Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عراق 1994... كيف صمد نظام صدام في وجه العقوبات الدولية؟

على رغم أن سيطرة الرئيس العراقي أصبحت أكثر هشاشة والدائرة التي يمكنه الاعتماد عليها تقلصت مرات عدة فإنه ظل ممسكاً بزمام السلطة بقوة وسط الخلافات الكردية الداخلية التي استنزفت المعارضة خلال هذا العام

تعكس الوثائق التقييم الرسمي البريطاني للأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في العراق خلال عام 1994 (اندبندنت عربية)

ملخص

تؤكد الوثائق أن عام 1994 انتهى بصورة أفضل بالنسبة إلى صدام حسين مما كان من الحكمة أن يأمل به، بينما كان عاماً مخيباً للمعارضة العراقية التي استنزفت مراراً بسبب الخلافات الكردية الداخلية، كما كان عاماً متزايد الصعوبة بالنسبة لبريطانيا، وإن اعتبر ناجحاً في المحصلة العامة.

في الـ19 من يناير (كانون الثاني) 1995، وتحت عنوان "المراجعة السنوية للعراق لعام 1994" أعدت دائرة الأبحاث والتحليل في وزارة الخارجية والكومنولث تقريرها، الذي رفعته إلى وزير الخارجية البريطاني دوغلاس هيرد، المحفوظ حالياً ضمن ملف وزارة الخارجية والكومنولث البريطانية (FCO)، تحت المرجع الأرشيفي FCO 160/339، ضمن سلسلة التقارير الدبلوماسية لعام 1995، لدى الأرشيف الوطني البريطاني في كيو بلندن.

تكتسب الوثائق أهمية خاصة لكونها تعكس التقييم الرسمي البريطاني للأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في العراق خلال عام 1994، كما تقدم رؤية الحكومة البريطانية لطبيعة النظام العراقي السابق، وأوضاع المعارضة العراقية، ومستقبل نظام العقوبات الدولية، والدور الذي اضطلعت به المملكة المتحدة داخل الأمم المتحدة وفي التعامل مع الملف العراقي. كما تمثل الوثائق مصدراً مهماً لفهم التصورات البريطانية تجاه العراق في مرحلة ما بعد حرب الخليج الثانية، وما شهدته من تحولات إقليمية ودولية أثرت في مسار الأزمة العراقية خلال منتصف تسعينيات القرن الـ20.

تؤكد الوثائق أن عام 1994 انتهى بصورة أفضل بالنسبة إلى صدام حسين مما كان من الحكمة أن يأمل به، بينما كان عاماً مخيباً للمعارضة العراقية التي استنزفت مراراً بسبب الخلافات الكردية الداخلية، كما كان عاماً متزايد الصعوبة بالنسبة لبريطانيا، وإن اعتبر ناجحاً في المحصلة العامة.

صدام بين التهديد والامتثال

وأوضحت الوثائق أن صدام حسين واصل خلال عام 1994 اتباع المزيج نفسه من التهديد والامتثال المتحفظ الذي كان قد حقق له بعض النجاح في عام 1993، بهدف الاقتراب من هدفه الرئيس المتمثل في رفع الحظر المفروض على صادرات النفط، مع تقديم أقل قدر ممكن من التنازلات المتعلقة بقرارات مجلس الأمن الأخرى النافذة. وخلال العام أبدى تعاوناً متزايداً مع اللجنة الخاصة للأمم المتحدة (UNSCOM)، بعدما أدرك أنها لن تقبل بأقل من الكشف الكامل عن برامج التسلح، إلى الحد الذي مكن رئيس اللجنة رولف إيكياس في نوفمبر (تشرين الثاني) من إعلان أن نظام المراقبة والتحقق المستمر أصبح يعمل بصورة أولية.

