Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في جنوب إيران: الدمار يبتلع البنية التحتية وسبل العيش

يعكس إطلاق حملات تطالب بإيفاد القيادات الرافضة لمفاوضات وقف الحرب للمناطق المستهدفة اتساع الفجوة الاجتماعية وتعاظم الشعور بعدم المساواة

عادت أميركا إلى استهداف عدد من جسور المواصلات في جنوب البلاد ومنشآت لتحلية المياه (رويترز)

ملخص

تتفاقم الأزمة في هرمزكان فأكثر من 40 ألف أسرة في المحافظة تعتمد في معيشتها على أنشطة الصيد البحري، وتستحوذ على 49% من إجمال الصيد البحري في إيران، وتؤدي دوراً مهماً في إنتاج الثروة السمكية، وتصدير المنتجات البحرية، والاقتصاد البحري للبلاد.

استؤنفت الهجمات الجوية والبحرية الأميركية على المناطق الجنوبية من إيران على مدى تسع ليال متتالية، واتسع نطاقها ليتجاوز المراكز العسكرية. وبحسب تقارير وسائل إعلام دولية ومصادر رسمية، ألحقت هذه الهجمات أضراراً بالجسور وطرق المواصلات ومنشآت الكهرباء ومعدات إمدادات المياه وأجزاء من البنية التحتية للموانئ.

ولا تقتصر التداعيات المباشرة لهذه الهجمات على سكان المحافظات الجنوبية الإيرانية، بما في ذلك هرمزكان وسيستان وبلوشستان وبوشهر وخوزستان (الأحواز)، حيث أصوات الانفجارات والقلق من استمرار الحرب، بل تواجه حركة التنقل اضطراباً ملحوظاً وتراجعاً في نشاط الموانئ، وتوقفاً للصيد أو تقييده، وانقطاعاً للمياه والكهرباء، وارتفاع كلفة تأمين السلع اليومية، وجميعها مشاهد وضعت الحياة الطبيعية للسكان أمام أزمة متعددة الأبعاد.

وتفيد التقارير الواردة من الليلة السابعة للهجمات بأن الولايات المتحدة، إلى جانب استهداف منشآت المراقبة والبنية التحتية اللوجيستية والقدرات البحرية الإيرانية، عادت إلى استهداف عدد من جسور المواصلات في جنوب البلاد، وهاجمت مجدداً منشآت لتحلية المياه.

وكان من بين أحدث أهداف هجمات الليلة السابعة إغلاق نفق "شهيد ميرزائي" على الطريق الواصل بين بندر عباس وحاجي آباد، مما يشير إلى أن طرق الوصول البرية المختلفة إلى بندر عباس تتعرض، خلال اليومين الماضيين، لتدمير ممنهج. ولا يقتصر أثر ذلك على تعطيل قدرة الحرس الثوري على نقل الأسلحة والمعدات، بل يعرقل أيضاً دخول سكان بندر عباس إلى المدينة وخروجهم منها.

الموانئ والأرصفة... ضربة للاقتصاد المرتبط بالبحر

تكشف مراجعة ما يتداوله سكان جنوب إيران على شبكات التواصل الاجتماعي أن الأزمة تجاوزت حدود التهديدات العسكرية، إذ بات سكان المدن الساحلية يواجهون مشهداً ينذر بانهيار اقتصادهم المحلي وسبل عيشهم.

ويرتبط النشاط الاقتصادي لشريحة واسعة من سكان جنوب إيران بالبحر، فالصيادون والبحارة وأصحاب اللنجات، وعمال الشحن والتفريغ، وبائعو الأسماك، وفنيو صيانة محركات القوارب، وأصحاب المتاجر المحيطة بالأرصفة، يشكلون حلقات سلسلة اقتصادية تعتمد في استمرارها على النشاط اليومي للموانئ وسلامة حركة الملاحة. لذا، فإن أي هجوم يستهدف المنشآت الساحلية، أو أي قيود على الملاحة البحرية، أو إغلاق لخطوط الشحن، ينعكس مباشرة على مصادر دخل جميع هذه الفئات.

وفي هذا السياق، قال عضو مجلس إدارة تعاونية الصيادين في منطقة بشت شهر بمدينة بندر عباس، فرامرز جامه‌ غير، إن الأضرار التي لحقت بمجتمع الصيادين في محافظة هرمزكان كانت كبيرة، مشيراً إلى أن من أبرز الخسائر المسجلة تدمير رصيف الصيد "بنج بله" في بندر عباس.

وأوضح أنه حتى التاسع من يوليو (تموز) الجاري، أدى تعرض الرصيف لإصابتين فقط إلى تدمير نحو 30 قارب صيد بصورة كاملة، وإذا قدرت قيمة القارب الواحد بنحو ملياري تومان (13.3 ألف دولار)، فإن هذه الضربة وحدها تكون قد ألحقت خسائر مباشرة تقدر بنحو 60 مليار تومان (400 ألف دولار) بأهالي المنطقة.

وتتفاقم الأزمة في هرمزكان عندما نعلم، وفق الإحصاءات المعلنة، أن أكثر من 40 ألف أسرة في المحافظة تعتمد في معيشتها على أنشطة الصيد البحري. وكان إحسان كامراني، نائب محافظ هرمزكان، قد صرح في وقت سابق بأن المحافظة تستحوذ على نحو 49 في المئة من إجمال الصيد البحري في إيران، وتؤدي دوراً مهماً في إنتاج الثروة السمكية، وتصدير المنتجات البحرية، والاقتصاد البحري للبلاد. ولذلك، فإن الدمار الواسع الذي طاول الأرصفة ومناطق الصيد ألحق خسائر جسيمة بالاقتصاد البحري الذي يشكل عماد معيشة السكان المحليين.

ولا تقتصر الخسائر على أصحاب اللنجات والقوارب التي تعرضت للتدمير، فالصياد الذي يحول الخوف من الغارات أو من الألغام والمقذوفات دون خروجه إلى البحر يفقد مصدر دخله اليومي، حتى وإن بقي قاربه سليماً. والأسماك سلعة سريعة التلف، إذ يؤدي انقطاع الكهرباء عن وحدات التبريد، وإغلاق الطرق، وتراجع إمكانية الوصول إلى الأسواق، إلى تلف غنائم الصيادين قبل تسويقه.

أما أصحاب اللنجات التقليدية، فيواجهون بدورهم سلسلة من التحديات، تشمل ارتفاع كلف التأمين والوقود، وفرض قيود على حركة الدخول والخروج، وتعطل عمليات تحميل البضائع، فضلاً عن تزايد مخاوف أفراد الطواقم من الإبحار. ولا يعني توقف أي لنج فقدان مالكه لعمله وحسب، بل يحرم أيضاً البحارة العاملين بالأجر اليومي، وعمال الشحن، والوسطاء المحليين، وسائقي الشاحنات الذين ينقلون البضائع من الأرصفة إلى الأسواق الداخلية، من مصادر دخلهم. وفي المدن التي تندر فيها فرص العمل البديلة، قد يقود توقف النشاط البحري لأيام قليلة إلى العجز عن سداد الديون اليومية وإيجارات المساكن، وحتى عن شراء المواد الغذائية.

الجسور المدمرة... قرى ومدن عزلتها الحرب عن بعضها

كان استهداف الجسور ومحاور الطرق من أكثر التداعيات الملموسة للهجمات بالنسبة إلى السكان المحليين. فقد أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن الغارات طاولت ما لا يقل عن خمسة جسور في جنوب البلاد. وفي مدينة بندر خمير، استهدفت الهجمات أيضاً محطة القطار، قبل أن تلحق موجات لاحقة أضراراً بجسرين إضافيين ونفق بري. وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن عدد الجسور المتضررة في قضاء خمير ارتفع إلى ستة، من بينها جسور تقع على محور بندر عباس – خمير – لار، وأخرى تربط المدينة بالقرى المجاورة.

ويؤكد سكان المناطق الجنوبية أن هذه الجسور ليست مجرد منشآت خرسانية، بل تمثل شرايين الحياة التي تنقل عبرها المواد الغذائية والأدوية والوقود والمياه المعبأة والمستلزمات الطبية. ويؤدي تدمير أي جسر أو إغلاقه إلى إجبار الشاحنات على سلك طرق أطول، بما يرفع زمن نقل البضائع وكلفته. ونتيجة لذلك، تصل المواد الغذائية إلى المتاجر في القرى متأخرة وبأسعار أعلى، وتتعثر عملية نقل المنتجات المحلية، من الأسماك والروبيان إلى التمور والخضراوات، إلى الأسواق. ويضاف إلى ذلك عجز الحكومة عن إيصال مختلف الإمدادات، لا سيما السلع الأساسية، إلى المناطق الجنوبية، إذ إن استمرار الهجمات وانقطاع طرق الوصول البرية والجوية إلى هذه المناطق لن يفضيا، في نهاية المطاف، إلا إلى تفاقم أزمة نقص السلع الأساسية.

وأفادت بعض الأسر بأن الموجة الجديدة من العمليات العسكرية، التي تركزت بصورة أكبر على مدن هذه المنطقة، جعلت الحصول على الخدمات المصرفية والوصول إلى المستشفيات تحدياً حقيقياً، وبخاصة سكان القرى الواقعة في نطاق الهجمات، الذين اضطروا، بسبب تدمير طرق المواصلات، إلى سلوك مسارات أطول بكثير من المعتاد. ويكون هذا العبء أشد وطأة على الأسر المحدودة الدخل، وكبار السن، والمصابين بالأمراض المزمنة والمستعصية.

انقطاع الكهرباء والمياه في ظل حرارة خانقة

جاءت الأضرار التي لحقت بشبكة الكهرباء في جنوب إيران في وقت تقترب فيه درجات الحرارة في بعض المناطق، خلال فصل الصيف، من 50 درجة مئوية. وأعلنت وزارة الطاقة الإيرانية أن الهجمات على بندر عباس ألحقت أضراراً بجزء من خطوط نقل الكهرباء، مما تسبب في انقطاع التيار في بعض المناطق.

وأفادت شركة "توانير" بأنها تعمل على إصلاح الخطوط وإعادة الاستقرار إلى الشبكة. وذكرت صحيفة "الغارديان" أن وزارة الطاقة دعت المواطنين إلى خفض استهلاك الكهرباء وتقليل استخدام أجهزة التبريد، لأن الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة، بالتزامن مع موجة الحر الشديدة، تفرض ضغوطاً كبيرة على شبكة الكهرباء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي جنوب إيران، لا تعد الكهرباء مجرد خدمة رفاهية، بل تشكل جزءاً أساساً من مقومات البقاء، إذ إن انقطاع أجهزة التكييف والمراوح في ظل درجات الحرارة المرتفعة يزيد من خطر الإصابة بضربات الشمس، لا سيما بين الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل ومرضى القلب. وتعتمد المراكز الصحية الصغيرة والصيدليات والمنازل التي تحفظ فيها أدوية حساسة للحرارة على إمدادات كهربائية مستقرة.

وأدى تدمير عدد من منشآت تحلية المياه إلى تفاقم الأزمة. فقد تسبب تدمير مضخات محطة لتحلية المياه في مدينة جاسك بانقطاع مياه الشرب عن عدد من قرى القضاء. وفي كثير من المناطق الساحلية الجنوبية، تعتمد إمدادات مياه الشرب على محطات التحلية والآبار وشبكات الضخ، ولذلك فإن انقطاع الكهرباء أو تعرض المضخات لأضرار يؤدي سريعاً إلى انقطاع المياه.

وأعلن الرئيس التنفيذي لشركة المياه والصرف الصحي في محافظة هرمزكان أن محطة ضخ المياه الخام من البحر، إضافة إلى محول الكهرباء الخاص بمحطة تحلية "بونجي"، التي تبلغ طاقتها الإنتاجية 3 آلاف و150 متراً مكعباً يومياً، قد دمرا بالكامل. وأضاف أن مياه الشرب انقطعت بصورة كاملة عن 20 قرية في المنطقة، يقطنها نحو 10 آلاف نسمة، وأن هذه القرى تواجه حالياً أزمة حادة في توفير المياه.

تآكل الحياة اليومية ومستقبل يكتنفه الغموض

لا يمكن قياس حجم الخسائر الناجمة عن هذه الهجمات بعدد المباني المدمرة وحده، فالأضرار الحقيقية تتجلى في شبكة واسعة من الاضطرابات، ويزيدها عمقاً شعور السكان بأن الحكومة والمسؤولين الرسميين يتجاهلون معاناتهم. وتظهر مراجعة تعليقات سكان المدن الجنوبية أن جانباً كبيراً من غضبهم في هذه الأيام لا يعود إلى شدة الهجمات وحسب، بل إلى طريقة تعامل المسؤولين ووسائل الإعلام الرسمية معها، إذ يواصلون التحريض على الحرب والدعوة إلى الصبر، من دون إيلاء الاهتمام الكافي لحجم الأضرار التي لحقت بالحياة اليومية لسكان الجنوب.

ويعكس إطلاق عدد من الحملات، التي طالبت بإيفاد المسؤولين والقيادات الرافضة للتفاوض إلى المناطق المستهدفة، اتساع الفجوة الاجتماعية وتعاظم الشعور بعدم المساواة في المدن التي تعرضت للهجمات مقارنة بما كانت عليه الأوضاع قبل اندلاع الحرب.

وفي هذا السياق، أدى بدء العمل بنظام تقنين المياه والكهرباء إلى تعميق هذا الشعور وزيادة حالة الغضب. ويعتقد سكان هذه المناطق أنه، في ظل الترابط القائم بين مكونات شبكة الكهرباء الإيرانية، كان ينبغي للحكومة أن تمنح الأولوية للحفاظ على استقرار الشبكة في جنوب إيران، حتى لو اقتضى ذلك زيادة ساعات انقطاع الكهرباء في مناطق أخرى.

ويضاف إلى ذلك تنامي الشعور بانعدام الأمل في المستقبل. فقد عزز عدم تنفيذ الوعود بإعادة إعمار المناطق الجنوبية المتضررة خلال الحرب العراقية - الإيرانية التي استمرت ثمانية أعوام الاعتقاد بأن انتهاء الحرب لا يعني بالضرورة عودة الحياة إلى طبيعتها. وحجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية يتطلب كلفة مالية كبيرة ووقتاً طويلاً لإعادة الإعمار، مما ينعكس بوضوح على آراء سكان هرمزكان وسيستان وبلوشستان وبوشهر والأحواز، الذين يرون أن المدن التي تعرضت للهجمات لن تستعيد أوضاعها التي كانت عليها قبل الحرب.

وقد يؤدي ذلك، على المدى القصير، إلى زيادة الهجرة الموقتة أو الدائمة للأسر من المناطق الساحلية، بما يحرم الاقتصاد المحلي من اليد العاملة ورؤوس الأموال. وما يجري اليوم في جنوب إيران لا يقتصر على الأضرار المادية الناجمة عن أسبوع من الهجمات، بل يتمثل أيضاً في التآكل التدرجي للأمن الاقتصادي والصحة العامة وإمكانية مواصلة حياة طبيعية. وهي تداعيات يتحمل أعباءها، قبل غيرهم، أولئك الذين لم يكن لهم أي دور في القرارات العسكرية أو السياسية.

نقلا عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير