً على تحرك حكومي متواصل لاستعادة الأصول والأموال المهربة إلى الخارج، لكنها في الوقت ذاته تعكس حجم التحديات التي لا تزال تعترض هذا الملف، في ظل تعقيدات القوانين الدولية والسرية المصرفية وتباين الأنظمة القضائية بين الدول.
ويأتي الإعلان في وقت تكثف فيه الحكومة العراقية وهيئة النزاهة والبنك المركزي جهودها لتعقب الأموال المتحصلة من جرائم الفساد وغسل الأموال، بالتوازي مع تحركات دبلوماسية وقضائية تهدف إلى تعزيز التعاون الدولي واستثمار الاتفاقات الأممية الخاصة بمكافحة الفساد.
أكثر من 25 مليون دولار
وأكد المتحدث باسم وزارة العدل أحمد لعيبي أن الوزارة تمكنت، بالتنسيق مع هيئة النزاهة الاتحادية، من استرداد أكثر من 25 مليون دولار خلال العامين الماضيين، إضافة إلى إلغاء حجوزات كانت مفروضة على أموال عراقية في الخارج.
وأوضح أن عمليات الاسترداد تعتمد على تنفيذ الأحكام القضائية العراقية في الدول المعنية عبر القنوات القانونية والاستعانة بمحامين موكلين، فضلاً عن متابعة ملفات تتعلق بحسابات مصرفية وعقارات موزعة في عدد من الدول، مشيراً إلى أن الوزارة تواصل العمل على ملفات أخرى لا تزال قيد المتابعة القانونية والتنفيذية.
ويستند العراق في تحركاته إلى اتفاق الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، إضافة إلى اتفاقات ثنائية مع عدد من الدول، بما يتيح تقديم طلبات المساعدة القانونية وتنفيذ الأحكام القضائية الخاصة باسترداد الموجودات.
عقبات معقدة
وعلى رغم ما تحقق، ترى هيئة النزاهة أن الطريق لا يزال طويلاً.
وأوضح المدير العام لدائرة الاسترداد في الهيئة عباس متعب أن أبرز التحديات تتمثل في اختلاف التشريعات بين الدول، إذ ترفض بعض الحكومات تسليم مطلوبين أو الكشف عن الحسابات المصرفية بسبب قوانين السرية المصرفية، فيما ترى بعض الدول الأموال المستثمرة على أراضيها جزءاً من اقتصادها الوطني، مما يطيل أمد النزاعات القضائية.
وأشار إلى أن الهيئة لا تعتمد فقط على المسار القضائي، وإنما تلجأ أيضاً إلى القنوات الدبلوماسية والوفود التفاوضية وإبرام الاتفاقات الثنائية لتسهيل استرداد المطلوبين والأموال المهربة.
تعاون دولي
وفي إطار توسيع التعاون الخارجي، بحث رئيس هيئة النزاهة محمد علي اللامي مع السفير البريطاني لدى العراق عرفان صديق آليات تعزيز الشراكة في مكافحة الفساد واسترداد الأموال والمتهمين.
وأكد اللامي أن الفساد أصبح جريمة عابرة للحدود، مما يتطلب تعاوناً دولياً أوسع وتفعيل آليات المساعدة القانونية المتبادلة، مع الالتزام بما نص عليه اتفاق الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ولا سيما الفصل الخاص باسترداد الموجودات.
كذلك ناقش الجانبان أهمية الحوكمة الإلكترونية والتحول الرقمي، للحد من الفساد وتعزيز الشفافية وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار.
من جهته، أبدى السفير البريطاني استعداد بلاده لتقديم الدعم للمؤسسات العراقية، مؤكداً أن مكافحة الفساد تمثل عاملاً أساسياً في تعزيز ثقة المستثمرين وتحقيق التنمية الاقتصادية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
غسل الأموال
ويتقاطع ملف استرداد الأموال مع جهود مكافحة غسل الأموال، التي يصفها البنك المركزي بأنها تمثل الحلقة الأهم في تعقب الأموال غير المشروعة.
وقال مدير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في البنك المركزي حسين علي حسين إن عدداً من الدول عرضت تقديم المساعدة للعراق بعد انطلاق عملية "صولة الزيدي"، مشيراً إلى أن العقارات والتحويلات الخارجية تمثلان أبرز منافذ غسل الأموال.
وأضاف أن أتمتة التسجيل العقاري وتنظيم عمل الوسطاء العقاريين سيحدان من عمليات غسل الأموال والتزوير، كاشفاً عن قرب إعلان نتائج وصفها بـ"المفاجآت الكبيرة" في ملفات غسل الأموال المرتبطة بالعقارات.
وأكد وجود تنسيق يومي مع هيئة النزاهة لتبادل المعلومات، مشدداً على أن نجاح استرداد الأموال يعتمد على إرسال ملفات قضائية مكتملة ومدعومة بالأدلة، لأن الطلبات غير المكتملة غالباً ما ترفض من الدول المعنية.
أموال بمليارات الدولارات
وعلى رغم عدم وجود رقم رسمي نهائي لحجم الأموال العراقية المهربة، تشير تقديرات وتقارير رسمية سابقة إلى أن قيمتها قد تصل إلى مليارات الدولارات، تراكمت على مدى أعوام نتيجة قضايا فساد وعمليات تهريب أموال واستغلال للمال العام.
ويرى متخصصون أن استرداد جزء من هذه الأموال يمكن أن يسهم في دعم الموازنة العامة وتمويل مشاريع البنى التحتية والخدمات، خصوصاً في ظل الضغوط المالية التي تواجهها البلاد نتيجة تقلبات أسعار النفط وتزايد الإنفاق الحكومي.
ويقول الخبير القانوني سجاد شهاب إن استرداد الأموال المنهوبة يعد من أكثر الملفات تعقيداً على المستوى الدولي، لأن نجاحه يعتمد على وجود أحكام قضائية بحتة وأدلة مالية دقيقة تربط الأموال بجرائم فساد أو غسل أموال.
وأضاف أن اتفاق الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وفر إطاراً قانونياً مهماً للدول، لكن التطبيق العملي يواجه عراقيل تتعلق باختلاف الأنظمة القضائية وقوانين حماية الأموال والسرية المصرفية.
وأشار إلى أن العراق بحاجة إلى تعزيز التعاون مع مكاتب المحاماة الدولية، وتطوير قدرات الجهات المتخصصة في إعداد الملفات القانونية، لأن أي نقص في الوثائق قد يؤدي إلى رفض طلبات الاسترداد.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي أنور إبراهيم أن استرداد الأموال يحمل بعداً اقتصادياً ومعنوياً مهماً، إذ يرسل رسالة إيجابية في شأن جدية الدولة في مكافحة الفساد وحماية المال العام.
وأوضح أن الأموال المستعادة، على رغم أهميتها، تبقى محدودة مقارنة بحجم الأموال التي يعتقد أنها خرجت من العراق خلال العقود الماضية، مؤكداً أن الأولوية يجب أن تكون لمنع تهريب الأموال مستقبلاً عبر إصلاح النظام المالي وتعزيز الرقابة الإلكترونية والحوكمة.
وأضاف أن تطوير أنظمة مكافحة غسل الأموال وربط المؤسسات المالية والرقابية إلكترونياً، سيكونان أكثر فاعلية على المدى الطويل من الاقتصار على ملاحقة الأموال بعد خروجها.
بين الإنجاز والتحدي
ويرى مراقبون أن استرداد أكثر من 25 مليون دولار يمثل تقدماً في مسار ظل معقداً لأعوام، إلا أن الملف لا يزال بحاجة إلى جهد مؤسسي طويل الأمد، يعتمد على التنسيق بين القضاء وهيئة النزاهة ووزارة العدل والبنك المركزي ووزارة الخارجية، إضافة إلى توسيع الشراكات الدولية.
ومع استمرار ملاحقة الحسابات المصرفية والعقارات والأصول المرتبطة بقضايا الفساد، يبقى نجاح العراق في هذا الملف مرهوناً بقدرته على بناء ملفات قانونية متكاملة وتعزيز التعاون الدولي ومنع تهريب الأموال الجديدة، بما يحقق حماية أكبر للمال العام، ويعزز ثقة المواطنين والمستثمرين بمؤسسات الدولة.