وكشفت الوثائق عن أن الاستثناء الأبرز من هذا النمط العام من التعاون تمثل في تحريك القوات العراقية باتجاه الكويت في أكتوبر (تشرين الأول)، وبغض النظر عن الأهداف الحقيقية لهذه العملية، التي بقي من الصعب تفسيرها، فقد رد التحالف الدولي بسرعة لافتة، مما وضع حداً فورياً لأي احتمال لمغامرة عسكرية جديدة داخل الكويت. وأكد التقرير أن هذا الرد كان مسؤولاً إلى حد كبير عن اعتراف صدام اللاحق والمتأخر بالكويت، إذ اضطر إلى التخلي عن إحدى الأوراق التي كان يأمل في استخدامها للمساومة في وقت لاحق.

 

وتبين من الوثائق أن الرد على أزمة الكويت أظهر كذلك أن التحالف ما زال يمتلك القدرة على الإدارة العسكرية الفعالة، كما واصلت مناطق حظر الطيران توفير الحماية للأكراد ومنع عمليات القتل الجماعي لسكان جنوب العراق، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لمنع تجفيف الأهوار الجنوبية، مما أجبر السكان على الفرار أو مواجهة الفاقة، وأدى إلى تدمير مشهد طبيعي وحضاري عريق.

وذكرت البعثة البريطانية، في تقريرها إلى مرجعيتها في لندن، أنه إذا كان هناك بعض النجاح المستمر على الصعيد العسكري، فإن الإنجازات السياسية كانت أقل وضوحاً. فقد واصل صدام حسين تقويض الإجماع داخل مجلس الأمن، مستفيداً من وعود التجارة المستقبلية، وسداد الديون، وصور المعاناة الناتجة عن نقص الغذاء والدواء، وهي أزمات أكدت الوثائق أن النظام يمتلك إلى حد كبير القدرة على معالجتها بنفسه.

ومع ذلك، بقي الإجماع الدولي الهش قائماً، على رغم أن العام المقبل بدا واعداً بمزيد من الصعوبات، وحتى في أثناء كتابة التقرير كان طارق عزيز يجري محادثات في باريس، فيما استمرت الضغوط الروسية المطالبة بتخفيف العقوبات.

وأكدت الوثائق أن الطوق بقي مشدوداً حول صدام حسين، وأن الدائرة التي يمكنه الاعتماد عليها تقلصت مرات عدة على الأرجح، لكنه ظل ممسكاً بزمام السلطة بقوة. ومع ذلك ظهرت عليه علامات إحباط، إن لم تكن علامات ذعر، خلال العام، تمثلت في اتخاذ إجراءات متناقضة وغير فعالة عموماً، لمحاولة السيطرة على الاقتصاد المتعثر، وإقالة وزير التخطيط ووزيرين للزراعة، وكذلك توليه شخصياً، على ما يبدو، إدارة السياسة الخارجية للبلاد. وقد جاء ذلك إضافة إلى توليه منصب رئيس الوزراء في مايو (أيار)، كما أشار التقرير إلى تحريك القوات باتجاه الكويت في أكتوبر (تشرين الأول)، وإلى العقوبات المروعة التي فرضت على الفارين من الخدمة العسكرية، إذ قطعت آذان بعضهم ووسمت جباههم، علماً بأن بعض هؤلاء، بحسب ما قيل، لم يكن يملك المال اللازم للعودة لوحداته العسكرية.

 

وكشفت الوثائق عن أن سيطرة صدام أصبحت أكثر هشاشة مما تبدو عليه ظاهرياً، إذ استمر الوضع الأمني داخل البلاد في التدهور، مع ورود تقارير متكررة عن انفجارات قنابل حتى في مدن كانت تعد من معاقل النظام. ومع ذلك، رأت الوثائق أنه ما دام قادراً على التحكم في دائرته الضيقة من الأقارب والحراس، فإنه يستطيع إخضاع بقية السكان عبر الخوف والاستخدام السريع للعنف ضد كل من قد يشكل تهديداً له.

وأشارت إلى أن عنفه لم يقتصر على المناطق الواقعة تحت سيطرته المباشرة، كما أظهرت حادثتا مقتل ليسي شميدت في الشمال وطالب سهيل في بيروت، كما ذكرت أن النظام أرسل في نهاية العام عناصر لاغتيال خصوم في المنطقة الكردية مستخدمين مادة الثاليوم السامة.

وفي الجانب الاقتصادي، أوضحت الوثائق أنه على رغم الحملات الموجهة ضد الصرافين والمزارعين، ومحاولات رفع الأسعار الزراعية، وغيرها من الإجراءات، فإن الاقتصاد العراقي واصل تدهوره. فقد بدأ سعر صرف الدينار العام عند 160 ديناراً في مقابل الدولار، ووصل في نهايته إلى 550 ديناراً للدولار، على رغم استقراره عند هذا المستوى خلال الأشهر الأخيرة.

وأشارت الوثائق إلى أن هذا التدهور جرى الحد منه جزئياً عبر استمرار، بل وربما زيادة، صادرات النفط إلى الأردن، إلى جانب ارتفاع كبير في كميات النفط التي كانت تعبر الحدود إلى تركيا. كما رصدت وأوقفت سفناً عدة حاولت نقل النفط العراقي عبر الخليج.

الجمود يضرب المعارضة العراقية

أما في ما يتعلق بالمعارضة العراقية، فقد أكدت الوثائق أن عام 1994 لم يكن عاماً جيداً لها، على رغم أنه لم يخل من بعض الجوانب الإيجابية. فقد أصبح المؤتمر الوطني العراقي راسخ الوجود في المنطقة الكردية شمال العراق، ونجح في اكتساب قدر من الصدقية لدى دول الجوار، إلى درجة أنها باتت تعترف بوجوده، وإن لم تكن مستعدة بعد لتقديم دعم ملموس له. كما تحسنت قدرته على تنفيذ عمليات داخل المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة بغداد، وكذلك قدرة مجموعات معارضة أخرى، وهو ما عكس جزئياً تدهور الوضع الأمني داخل الأراضي الخاضعة للحكومة، غير أن الوثائق أشارت إلى صعوبة التأكد مما إذا كانت هذه العمليات تتجاوز قيمتها الرمزية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتبين من التقرير أن تماسك المعارضة وفعاليتها تعرضا للتهديد طوال العام بسبب الاقتتال بين الأحزاب الكردية في شمال العراق خلال الشتاء السابق، ثم في الصيف، ثم مجدداً خلال الشتاء. وفي وقت مبكر من عام 1994 أظهر المؤتمر الوطني العراقي فعاليته عندما تدخل للفصل بين المتقاتلين وإعادة النظام والوساطة بينهم.

كما أبدى أحمد الجلبي، رئيس الهيئة التنفيذية للمؤتمر، شجاعة شخصية كبيرة في عدد من المناسبات، إلا أن التقرير رأى أن هذا الدور، على رغم ما أكسبه للمؤتمر من سمعة إيجابية، شكل انحرافاً كبيراً عن مهمته الأساسية، وأدى إلى إهدار جزء كبير من العام.

وأكدت الوثائق أن المعارضة العراقية وصلت بحلول ذلك الوقت إلى حالة من الجمود شبه الكامل، فعلى رغم تراجع الأمن داخل معظم مناطق العراق الواقعة اسمياً تحت سيطرة صدام حسين، لم تظهر مؤشرات على إمكان اندلاع انتفاضة ضده.

وعزت الوثائق ذلك إلى حالة الخوف والإحباط التي يعيشها السكان، وإلى استمرار اعتقاد كثيرين منهم، في ظل غياب إشارات خارجية واضحة، بصحة الدعاية الرسمية التي تزعم أن أعضاء التحالف الذي أخرج صدام من الكويت يرغبون في إبقائه في السلطة.

 

كما أوضحت الوثائق أن المعارضة، خصوصاً المؤتمر الوطني العراقي، تفتقر إلى الموارد اللازمة للاستفادة الفعالة من الأشخاص الذين يعبرون إلى مناطقها. ومع اقتراب نهاية العام ظهرت مؤشرات متزايدة على أن فصائل المعارضة المختلفة بدأت تبحث عن مصادر تمويل جديدة، ومع ذلك فإن دول الخليج العربية بقيت مترددة في تقديم الدعم للمؤتمر الوطني العراقي أو لأي تنظيم آخر تعتبره فاقداً للصدقية داخل العراق، في حين رأت الوثائق أن هذه الدول لا تدرك أن دعمها نفسه من شأنه أن يمنح المعارضة قدراً أكبر من الصدقية.

وعلى رغم هذه الأجواء القاتمة، كشفت الوثائق عن أن انشقاق أحد الرؤساء السابقين للاستخبارات العسكرية العراقية وانضمامه إلى المؤتمر الوطني العراقي في ديسمبر (كانون الأول) شكل إنجازاً مهماً للمعارضة. وقد استخدم هذا المسؤول المنشق بصورة فعالة نسبياً من خلال توجيه رسائل مكتوبة وإذاعية متنوعة إلى زملائه السابقين من كبار مسؤولي النظام، إلا أن التقرير أشار إلى أن تأثير مثل هذه الانشقاقات يتلاشى سريعاً، وأن الزخم الذي وفره هذا الحدث سيتبدد ما لم تتبعه انشقاقات أخرى.

بريطانيا تتدخل بالدعم

وفي ما يتعلق بالدور البريطاني، أوضحت الوثائق أن المملكة المتحدة واصلت داخل الأمم المتحدة الدفاع بقوة عن الإبقاء على أقصى قدر ممكن من الضغوط على العراق إلى أن يمتثل لجميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

وخلال عام 1994 أدت بريطانيا دوراً رئيساً في دعم عمل لجنة الأمم المتحدة الخاصة، من خلال توفير مفتشين خبراء في مختلف قطاعات أسلحة الدمار الشامل. كما حافظت على وجود دائم في مركز المراقبة التابع للأمم المتحدة في بغداد، إذ كان يعمل في أي وقت ما يصل إلى ستة مواطنين بريطانيين. وللتخفيف من معاناة الشعب العراقي، استمرت بريطانيا في تنفيذ برنامج للمساعدات الإنسانية، دعمت من خلاله عدداً من المنظمات التي قدمت المساعدات في أنحاء العراق كافة، سواء في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة أم في الشمال والجنوب.

 

كما واصلت دعمها السياسي للمعارضة العراقية، ولعبت خلال العام دوراً مفيداً في تقريب مكونات المؤتمر الوطني العراقي بعضها من بعض. وأشارت الوثائق إلى أن بريطانيا شجعت جيران العراق الأكثر ثراء على دعم المؤتمر، لكنها لم تحقق سوى نجاح محدود للغاية، بسبب تعدد المبررات التي كانت تلك الدول تسوقها لرفضه أو التحفظ عليه.

وفي استشرافها للمستقبل، رجحت الوثائق أن يشهد عام 1995 رفع الحظر المفروض على صادرات النفط العراقية، مؤكدة أن الطريقة التي سيجري بها ذلك قد تؤثر بصورة حاسمة في مستقبل العراق. وأشارت إلى أن المعارضة ستواجه صعوبة كبيرة في الحفاظ على تصميمها على مواجهة صدام حسين في ظل تصاعد التهديدات القادمة من بغداد، واستمرار الصراعات الكردية، وتناقص الموارد المالية. وأضافت أن حصول صدام حسين على أي إيرادات جديدة سيؤدي على الأرجح إلى توجيه أكبر قدر ممكن منها نحو تعزيز وتوسيع أجهزة القمع التابعة له، فيما سيستمر تحميل العقوبات المتبقية مسؤولية معاناة الشعب العراقي. وختم التقرير بتقييم متشائم، مفاده بأنه سيكون من غير الحكمة توقع عام جيد للشعب العراقي أو للمنطقة بأسرها.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير