Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

3 حصانات سقطت عن لبنان... فهل تصبح بيروت في مرمى النار؟

الغطاء الأميركي على العاصمة اللبنانية اهتز حتى لو لم يسقط رسمياً

غارة إسرائيلية تستهدف مبنى في العاصمة اللبنانية بيروت (ا ف ب)

ملخص

بعد التصعيد الإسرائيلي الأخير، يمكن القول إن الغطاء الأميركي على بيروت لم يعد مطلقاً، فواشنطن ما زالت تقول إنها تدعم الحكومة اللبنانية، لكنها عملياً تضع شرطاً قاسياً، بمعنى أن الدولة التي لا تفصل نفسها عن "حزب الله" ستُعامل كدولة مخترقة، وهذا أخطر من أي ضربة عسكرية، لأنه يفتح الباب أمام شرعنة إسرائيلية لضرب كل ما تصفه تل أبيب بأنه بنية عسكرية أو أمنية أو لوجيستية للحزب، حتى لو كان داخل العمق اللبناني.

كان لافتاً ما أشار إليه مسؤول أميركي وفق ما نشر موقع "أكسيوس"، بأن ​إسرائيل​ سترد على الهجمات التي تستهدف قواتها ومدنييها، وقال المسؤول الأميركي إن ​"حزب الله​" أطلق منذ 17 أبريل (نيسان) الماضي ما يقارب 1000 مسيرة و700 صاروخ لعرقلة المفاوضات بين لبنان وإسرائيل. ولفت إلى أن الحزب تجاهل الطلبات المتكررة لوقف إطلاق النار على إسرائيل بما في ذلك الإنذار الأخير، وستقوم إسرائيل بالرد على جميع الهجمات التي تستهدف قواتها ومواطنيها، ويأتي ذلك في إطار سياسة تختلف عن نهج إدارة بايدن.

ونقل الموقع الأميركي عن مسؤول أميركي رفيع المستوى، قوله إن "إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تدعم تصعيد العمليات الإسرائيلية ضد (حزب الله)".

نتنياهو "سنسحق حزب الله"

بدورها، نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي إيال زامير، خلال النقاش الأمني المصغر مساء أمس 25 مايو (أيار) الجاري، إنه يجب مهاجمة مبانٍ في بيروت، رداً على هجمات الطائرات المسيرة التابعة لـ "حزب الله". كذلك صعّد وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، وقال "يجب عدم التسامح مع المسيرات وعلى بنيامين نتنياهو الضرب بيده على طاولة ترمب وإبلاغه أننا عائدون إلى الحرب". وتابع "نحن بحاجة إلى قطع الكهرباء عن لبنان، واحتلال الضاحية، والعودة إلى حرب مكثفة".

نعيم قاسم يحذر "كل من يواجهنا سنواجهه كما نواجه إسرائيل"

في جانب "حزب الله"، قال الأمين العام نعيم قاسم إن مشروع إسرائيل يقوم على احتلال لبنان تدريجاً ضمن مخططها، داعياً الحكومة اللبنانية "إلى التراجع عن قرار حصر السلاح بيد الدولة، لكي تكون إلى جانب شعبها". وأضاف "أن العقوبات الأميركية لن تضعفنا وإذا توحشت أميركا أكثر فلن يعود لها شيء في لبنان لأنها ستخربه على رؤوس أبنائه وعليها"، واعتبر أن إسرائيل "عدو توسعي وهو يعتدي ويريد أن يتوسع في المنطقة".

احتواء إسرائيل لم يعد ممكناً أميركياً

بالعودة إلى الموقف الأميركي، عندما تعمد واشنطن للإشارة إلى أن "هذه ليست إدارة بايدن"، فهي في الواقع تبعث برسالتين أساسيتين، الأولى إلى "حزب الله"، مفادها بأن سياسة احتواء إسرائيل أو ممارسة الضغوط عليها لخفض التصعيد لم تعد تمثل أولوية كما كانت في السابق. أما الثانية فهي موجهة إلى إسرائيل نفسها، وتتمثل في أن هامش التحرك أصبح أكثر اتساعاً، ما دامت العمليات تُقدَّم ضمن إطار "الرد على الهجمات"، وحماية مسار التفاوض، بخاصة عشية لقاء بين الجيشين الإسرائيلي واللبناني في البنتاغون.

في ما يبدو أن واشنطن بدأت تربط أي تصعيد ميداني مباشرة بمحاولات "تعطيل السلام"، و"حرمان اللبنانيين من إعادة الإعمار"، وهو ما يعني أن الغطاء السياسي الدولي قد يصبح أكثر تساهلاً مع أي عملية إسرائيلية واسعة يتم تسويقها باعتبارها جزءاً من فرض شروط التسوية الجديدة.

ومعلوم أن واشنطن كانت انتزعت تعهداً من تل أبيب بعدم التعرض للعاصمة بيروت، وبتحييد البنى التحتية اللبنانية وعدم استهدافها، خصوصاً تلك الواقعة خارج منطقة العمليات العسكرية، وهذا ما حصل في الأسابيع الماضية إذ بقيت العاصمة خارج أي استهداف.

فيما نقل الإعلام الإسرائيلي حينها، أن أية مصادقة على تنفيذ هجوم في بيروت تُرفع إلى نتنياهو مباشرة للموافقة عليها، وذلك عقب الهجومات في قلب العاصمة اللبنانية، وما عرف بـ "الأربعاء الأسود"، في الثامن من أبريل الماضي، والتي تسببت في دمار واسع وسقوط مئات الضحايا.

هل سقط الغطاء الأميركي عن العاصمة بيروت؟

الغطاء الأميركي الذي كان يُفهم منه وجود التزام بعدم استهداف العاصمة بيروت، اليوم سقط عملياً بعد العقوبات الأخيرة التي لم تعد تفصل بين سلاح "حزب الله"، وبين عجز الدولة اللبنانية عن نزعه أو التعامل معه.

وعلى ما يبدو أن واشنطن، بخاصة بعد موجة العقوبات التي طاولت ضباطاً من مخابرات الجيش اللبناني والأمن العام، لم تعد تمنح بيروت غطاءً سياسياً شاملاً، بل انتقلت إلى تغطية مشروطة للدولة، مقابل رفع الغطاء عن كل ما تعتبره امتداداً لـ "حزب الله" داخل الدولة. ويبدو واضحاً أن هناك انتقالاً أميركياً، من مرحلة الضغط على "حزب الله" إلى مرحلة الضغط على البيئة التي تسمح له بالبقاء داخل الدولة.

وكان الجيش الإسرائيلي أعلن عن استعداده لتوسيع عملياته وغاراته في لبنان خلال الأيام المقبلة، وفقاً لما نقلته شبكة "سي أن أن" عن مصدر إسرائيلي مطلع، والذي أكد أن تلك التحركات المرتقبة "تُنسَّق مع الولايات المتحدة". وأضاف أن الجيش الإسرائيلي يدفع أيضاً باتجاه استئناف الضربات على العاصمة بيروت، واستهداف قيادات بارزة في "حزب الله" داخلها. ويأتي هذا بالتوازي مع اتهام وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بشكل علني "حزب الله" بمحاولة إعادة لبنان إلى "الفوضى والدمار". وانتقد ما وصفه بدعوات الحزب "المتهورة" لإسقاط الحكومة اللبنانية المُنتخبة ديمقراطياً. وهذا ليس مجرد موقف إعلامي، بل إعلان سياسي بأن واشنطن تحمل الحزب مسؤولية الحرب، ومسؤولية تعطيل التفاوض، ومسؤولية تدمير فرصة لبنان للخروج من المواجهة.

الهدنة الأميركية - الإيرانية والساحة اللبنانية

إقليمياً، وعلى رغم وجود هدنة أعلن عنها بين واشنطن وطهران، لكنها ولدت هشّة، ولا تعني على الإطلاق أن المنطقة دخلت مرحلة استقرار، بل على العكس تماماً، تبدو كأنها مجرد وقف موقت لإطلاق النار، فوق برميل بارود إقليمي مفتوح على احتمالات الانفجار في أي لحظة. وفي السياق، أعلن متحدث باسم القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" اليوم الثلاثاء، بأن الجيش الأميركي نفذ ضربات دفاعية في جنوب إيران، استهدفت مواقع بينها منصات إطلاق صواريخ وقوارب إيرانية كانت تحاول زرع ألغام. وقال الكابتن تيموثي هوكينز "قواتنا نفذت ضربات في جنوب إيران دفاعاً عن النفس، حيث استهدفت هجماتنا منصات إطلاق صواريخ... والجيش الأميركي سيدافع عن قواته مع الالتزام بضبط النفس خلال وقف إطلاق النار الجاري".

إذاً، تتقدم المفاوضات الأميركية- الإيرانية ببطء شديد وسط انعدام ثقة كامل، بينما تستمر الجبهات المشتعلة من لبنان إلى البحر الأحمر في إرسال رسائل بالنار، وكأن الجميع يتفاوض بيد، ويضغط عسكرياً باليد الأخرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي قلب هذا المشهد، يبدو لبنان الساحة الأكثر هشاشة، فالحزب يرفع مستوى الاشتباك مع إسرائيل تدريجاً عبر المسيرات والصواريخ واستهداف المواقع العسكرية، فيما تعتبر تل أبيب أن ما يجري لم يعد "احتواءً لجبهة شمالية"، بل حرب استنزاف مفتوحة تهدد أمن مستوطنيها وجيشها على حد سواء. لذلك، فإن إسرائيل لن تقبل عملياً بأن تبقى تحت تهديد دائم بانتظار أن تنجح الدبلوماسية الأميركية أو تفشل، خصوصاً بعدما باتت تعتبر أن أي هدنة لا تُلزم "حزب الله "بالكامل، هي هدنة ناقصة وقابلة للانهيار عند أول هجوم. أما واشنطن، على رغم محاولتها منع انفجار إقليمي شامل، تبدو عاجزة عن لجم إسرائيل بالكامل، لا سيما في ظل الخطاب الأميركي الذي يحمّل "حزب الله" مسؤولية تقويض الهدنة وتعطيل مسار التفاوض.

وقد تضغط الإدارة الأميركية على تل أبيب لتجنب حرب واسعة غير محسوبة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع سياسياً ولا استراتيجياً أن تمنعها من الرد حين يُقتل جنودها أو يُستهدف مدنيوها بالمسيرات والصواريخ.

وأفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي بدأ بتعبئة جنوده بهدف تكثيف عملياته في لبنان، مشيرة إلى أنه طلب من الجنود الذين سُرّحوا في الأيام الأخيرة الالتحاق بالخدمة الاحتياطية فوراً. وهنا تكمن خطورة المرحلة، هدنة إيرانية هشة في الخلفية، مقابل جبهة لبنانية قابلة للاشتعال الكامل في أي لحظة، مع تراجع تدريجي في الخطوط الحمراء التي كانت تحمي بيروت سابقاً من الانزلاق إلى قلب المواجهة.

هل يعني ذلك أن بيروت أصبحت بلا غطاء؟

انطلاقاً من كل ما سبق، يمكن القول إن الغطاء الأميركي على بيروت لم يعد مطلقاً، فواشنطن ما زالت تقول إنها تدعم الحكومة اللبنانية، لكنها عملياً تضع شرطاً قاسياً، بمعنى أن الدولة التي لا تفصل نفسها عن "حزب الله" ستُعامل كدولة مخترقة، وهذا أخطر من أي ضربة عسكرية، لأنه يفتح الباب أمام شرعنة إسرائيلية لضرب كل ما تصفه تل أبيب بأنه بنية عسكرية أو أمنية أو لوجيستية للحزب، حتى لو كان داخل العمق اللبناني.

بمعنى آخر، لم تقل الولايات المتحدة لإسرائيل "اضربي بيروت"، لكنها نزعت كثيراً من الكلفة السياسية عن إسرائيل إذا وسعت ضرباتها بحجة استهداف "حزب الله". وهذا هو الضوء الأخضر غير المعلن، ليس تفويضاً رسمياً، بل صمت سياسي، وعقوبات موازية، وخطاب أميركي يحمّل الحزب وحده مسؤولية الانهيار. والأخطر أن العقوبات على ضباط لبنانيين تعني أن واشنطن لم تعد ترى المشكلة فقط في الضاحية أو الجنوب أو البقاع، بل في مفاصل الدولة نفسها، ما اضطر قيادة الجيش اللبناني إلى الرد والتأكيد، أن ولاء عسكرييها هو لـ"المؤسسة العسكرية فقط"، رداً على العقوبات التي اتهمت ضابطاً بتسريب معلومات استخباراتية مهمة إلى "حزب الله".

من هنا فإن لبنان دخل مرحلة رفع الحصانات، لا حصانة تلقائية للعاصمة، ولا حصانة تلقائية للمؤسسات الرسمية، ولا حصانة تلقائية لأي موقع يُشتبه بأنه يغطي "حزب الله" أو يسهّل عمله. وتريد واشنطن من الدولة أن تثبت أنها دولة، وتريد إسرائيل أن تستثمر في هذا التحول لتثبيت معادلة جديدة، أي أن كل لبنان أصبح ساحة ضغط ما دام سلاح "حزب الله" خارج سلطة الدولة.

وتبعاً لكل ما ورد فقد اهتز الغطاء الأميركي على بيروت، حتى لو لم يسقط رسمياً، والضوء الأخضر ليس بياناً أميركياً مكتوباً، بل معادلة سياسية جديدة تقول لإسرائيل، طالما المعركة ضد "حزب الله"، وطالما الدولة عاجزة أو مخترقة، فإن هامش الحركة بات أوسع بكثير. 

المعركة بالنسبة لتل أبيب لم تنتهِ

ليس خافياً على أحد، أن إسرائيل ممتعضة أكثر من أي وقت مضى، من مسار التفاهم الأميركي- الإيراني، ليس لأنها ترفض مبدأ التفاوض بحد ذاته، بل لأنها ترى أن واشنطن تتعامل مع الحرب وكأنها ملف نووي وإقليمي يمكن احتواؤه عبر تفاهمات مرحلية، بينما تعتبر تل أبيب أن المعركة بالنسبة لها لم تنتهِ لا في لبنان ولا على حدودها الشمالية.

من وجهة النظر الإسرائيلية، ما يجري حالياً هو محاولة أميركية لتجميد الانفجار الكبير مع إيران، من دون معالجة أصل المشكلة بالنسبة لإسرائيل، بقاء "حزب الله" مسلحاً، واستمرار الجبهة اللبنانية كمصدر تهديد يومي للمدنيين والجيش الإسرائيلي. ولذلك، تنظر تل أبيب إلى أي هدنة أميركية- إيرانية على أنها هدنة ناقصة، بل ربما خطيرة، إذا كانت ستمنح إيران فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة تنظيم أذرعها الإقليمية، وفي مقدّمها "حزب الله".

هذا ما يفسر لماذا لم تتعامل إسرائيل مع وقف النار المرتبط بإيران، على أنه نهاية للحرب في لبنان. بل على العكس، بعد ساعات فقط من إعلان التهدئة، صعّدت عملياتها داخل الأراضي اللبنانية بشكل غير مسبوق، وكأنها ترسل رسالة مزدوجة، أولاً لإيران بأن لبنان ليس ورقة يمكن تجميدها داخل أي صفقة، وثانياً لواشنطن بأن إسرائيل لن تربط أمنها الحدودي بإيقاع المفاوضات النووية أو التفاهمات الموقتة. ذلك أن إسرائيل تعتبر أن ما بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وما بعد حرب 2026، ليس كما قبلها.

وهناك قناعة إسرائيلية متزايدة بأن العودة إلى معادلة "الاحتواء" القديمة مع "حزب الله" أصبحت مستحيلة، وأن أي تسوية لا تنتهي عملياً بإبعاد التهديد عن الحدود، ونزع البنية العسكرية للحزب، ستتحول إلى مجرد هدنة موقتة تسبق جولة أعنف لاحقاً. ولهذا السبب، تستمر الضربات في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية وفي قلب بيروت، على رغم كل الحديث عن مفاوضات واتفاقات ووساطات.

 ولهذا تحديداً، تبدو إسرائيل اليوم وكأنها تقول للأميركيين بشكل غير مباشر، يمكنكم أن تفاوضوا إيران كما تشاؤون، لكن الحرب بالنسبة لنا لم تنتهِ بعد على الجبهة اللبنانية. وما دام "حزب الله" يطلق المسيّرات والصواريخ، وما دامت البنية العسكرية للحزب قائمة، فإن إسرائيل ستتصرف على أساس أنها لا تزال في قلب المعركة، لا في مرحلة ما بعد الحرب.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل