Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نساء بريطانيا من هامش الوزارة إلى مناصفتها

قرن كامل يفصل بين تعيين مارغريت بوندفيلد وحكومة آندي بيرنهام المتوازنة جندرياً

الحكومة البريطانية الجديدة في أول اجتماع يوم الثلاثاء 21 يوليو 2026 (مقر رئاسة الوزراء) 

ملخص

للمرة الأولى في تاريخ بريطانيا السياسي تشكل النساء نصف مقاعد مجلس الوزراء، بعدما عين رئيس الوزراء الجديد آندي بيرنهام 14 وزيرة من أصل 28 عضواً في حكومته الأولى. إنجاز يتوج مسيرة امتدت قرابة قرن منذ دخلت أول امرأة الحكومة البريطانية عام 1929، لكنه يكشف في المقابل فجوة لا تزال قائمة في البرلمان وقاعات إدارة الشركات وسوق العمل عموماً.

حين وقف آندي بيرنهام أمام مقر رئاسة الوزراء في الـ20 من يوليو (تموز) 2026 معلناً تشكيلة حكومته الأولى، لم يكن الخبر الأبرز إقصاء حلفاء سلفه كير ستارمر من المناصب العليا، بل حقيقة أن 14 امرأة تجلسن على طاولة مجلس الوزراء التي تتسع إلى 28 مقعداً، وبذلك تحققت المناصفة الجندرية الكاملة على طاولة الحكم في لندن للمرة الأولى منذ نشأة النظام الوزاري البريطاني الحديث.

لم تكن المرأة البريطانية قادرة أصلاً على الترشح للبرلمان قبل إقرار قانون "تأهيل النساء" عام 1918، وبعده "الاستبعاد بسبب الجنس" عام 1919، مما مكن المرأة من خوض الانتخابات. وفي العام ذاته انتخبت كونستانس ماركيفيتش أول امرأة تفوز بمقعد في مجلس العموم، لكنها لم تشغله التزاماً بسياسة المقاطعة التي انتهجها حزبها (شين فين) الإيرلندي، وبعد عام واحد دخلت نانسي أستور التاريخ بوصفها أول امرأة تجلس فعلياً على مقاعد المجلس بعد فوزها في انتخابات فرعية بدائرة بليموث عام 1919.

الاختراق الحكومي الأول جاء على يد مارغريت بوندفيلد، النقابية العمالية التي عُينت وكيلة وزارة في وزارة العمل عام 1924 لتصبح أول امرأة تتولى منصباً حكومياً، قبل أن يعينها رئيس الوزراء رامزي ماكدونالد وزيرة للعمل في عام 1929، فتغدو أول وزيرة في مجلس الوزراء البريطاني وأول امرأة تنضم إلى مجلس الملك الخاص، وفق ما يوثق الأرشيف الوطني. غير أن ولايتها تزامنت مع "الكساد الكبير"، إذ أيدت خفض إعانات البطالة عن بعض النساء المتزوجات لموازنة المالية العامة، فخسرت شعبيتها ثم مقعدها في انتخابات عام 1931، وظل اسمها شبه منسي في الذاكرة السياسية البريطانية على رغم ريادتها.

قد يفترض بعضٌ أن وصول امرأة إلى رئاسة الوزراء عام 1979 كان كفيلاً بفتح الأبواب أمام بنات جنسها، لكن مارغريت تاتشر لم تعين أي امرأة أخرى في مجلس وزرائها طوال أعوامها الأولى، وخلال 11 عاماً في السلطة بقي حضور المرأة متواضعاً جداً، بل إن خليفتها جون ميجور شهدت حكومته فترة خلت فيها المناصب الوزارية العليا من النساء تماماً، واللافت أيضاً أنه حتى عام 1987 لم يتجاوز عدد النائبات في مجلس العموم 30 امرأة، على رغم وجود رئيسة وزراء على رأس السلطة التنفيذية.

التحول الفعلي بدأ مع فوز حزب العمال الكاسح في عام 1997، إذ ضمت حكومة توني بلير الأولى خمس وزيرات، وتضاعفت نسبة النائبات في مجلس العموم من تسعة في المئة إلى 18 في المئة دفعة واحدة في تلك الانتخابات، بحسب معهد الحكومة البريطاني، حتى أطلقت الصحافة على القادمات الجديدات لقب (Blair Babes) أو "فتيات بلير". وواصل خليفته غوردون براون المسار، فبلغت نسبة النساء الحاضرات في اجتماعات مجلس الوزراء عام 2008 نحو 36 في المئة، وهي أعلى نسبة سجلت قبل عام 2024.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

خلال 14 عاماً من حكم "المحافظين" بين عامي 2010 و2024 تأرجحت الأرقام صعوداً وهبوطاً. ففي بدايات حكومة الائتلاف لم تتجاوز النساء أربعة مقاعد من أصل 28 حول طاولة مجلس الوزراء، أي 14 في المئة فحسب، وفق معهد الحكومة. ثم منحت تيريزا ماي، ثاني رئيسة وزراء في تاريخ البلاد، نحو 30 في المئة من مقاعد حكومتها الأولى للنساء عام 2016، وارتفعت النسبة إلى 35 في المئة في عهد ليز تراس، ثالثة الرئيسات، قبل أن تتراجع إلى 29 في المئة مع تولي ريشي سوناك رئاسة الحكومة.

انتخابات يوليو (تموز) 2024 التي أعادت حزب العمال إلى السلطة حملت أرقاماً قياسية على الصعيدين البرلماني والحكومي. فقد ضمت حكومة ستارمر 11 وزيرة من أصل 24، في أكثر التشكيلات توازناً جندرياً حتى ذلك الحين، وفق "جمعية الإصلاح الانتخابي"، وتولت راشيل ريفز وزارة الخزانة لتصبح أول امرأة تشغل المنصب في تاريخ يمتد لقرون، فيما قادت وزارة الداخلية إيفيت كوبر وشغلت أنجيلا راينر منصب نائبة رئيس الوزراء.

وجاءت حكومة بيرنهام لتتجاوز عتبة ستارمر وتحقق المناصفة الكاملة، في استجابة واضحة لضغوط مارستها نائبات حزب العمال اللاتي طالبن المرشح لرئاسة الوزراء صراحة بالالتزام بتقسيم جندري متساوٍ داخل حكومته، محذرات مما وصفنه بثقافة "نادي الفتيان" في وستمنستر، بحسب ما نقلت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). وأبقى بيرنهام على شبانة محمود في وزارة الداخلية، وعين لوسي باول، نائبة زعيم حزب العمال، وزيرة للتعليم، فيما عادت أنجيلا راينر إلى الحكومة وزيرة للإسكان.

في المقابل لا يزال مجلس العموم بعيداً من المناصفة، إذ فازت 263 امرأة بمقاعد المجلس البالغة 650 مقعداً في انتخابات عام 2024، أي 40 في المئة، وهي أعلى نسبة في تاريخ البرلمان، وارتفع العدد بعدها إلى 266 نائبة إثر انتخابات فرعية، لكن التفاوت الحزبي واضح، فالنساء يشكلن 46 في المئة من نواب حزب العمال مقابل 24 في المئة فقط لدى "المحافظين"، فيما تنخفض النسبة إلى نحو 35 في المئة عند احتساب مجلسي العموم واللوردات معاً. والمثير أن بريطانيا لا تحتل سوى المرتبة الـ27 عالمياً في تصنيف تمثيل النساء في البرلمانات، بحسب "جمعية الإصلاح الانتخابي".

يبقى السؤال المطروح في وستمنستر اليوم عما إذا كانت مناصفة بيرنهام بداية عرف سياسي جديد أم استثناء مرتبطاً بظروف وصوله إلى السلطة وضغوط نائبات حزبه. فالتاريخ البريطاني يظهر أن التقدم في هذا الملف لم يكن خطاً صاعداً باستمرار، بل مساراً متعرجاً تراجع مراراً بتبدل الحكومات، من حكومة تاتشر الخالية من الوزيرات إلى حكومة الائتلاف التي كادت تخلو منهن. ومع برلمان لم يتجاوز فيه تمثيل النساء 40 في المئة، وقمم شركات لا تزال حكراً شبه كامل على الرجال، تبدو المناصفة الحكومية إنجازاً رمزياً كبيراً، لكنه اختبار حقيقي لمدى قدرة بريطانيا على تحويل التوازن الجندري من قرار سياسي فردي إلى قاعدة راسخة في مؤسسات الدولة والاقتصاد معاً.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات