Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عودة القطار إلى لبنان... هل تتحقق بعد انتظار طويل؟

يشكل المشروع الجديد فرصة لنهضة مرفأ طرابلس في شمال البلاد

ملخص

في منتصف مايو 2026، أطلق وزير الأشغال اللبناني فايز رسامني مناقصة لمشروع تحديث وتصميم خط السكك الحديد الممتدة من طرابلس في شمال لبنان إلى منطقة العبودية عند الحدود اللبنانية – السورية. ويمنح هذا المشروع آمالاً بإعادة تفعيل القطار الذي توقف عن العمل منذ نصف قرن.

لا شيء يخرق سكون محطة سكة الحديد في طرابلس شمال لبنان إلا زقزقات العصافير، وأصوات بعض من قصدها لالتقاط صورة "كلاسيكية" مع عربات القطار التي تآكلت بفعل مرور الزمن، أو علاها الصدأ بسبب عدم الصيانة بعد توقفها بسبب الأحداث والحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990).

إلا أن خبراً جاء من خارج الصندوق، ليُعيد السكة إلى قلب التخيلات الجماعية والمشاريع المستقبلية للبنان من خلال إطلاق المناقصة لوضع دراسة تهدف لإحياء الشق اللبناني من سكة قطار الحجاز، بعدما وقعت تركيا والسعودية مذكرتَي تفاهم للتعاون في قطاعي السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، في خطوة وُصفت بأنها مفصلية ضمن مسار إعادة تشكيل شبكات النقل الإقليمية، بما يفتح الباب أمام مشروع ممر بري عابر للحدود يربط الخليج العربي بالقارة الأوروبية عبر الشرق الأوسط.

ومع هذا التطور بات تشغيل قطار النقل انطلاقاً من شمال لبنان وباتجاه مدينة حمص السورية إلى عقدة وصل ما انقطع مع المحيط، ومحطة في عملية التنمية وإعادة الإعمار الشامية، إضافة إلى مطار القليعات في ساحل عكار الشمالي، وتفعيل مرفأ طرابلس ثاني أكبر المرافئ في لبنان.

خطوة أولى والنية موجودة

من المبكر الحديث عن إعادة تشغيل قطار شحن البضائع في لبنان على غرار ما كان عليه الأمر قبل الحرب الأهلية التي اندلعت في عام 1975، فالأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسات والمخططات التفصيلية والتنفيذية وإزالة التعديات عن العقارات المستملكة من الدولة لمصلحته، وتلزيم التنفيذ، ولكن الجديد هذه المرة هو وجود "النية" والدفع من أجل تطبيق الخطة.

وقد لاقى الموضوع ترحيباً من قبل أهالي طرابلس.

يشدد وائل زمرلي رئيس اتحاد بلديات الفيحاء بتفعيل دينامية سكة القطار بما فيه فائدة كبيرة على الحركة الاقتصادية في لبنان والشمال، داعياً إلى "منح الأولوية في عمليات التوظيف في هكذا مشروع مهم للغاية لأبناء المدينة ليستفيد هؤلاء من مزايا المشروع".

من جهته يؤكد زياد شيّا مدير عام سكك الحديد في لبنان أن "خط القطار الممتد من طرابلس إلى بلدة العبودية على الحدود السورية هو الخط الذي تعرض لأقل عدد من التعديات مقارنة بباقي الخطوط، مما يشكل عاملاً إيجابياً لإمكانية إعادة تأهيله واستثماره وتشغيله، متحدثاً عن تعديات محدودة يمكن رفعها بسهولة بالتعاون مع القوى الأمنية اللبنانية فور البدء بعملية التنفيذ.

ويلفت أن التعديات اتخذت شكل شق طريق فرعي، أو بناء حيط، أو وضع تخشيبة للبيع، وهي من الأشياء التي يمكن التعامل معها من دون عرقلة المشروع. كما يوضح أن الاستملاكات موجودة ولا حاجة لإنفاق مزيد من المال عليها، متحدثاً عن منظومة اقتصادية متكاملة في قلبها سكة القطار شمالاً، حيث ستتكامل مع مرفأ المدينة، والمنطقة الاقتصادية الحرة، وهي ضرورة لوصل لبنان مع العبودية لإعادة ربطه مع سكة الحجاز من خلال محطة حمص.

ويتوقع شيّا المضي قدماً بالموضوع بسبب حماسة رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، ووزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، حيث هناك توجه لوضع لبنان على الخارطة التنموية الإقليمية، مشيراً في السياق إلى توقيع بروتوكول تعاون مع مجلس إدارة مرفأ طرابلس الذي سيستفيد مباشرة من تفعيل سكك الحديد لأنه "من غير الجائز أن القطار كان فاعلاً في البلاد في عام 1895، واليوم بعد مضي أكثر من 130 عاماً نفتقر إلى هذا القطاع الأساس الذي يوفر مبالغ كبيرة على المستثمرين".

الاستملاكات موجودة

يوضح زياد شيا أن "الاستملاكات الخاصة بسكة الحديد قائمة وموجودة ولم يتم التعرض لها بقوانين أو مراسيم جديدة، وهو يشكل عاملاً مريحاً للإدارة، على رغم الحاجة إلى بعض الاستملاكات القليلة عند بعض الطرق الفرعية وتحديداً متفرع طريق مطار القليعات".

كما يتطرق إلى الوجوه المتعددة للمشروع، ففي المرحلة الأولى سيقتصر على نقل البضائع، ولكن سيؤخذ في الاعتبار نقل الركاب من خلال إقامة خط للركاب في مرحلة لاحقة. ويشير إلى أهمية نقل البضائع، والخدمة الجليلة التي يقدمها القطار في سبيل تفعيل مرفأ طرابلس والحركة الاقتصادية في لبنان، مشدداً على "كلفة نقل أقل بنسبة 70 في المئة عبر القطار مقارنة بالشاحنات".  

يعبر زياد شيّا عن تفاؤله لأن السكة ستربط لبنان بحمص وثم حلب، وصولاً إلى تركيا وإسطنبول وأوروبا، لافتاً إلى ضرورة حجز مكان للبلاد في الحراك الإقليمي الواسع. كما يتحدث إلى وضع باقي سكك الحديد في منطقة مار مخايل داخل العاصمة بيروت ومحطة الرياق في البقاع شرقاً، حيث تقوم المصلحة الخاصة بسكك الحديد بترميمها بصورة مستمرة وتحافظ عليها، ريثما يتوفر القرار والتمويل لإعادة تشغيلها في مختلف المناطق اللبنانية، حيث هناك سعي لتفعيلها وتثقيف الناس من دون التأثير على وظيفتها المستقبلية في خطة النقل العام، لأن "الحل هو في القطار والباص وليس توسيع الطرقات حصراً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تفاؤل طرابلسي

ترتبط "سكة القطار" بكثير من الذكريات لدى أهالي طرابلس وشمال لبنان، حيث كانوا يضبطون يومياتهم على وقع حركته وصافراته، وجميعهم أصبحوا في العقد السادس من عمرهم. يتحدث عبدالناصر عن ساحات محطة القطار حيث كان يلعب مع رفاقه فيها، ويحذرون من السقوط فيها، فيما يستذكر السيد سليم الموظف السابق في المرفأ، أن "القطار كان يستخدم في نقل البضائع، وكان يعمل بانتظام ولكنه تأثر كثيراً بتطورات الحرب الأهلية اللبنانية، وقد استمر بالعمل المنتظم في عام 1975، والعام الذي يليه ولكنه بدأ بالتقطع والعرقلة لاحقاً، وأصبح يعمل حيناً ويتعطل أحياناً إلى أواخر السبعينيات عندما توقف أخيراً عن العمل مع سيطرة السوريين على المرافق الكبيرة للبلاد".

من جهته، يعود الحاج محمود حسني أديب، 88 سنة، إلى دفاتر الماضي عندما كانت صفاراته توقظ أهالي المدينة منذرة إياهم بقرب وصوله، ويؤكد أن "المحطة الرئيسة للقطار كانت في الميناء، حيث كانت تصل طرابلس بأوروبا عبر قطار الشرق السريع، وكان مريحة، وخدماتها جيدة ومتطورة"، و"استفاد أهالي الميناء كثيراً من خدمة القطار، وكذلك طرابلس، حيث كان يستقدم به النفط والبضائع والشحن"، و"لم يقتصر الأمر على المدينة الشمالية، فقد توزعت في لبنان قرابة 48 محطة للقطار للنقل الداخلي على مستوى البلاد، وكانت وسيلة مهمة لنقل الركاب والبضائع، إلا أن القطار بدأ بالتراجع مع الأحداث اللبنانية في 1975، وتعرض للنهب وسرقة السكك".

صلة لبنان بالعالم

يشكل القطار فرصة تنموية جديدة، وإذ يبعث مشهد العربات الحالي على التشاؤم، يؤكد الدكتور خالد تدمري وهو أستاذ جامعي متخصص في ترميم التراث أن "المطروح هو إعادة بناء محطة سكة حديد جديدة وليس استخدام المنشآت القديمة، ولا مبانيها القائمة، وهو ما ستحدده السلطة المختصة"، مشيراً إلى أن "القطار سيصل تركيا بالمدينة المنورة في السعودية عبر سوريا والأردن، وهناك حاجة له لمواكبة التطورات"، علماً أنه يمكن تحويل المحطة الحالية إلى مكان تراثي، وبناء محطة قطار للبضائع في العقارات التابعة لها والقريبة منها. ويلفت أن عملية المسح الميداني الفني للطريق التي سيعبرها القطار تشي بأن التعديات محدودة جداً نحو الحدود السورية، التي يمكن إزالتها بسهولة بالتعاون مع البلديات.

يتحدث تدمري عن "أهمية كبرى للمشروع، حيث ستعاد إحياء الفكرة التي بدأ في أواخر القرن الـ19 لوصل المناطق الداخلية في بلاد الشام بالمدينة المنورة، وربطه بالجانب الأناضولي والأوروبي لإسطنبول، مشيراً إلى أن "القطار الإكسبريس ينطلق من باريس ويصل إلى طرابلس، ولتفعيله انعكاسات مهمة ويمكن الاعتماد عليها في الاقتصاد والسياحة، وقد فطنت تركيا لأهمية القطار حيث تمكنت أخيراً من ربط مناطق البحر الأسود بالدول المحيطة بها".

ويعتقد أن هناك خطة لربط دول الإقليم بواسطة القطار، وهناك ضرورة لإدخال البلاد في قلب المعادلات، علماً أن "لبنان كان تاريخياً مربوط بخط قطار الحجاز عبر خطين فرعيين، الأول يمتد من طرابلس إلى حمص، ومن ثم حلب. أما الخط الفرعي الثاني فكان يمتد من بيروت إلى دمشق، حيث يلتقي هناك بخط حديد الحجاز القادم من تركيا إلى الأردن ومن ثم السعودية"، وتفعيله اليوم سيسهل حركة النقل كثيراً، وسيسهم في النهضة الاقتصادية لتلك البلاد جميعاً بما فيها لبنان بحسب تدمري، الذي يؤكد أنه "سيعيد إلى مرفأ طرابلس دوره الذي اعتبر تاريخياً مرفأ بلاد الشام، ومن ثم ربطه بشبكة سكك الحديد لمختلف أرجاء المنطقة".   

القطار حاجة وضرورة في لبنان

تبقى إعادة تفعيل القطار في لبنان رهينة تنفيذ الخطط والاستراتيجيات التي يجب أن تتوافر فيها جملة شروط تقنية. ويحذر كارلوس نفاع رئيس جمعية متخصصة بالنقل المستدام من تكرار أخطار الماضي، فقد سبق أن طرحت أربع خطط سابقاً لإعادة تشغيل سكة القطار، "في كل مرة نبدأ من الصفر كأن ما سبقها لم يكن. وفي كل مرة تُنفق الأموال، وتكتب التقارير، ثم يُغلق الملف ويعود إلى الأدراج"، معتبراً أن "الخطط الثلاث الماضية وضعت خارج أي مظلة تخطيطية وطنية شاملة". حيث يقترح كارلوس نفاع اعتماد المخطط التوجيهي الوطني لسكك الحديد الذي أعلنت عنه الجمعية التي يرأسها، الذي يشكل وثيقة تقنية وسياساتية متكاملة وتحدد الشبكة المقترحة لسكك الحديد في لبنان، مشدداً على أخذ بُعد العدالة الاجتماعية وجعل الأولوية للمواطن لا الحسابات التجارية في الاعتبار، واعتماد رؤية وطنية اجتماعية واقتصادية وبيئية متكاملة، وعدم حصر النقاش في أرقام الاستثمار وعقود الشراكة ومعدلات العائد.

يعتقد نفاع أن القطار حاجة وضرورة في لبنان، لأن "لبنان يختنق بالسيارات والشاحنات، وما ينتج عنها من تلوث خطر، حيث تعد سكك الحديد الوسيلة الأكثر استدامة وصديقة للبيئة سواء لنقل الأشخاص أو البضائع". كما يحذر من عدم اعتماد معايير الشفافية في التلزيم، حيث "يحاول الفساد التسلل إلى المشاريع الجديدة والجيدة، وتحديداً تلك التي تستغرق امتيازات طويلة وعقوداً ضخمة"، مقترحاً إنشاء هيئة ناظمة مستقلة للإشراف على قطاع النقل البري والبحري والجوي بالكامل، والتزام قيم الحوكمة، واعتماد الشفافية الكاملة في دفاتر الشروط والعقود وأن تكون متاحة بالكامل للعموم وخاضعة للرقابة المستقلة، وإخضاع دفتر الشروط لمراجعة تقنية مستقلة.

ليخلص إلى أن "المرة الرابعة، في إشارة إلى المحاولة الحالية، يجب أن تكون الأخيرة، والانتقال إلى التنفيذ الحقيقي وتحقيق الحلم الذي طالما انتظره الجميع في لبنان، لا أن يشكل ذريعة لصفقة جديدة".

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات