Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مداولات شراكة التسعينيات: حين رفض الأوروبيون مطالب القاهرة (1-2)

طلبت مصر الحصول على المعاملة نفسها الممنوحة لدول المغرب العربي لكن بريطانيا رفضت

مناقشات داخلية داخل الاتحاد الأوروبي في شأن مفاوضات اتفاق الشراكة مع مصر خلال عام 1996 (اندبندنت عربية)

ملخص

التقدم المحرز في الجولة الأخيرة من المفاوضات كان محدوداً للغاية، والجمود استمرّ حول الملف الزراعي، في حين واصلت مصر الضغط بقوة في ما يتعلق بقضية الضمان الاجتماعي، بينما بدا موقف المفوضية الأوروبية أكثر تردداً، في وقت أخذت فيه الرئاسة الأوروبية تدرس إمكان طرح هذه القضايا للنقاش، خلال اجتماع "مجلس الشؤون العامة" مع طلب معلومات تمهيداً لاجتماع فريق العمل المقرر في الـ 16 من أبريل. فماذا دار في تلك المناقشات؟

تكشف وثائق بريطانية محفوظة ضمن ملف وزارة الخارجية البريطانية تحت المرجع (FCO 98/7355) جانباً من المداولات الداخلية داخل الاتحاد الأوروبي، في شأن مفاوضات اتفاق الشراكة مع مصر خلال عام 1996.

ويحمل الملف عنوان "اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومصر"، ويغطي الفترة الممتدة من الأول من يناير (كانون الثاني) وحتى الـ 31 من ديسمبر (كانون الأول) 1996، وقد أُفرج عنه للباحثين والجمهور في الـ 19 من يونيو (حزيران) 2026.

في الأول من أبريل (نيسان) 1996، وجّه ستيف ويليامز (البعثة البريطانية في بروكسل) رسالة إلى جايلز بورتمان في وزارة الخارجية البريطانية، تناول فيها سير المفاوضات الخاصة باتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومصر، موضحاً أن التقدم المحرز في الجولة الأخيرة من المفاوضات كان محدوداً للغاية، وأن الجمود استمر حول الملف الزراعي، في حين واصلت مصر الضغط بقوة في ما يتعلق بقضية الضمان الاجتماعي، بينما بدا موقف المفوضية الأوروبية أكثر تردداً، في وقت أخذت فيه الرئاسة الأوروبية تدرس إمكان طرح هذه القضايا للنقاش، خلال اجتماع "مجلس الشؤون العامة" المقرر يومي الـ 13 والـ 14 من مايو (أيار)، مع طلب معلومات تمهيداً لاجتماع فريق العمل المقرر في الـ 16 من أبريل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وذكرت البعثة البريطانية في تقريرها إلى مرجعيتها في لندن أن المفوضية الأوروبية، ممثلة في ويب من المديرية العامة الأولى للعلاقات الخارجية، أطلعت فريق عمل المغرب والمشرق في الـ 29 من مارس (آذار) على نتائج الجولة الأخيرة من المفاوضات مع مصر، وكان من المقرر عقد الاجتماع يومي 25 و26 مارس، إلا أن رئيس الوفد المصري ظل موجوداً في بروكسل حتى الـ 29 من مارس، حيث كان من المقرر أن يعقد اجتماعاً إضافياً في ذلك اليوم مع رئيس مديرية البحر المتوسط في المديرية العامة الأولى للعلاقات الخارجية، إيبرهارد راين.

مصر تمارس ضغوطاً

وأكدت الوثائق أن المفوضية أوضحت، مقارنة بالتقدم الجيد الذي تحقق في المفاوضات مع لبنان والأردن، أنها ترى من غير المرجح للغاية أن تُختتم المفاوضات مع مصر خلال فترة الرئاسة الإيطالية، أما في ما يتعلق بالزراعة فقد استمر الجمود، إذ أشارت مصر إلى العجز التجاري الكبير الذي تعانيه مع الاتحاد الأوروبي في المنتجات الزراعية، وأوضحت أنها لن تجني خلال الأعوام الأولى من اتفاق الشراكة فوائد كبيرة من تجارة المنتجات الصناعية، بل على العكس، فإن الصناعة المصرية ستتضرر على المدى القصير، نتيجة تفكيك الرسوم الجمركية، ولذلك رأت القاهرة أن أي التزام أوروبي بتحقيق تجارة حرة فعلية، إن لم تكن قانونية، في القطاع الزراعي، تمثل موازنة ضرورية لإزالة الرسوم الجمركية عن المنتجات الصناعية، وأوضحت أنها تستثمر مبالغ كبيرة في إنشاء طاقات إنتاجية جديدة، ولا سيما في إنتاج البطاطس الجديدة.

