ملخص
يرى مراقبون أن حملة "صولة الفجر" قد تشكل نقطة تحول في مسار مكافحة الفساد إذا استمرت وفق المعايير القانونية نفسها، وتمكنت من الوصول إلى جميع المتورطين من دون تمييز، مع استرداد الأموال العامة وإصدار أحكام قضائية باتة.
دخل العراق مرحلة سياسية وقضائية غير مسبوقة بعد سلسلة الاعتقالات التي طاولت نواباً ومسؤولين حكوميين وشخصيات معروفة على خلفية قضايا فساد، في إطار حملة حكومية حملت اسم "صولة الفجر"، وسط تأكيدات رسمية بأن الإجراءات لن تتوقف، وأن التحقيقات مرشحة للإطاحة بأسماء أخرى مع استمرار كشف الأدلة والاعترافات.
وتحولت الحملة خلال أيام قليلة إلى الحدث السياسي الأبرز في البلاد، ليس بسبب عدد الموقوفين فقط، وإنما لأن التحقيقات وصلت إلى أعضاء في مجلس النواب ومسؤولين تنفيذيين، بالتزامن مع مواقف داعمة صدرت من مختلف القوى السياسية والدينية، الأمر الذي فتح باب التساؤلات في شأن ما إذا كان العراق يقف فعلاً أمام بداية مرحلة جديدة في مكافحة الفساد، أم أن الأمر سيبقى ضمن إطار حملة محدودة كما حدث في محطات سابقة.
حملة غير مسبوقة
بحسب المعلومات الرسمية، أسفرت الحملة عن اعتقال عشرات المتهمين، بينهم أعضاء في مجلس النواب الحالي والسابق، ومسؤولون في وزارة النفط، إضافة إلى شخصيات أخرى، وذلك استناداً إلى اعترافات وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي، الذي بدأت التحقيقات معه منذ أواخر عام 2025.
وأكد مجلس القضاء الأعلى أن القضية انطلقت بعد ورود معلومات تتعلق باستغلال موارد الدولة في الدعاية الانتخابية، وأن التحقيقات توسعت تدريجاً لتكشف شبكة واسعة من عمليات استغلال العقود الحكومية والانتفاع غير المشروع.
وأوضح القضاء أن رفع الحصانة عن النواب جرى وفق الأطر الدستورية والقانونية، قبل تنفيذ أوامر القبض بالتعاون بين القضاء وهيئة النزاهة والأجهزة الأمنية، مشيراً إلى أن التحقيقات ما زالت مستمرة، وأن شخصيات سياسية أخرى قد تواجه الإجراءات القانونية مع تطور مسار التحقيق.
الحكومة... لا خطوط حمراء
أكد رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي في أكثر من مناسبة أن الحكومة لن تتراجع عن مكافحة الفساد، واصفاً الحملة بأنها "الصولة الأولى"، فيما تعهد باتخاذ خطوات أخرى خلال المرحلة المقبلة.
وقال الزيدي إن الحكومة مكلفة من الشعب بحماية المال العام، مؤكداً أن "أي فاسد لن يتمتع بأي حصانة"، وأن استعادة الأموال المنهوبة ستكون أولوية إلى جانب حصر السلاح بيد الدولة.
وشدد رئيس الوزراء خلال لقائه سفراء الاتحاد الأوروبي على أن مكافحة الفساد أصبحت جزءاً من مشروع الإصلاح الحكومي، مؤكداً أن لا أحد سيكون فوق القانون، وأعلن عن إنشاء حساب خاص لإيداع الأموال المستردة من المتورطين بالكسب غير المشروع، في خطوة تهدف إلى توثيق عمليات استعادة الأموال وضمان إدارتها وفق السياقات القانونية.
التحقيقات لم تنتهِ
في مؤشر إلى أن الحملة مرشحة للتوسع، أكد قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية ضياء جعفر أن التحقيقات ما زالت مستمرة، وأن الاعترافات والأدلة الحالية تقود إلى ملفات جديدة.
وأشار إلى أن الأجهزة المختصة ضبطت أموالاً ومبرزات جرمية تدعم الاتهامات، فيما لا يزال بعض المطلوبين متوارين عن الأنظار.
ويؤكد هذا المسار أن القضية لا تقتصر على توقيف عدد من الأشخاص، وإنما تتعلق بمحاولة تفكيك شبكات فساد امتدت لسنوات داخل مؤسسات الدولة.
دعم سياسي واسع
بعكس كثير من ملفات الفساد السابقة التي كانت تواجه انقساماً سياسياً، جاءت هذه الحملة وسط دعم واسع من أغلب القوى السياسية. فقد أشاد زعيم "التيار الوطني الشيعي" مقتدى الصدر بالحملة، واصفاً إياها بأنها "حملة إصلاحية بطولية"، داعياً إلى استمرارها، ودعا إلى تنظيم وقفات سلمية دعماً للإصلاح.
ورحب رئيس "تحالف قوى الدولة الوطنية" عمار الحكيم بالإجراءات، معتبراً أنها خطوة مهمة لترسيخ سيادة القانون وتعزيز ثقة المواطنين بالدولة.
وأعلن رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي دعمه الكامل للحملة، داعياً إلى مواصلة محاسبة الفاسدين حتى النهاية.
وأعلن رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي تأييده للإجراءات، مطالباً بأن تكون مكافحة الفساد شاملة لجميع الأطراف، وأن تتحول إلى مشروع إصلاح سياسي متكامل.
وأبدى رئيس كتلة "بابليون" أسوان الكلداني، ورئيس "تحالف النهج الوطني" عبدالحسين الموسوي، و"ائتلاف الإعمار والتنمية"، تأييد مسار القضاء والحكومة في مكافحة الفساد.
ويرى مراقبون أن هذا الإجماع السياسي يمنح الحكومة مساحة أوسع للمضي في التحقيقات من دون مواجهة اعتراضات كبيرة كما كان يحدث في السابق.
مكافحة الفساد وحصر السلاح
اللافت أن الحكومة ربطت بين مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة باعتبارهما مشروعاً واحداً لإعادة بناء الدولة.
وأكد الزيدي أن نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل ستشهد خروج قوات التحالف الدولي بشكل كامل، بالتزامن مع استكمال إجراءات حصر السلاح بيد الدولة.
ويعتقد مسؤولون أن نجاح الدولة في فرض القانون أمنياً سيكون عاملاً مساعداً في تنفيذ أوامر اعتقال المتهمين بالفساد بعيداً من الضغوط أو النفوذ السياسي.
هل تختلف هذه الحملة عن سابقاتها؟
شهد العراق خلال السنوات الماضية عشرات الحملات ضد الفساد، إلا أن غالبها لم يصل إلى مستويات عليا أو لم يحقق نتائج مستدامة.
لكن الحملة الحالية تختلف في عدة نقاط، أبرزها أنها استهدفت شخصيات سياسية وبرلمانية معروفة، وجاءت بتنسيق مباشر بين القضاء والحكومة وهيئة النزاهة، مع إعلان واضح باستمرار التحقيقات وعدم الاكتفاء بالدفعة الأولى من المتهمين، فضلاً عن إنشاء آليات لاسترداد الأموال المنهوبة، ووجود دعم سياسي واسع نسبياً.
وعلى رغم ذلك، يرى متخصصون أن نجاح الحملة سيقاس بقدرتها على الوصول إلى الأحكام القضائية النهائية واسترداد الأموال، وليس بعدد أوامر القبض فقط.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يقول الباحث السياسي مؤيد صبيح إن ما يجري يمثل تطوراً مهماً في التعاطي مع ملفات الفساد، لكنه يؤكد أن نجاحه مرتبط باستمرارية الإجراءات. وأضاف أن العراق شهد سابقاً حملات متعددة لمكافحة الفساد، إلا أن كثيراً منها توقف بسبب الضغوط السياسية أو التسويات، لذلك فإن الاختبار الحقيقي يتمثل في استكمال التحقيقات وإصدار الأحكام القضائية في حق جميع المتورطين من دون استثناء. وأوضح أن الدعم السياسي الحالي يمنح الحكومة زخماً أكبر، لكنه يرى أن الرسالة الأهم التي يمكن أن تخرج بها الدولة هي ترسيخ مبدأ أن المنصب السياسي لا يوفر الحماية من المساءلة القانونية.
من جانبه يرى الخبير القانوني محمد حسين أن الاعترافات تشكل بداية مهمة في التحقيقات لكنها لا تكفي وحدها لإدانة المتهمين. وأوضح أن القانون العراقي يشترط دعم الاعترافات بأدلة وقرائن ووثائق وشهادات، بما يضمن سلامة الإجراءات القضائية. وأشار إلى أن رفع الحصانة عن أعضاء مجلس النواب يمثل خطوة قانونية أساسية مهدت لتنفيذ أوامر القبض، مؤكداً أن استمرار التحقيقات قد يقود إلى توسيع دائرة المتهمين إذا ما ظهرت أدلة جديدة. وأضاف أن نجاح الدولة في استرداد الأموال المنهوبة سيكون مؤشراً أكثر أهمية من عدد الموقوفين، لأن الهدف النهائي يتمثل في إعادة المال العام ومعاقبة المتسببين بهدره وفق القانون.
تحديات المرحلة المقبلة
على رغم الزخم الحالي، تواجه الحملة تحديات كبيرة، من بينها طول إجراءات التقاضي في قضايا الفساد الكبرى، وتعقب الأموال المحوّلة إلى الخارج، وملاحقة المتهمين الهاربين، وضمان عدم تأثر التحقيقات بأي ضغوط سياسية، والحفاظ على ثقة الرأي العام عبر إعلان نتائج التحقيقات بشفافية، إضافة إلى أن الرأي العام العراقي يترقب معرفة ما إذا كانت التحقيقات ستتوسع لتشمل شخصيات أخرى، بخاصة بعد إعلان مجلس القضاء الأعلى أن التحقيقات لا تزال مفتوحة.
ويرى مراقبون أن حملة "صولة الفجر" قد تشكل نقطة تحول في مسار مكافحة الفساد إذا استمرت وفق المعايير القانونية نفسها، وتمكنت من الوصول إلى جميع المتورطين من دون تمييز، مع استرداد الأموال العامة وإصدار أحكام قضائية باتة.
وبين التفاؤل الشعبي والحذر السياسي، تبدو الأيام والأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الاعتقالات الجارية تمثل بالفعل بداية مرحلة جديدة في مكافحة الفساد، أم أنها ستظل اختباراً آخر لقدرة مؤسسات الدولة على فرض سيادة القانون وترسيخ مبدأ المساءلة من دون استثناء.