وأضافت المفوضية، ممثلة في زوريلا من المديرية العامة السادسة، أنها لم تتمكن عملياً من إجراء نقاشات معمقة مع المصريين حول المفاوضات نفسها، لأن الاجتماع هيمنت عليه المشكلات الأكثر إلحاحاً، والمتمثلة في الحظر المصري على واردات لحوم الأبقار الأوروبية، والحظر الفرنسي على البطاطس المصرية.

 

وكشفت الوثائق أن المفوضية أفادت بأن المصريين قبلوا الآن مبدأ فترة انتقالية تمتد لـ  12 عاماً، لتفكيك الرسوم الجمركية الصناعية، لكنهم أصروا على إدراج بند خاص بحماية الصناعات الناشئة على غرار الاتفاق المبرم مع تونس، ولم يقدموا بعد قائمتهم الخاصة بفئات الرسوم الجمركية المطلوب تفكيكها، وكذلك مارست مصر ضغوطاً قوية للحصول على حزمة مساعدات مالية محددة وكبيرة، لدعم عملية تحديث الصناعة المصرية.

وأشارت الوثائق إلى أن الخلاف استمر أيضاً في شأن المادة المتعلقة بحقوق الإنسان والإعلان الخاص بتعليق الاتفاق، كما رفضت مصر صيغتي الإعادة القياسيتين (X) و(Y)، وظهرت كذلك صعوبات جديدة في ملف حقوق الملكية الفكرية، إذ أكد المصريون أنهم لا يستطيعون إلزام البرلمان المصري بالتصديق على الاتفاقات الدولية الخاصة بالملكية الفكرية الواردة في مشروع الملحق، وأوضحت المفوضية أن هناك مجالاً لإبداء بعض المرونة في ما يتعلق بالفترة الانتقالية، لكنها شددت على أنه لا يمكن السماح لمصر بعدم الانضمام إلى تلك الاتفاقات.

الضمان الاجتماعي أكثر القضايا إثارة للخلاف

وتقول الوثائق البريطانية إن قضية الضمان الاجتماعي ظلت من أكثر القضايا إثارة للخلاف، إذ واصل المصريون المطالبة بنصوص تتعلق بالضمان الاجتماعي، "تكون في الأقل مماثلة لما هو مطبق مع دول المغرب العربي"، وأوضحت المفوضية أنها تمكنت من إقناع المصريين بتخفيف سقف مطالبهم، والاكتفاء بالمطالبة بالمعاملة نفسها الممنوحة لدول المغرب العربي، وقد عرضت المفوضية هذا التطور أمام فريق العمل، باعتباره إنجازاً تفاوضياً.

وأضافت أنها واصلت التأكيد للمصريين أن إدراج أحكام الضمان الاجتماعي يقع خارج نطاق التفويض الممنوح لها، كما شرحت لهم أن السبب في تضمين الاتفاقات الجديدة مع دول المغرب العربي أحكاماً اجتماعية، يعود لوجود مثل هذه الأحكام أصلاً في اتفاقات التعاون السابقة مع تلك الدول، إلا أن المصريين لم يقتنعوا بهذا التفسير، وبدا من طريقة عرض المفوضية نفسها أنها لم تكن مقتنعة به أيضاً.

وأبلغ ويب أعضاء فريق العمل، بصفته الشخصية، بأنه يرى أن إبداء قدر من المرونة من جانب الاتحاد الأوروبي في شأن الضمان الاجتماعي أصبح أمراً ضرورياً، متسائلاً عما إذا كانت الموافقة على منح مصر المعاملة نفسها، الممنوحة لدول المغرب العربي، ستحدث فرقاً حقيقياً، أو أنها ستقتصر على تثبيت الترتيبات القائمة بالفعل، والخاصة بمعاملة المواطنين المصريين في الدول الأعضاء. وأضاف ويب أن نصوص المغرب العربي، من وجهة نظره، لا ترتب التزامات جديدة، مشيراً إلى وجود نحو 300 ألف مواطن مصري يقيمون بصورة قانونية داخل الاتحاد الأوروبي، وتبيّن من الوثائق أن السويد اقترحت، بصورة لم ترحب بها بريطانيا، العمل على إيجاد صيغة توفيقية بين التفويض الأوروبي الذي يستبعد الأحكام الاجتماعية، والمطلب المصري الداعي إلى الحصول على المعاملة نفسها، الممنوحة لدول المغرب العربي، مقترحة أن يقتصر مبدأ المساواة على المقيمين فقط، مع إمكان حصر الاتفاق في تصدير مزايا الضمان الاجتماعي، وتجميع الاستحقاقات عند انتقال الأشخاص داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما اعتبرته المفوضية اقتراحاً مفيداً.

 

وذكرت الوثائق أن الدنمارك رأت أن الحديث عن تسوية في هذه المرحلة سابق لأوانه، معتبرة أن أفضل تكتيك يتمثل في دفع لبنان والأردن أولاً إلى قبول نصوص خالية من الأحكام الاجتماعية، ثم استخدام ذلك للضغط على مصر حتى تحذو حذوهما، وهو موقف حظي بتأييد قوي من الجانب البريطاني.

وذكّر الممثل البريطاني المفوضية بوجود موقف موحد لمجلس الاتحاد الأوروبي، يقضي باستبعاد الأحكام الاجتماعية، حتى وإن كانت بعض الدول الأعضاء أكثر نشاطاً من غيرها، في تذكير المفوضية بضرورة الالتزام بالتفويض، معرباً عن قلقه من أن عرض المفوضية يوحي بأنها لم تدافع عن موقف الاتحاد الأوروبي بالقدر الكافي من الحزم، ومضيفاً أن المفوضية، شأنها شأن مصر، تركز على اتفاقات المغرب العربي باعتبارها سابقة، في حين أنها تغفل المنظور البعيد، إذ ترغب بريطانيا في ترسيخ سابقة جديدة لاتفاقات مع دول ثالثة، لا تتضمن أحكاماً اجتماعية، لتصبح اتفاقات المغرب العربي استثناء لا قاعدة، ولذلك أرادت أن تتحول اتفاقات المشرق إلى النموذج المرجعي الجديد.

اتفاقات المغرب العربي

وأضاف الممثل البريطاني أنه إذا حافظت المفوضية على ثبات موقفها فإن ذلك الهدف يمكن تحقيقه، وأكد أن القول بأن إدراج أحكام مماثلة لاتفاقات المغرب العربي لن يؤدي إلا إلى تثبيت الترتيبات القائمة غير صحيح، لأن المواطنين المصريين في المملكة المتحدة، في الأقل، لا يتمتعون بالمعاملة نفسها الممنوحة للمواطنين البريطانيين في جميع المجالات، مشيراً إلى حال الغموض في شأن الكيفية التي قد تفسّر بها "محكمة العدل الأوروبية" أحكام اتفاقات المغرب العربي، قبل أن يعيد التأكيد على الحساسية السياسية الداخلية التي تمثلها هذه القضية في المملكة المتحدة، ولم تتدخل أية دولة عضو أخرى في هذا النقاش، ولوحظ غياب الممثل الفرنسي المعتاد عن اجتماع فريق العمل.

وورد في الوثائق أن الرئاسة الأوروبية أعلنت عقد مناقشة جديدة خلال اجتماع فريق العمل يوم الـ 16 من أبريل، لتتمكن المفوضية من تقديم تقرير عن الاجتماع الأخير بين إيبرهارد راين ورئيس الوفد المصري، وبدأت الرئاسة تفكر في التوقيت المناسب لطرح ملف المفاوضات مع مصر، على مستوى "مجلس الاتحاد الأوروبي"، ولا سيما في ما يتعلق بالملفات الرئيسة، مثل الزراعة والضمان الاجتماعي، معتبرة أن اجتماع مجلس الشؤون العامة يومي الـ 22 والـ 23 من أبريل سيكون باكراً، بينما قد يكون اجتماع الـ 13 والـ 14 من مايو التوقيت الأنسب.

 

وتضمنت الوثائق رسالة تناولت التعليق البريطاني على سير المفاوضات، إذ أشارت إلى أنه عقب اتخاذ قرار بعدم المضي في التحرك المشترك الفرنسي - الدنماركي - البريطاني في القاهرة الخاص بالضمان الاجتماعي، أجرى الممثل البريطاني وزميله الفرنسي، كل على حدة ولكن بالتوازي، في الـ 22 من مارس، اتصالات مع البعثة المصرية ممثلة في السكرتير الأول، مجدي راضي، وشددا على ضرورة أن تعمل مصر على تخفيف الضغوط الواقعة على المفوضية الأوروبية، وقد أحيط راضي بذلك علماً، لكنه أوضح أنه لا توجد أية فرصة لتغيير الموقف المصري خلال جولة الـ 25 والـ 26 من مارس، وهو ما أكدته لاحقاً إحاطة المفوضية.

أما الدنماركيون فقد امتنعوا من القيام بتحرك مماثل للأسباب التكتيكية نفسها، التي سبق أن أوضحتها كوبنهاغن، وكشفت الوثائق أن البريطانيين استنتجوا، استناداً إلى ما أبلغهم به مجدي راضي، أن المصريين أدركوا بصورة صحيحة اختلاف طبيعة المخاوف البريطانية عن الفرنسية، وأنهم ينظرون إلى المملكة المتحدة، باعتبارها الطرف الأصعب إقناعه، فالفرنسيون يستندون في رفضهم إدراج أي أحكام اجتماعية إلى خشيتهم من أن تمنح تلك الأحكام مواطني الدول الثالثة معاملة أفضل من مواطني الاتحاد الأوروبي، وهو ما يتيح للمصريين توضيح أنهم لا يسعون إلى معاملة أفضل وإنما إلى المساواة، وأن المشكلة الفرنسية يمكن حلها من خلال صياغة دقيقة للنصوص.

البحث عن صيغة وسطية

ووثقت الوثائق أن السويد بدأت بالفعل البحث عن صيغة وسطية، بما يؤكد المعلومات التي كان بيتر كليزبي تلقاها من نظيره السويدي، حول أن وزارة الخارجية السويدية أصبحت تقود السياسة في هذا الملف، ولوحظ أن الدول الأعضاء الأخرى، التي سبق أن دعمت التفويض القائم خلال اجتماعات سابقة، التزمت الصمت، في حين بقيت الدنمارك وحدها تقدم دعماً قوياً للموقف البريطاني، وبدت "المفوضية الأوروبية" أكثر تردداً بصورة واضحة، وأصبحت تعرض موقف الاتحاد الأوروبي على المصريين من دون حماسة كبيرة.

 

وأكدت الوثائق أن كاتب الرسالة رأى أنه سيكون من المفيد توزيع مذكرة خلال اجتماع فريق العمل في الـ 16 من أبريل، توضح أوجه الاختلاف بين المعاملة الحالية الممنوحة للمواطنين المصريين في المملكة المتحدة، وبين الالتزامات التي ستترتب إذا حصلت مصر على المعاملة نفسها، المنصوص عليها في اتفاقات المغرب العربي، وذلك بهدف دحض تأكيدات المفوضية بأن المصريين لا يطلبون سوى تثبيت الترتيبات القائمة، واُقترح، إذا وافق جايلز بورتمان وبيتر كليزبي، أن تقوم وزارة الضمان الاجتماعي بإعداد مشروع تلك المذكرة.

وخُتمت الوثائق بالإشارة إلى أن الضغوط الرامية إلى التوصل لتسوية ستزداد خلال المرحلة المقبلة، وربما تحاول الرئاسة الأوروبية القيام بمحاولة أولى خلال اجتماع مجلس الشؤون العامة يومي الـ 13 والـ 14 من مايو، وأن المقترح السويدي قد يحظى باهتمام متزايد، ولذلك أوصى بضرورة استمرار العمل الداخلي البريطاني لدرس البدائل الممكنة، في حال الاضطرار إلى تقديم تنازلات، مع التشديد على أن مواصلة التنسيق الوثيق مع كل من فرنسا والدنمارك تظل أمراً أساسياً.

اقرأ المزيد

المزيد من وثائق