ملخص
ناقش اجتماع اللجنة العليا لتبديل العملة ترتيبات تبديل العملة القديمة في الولايات الآمنة وآليات تحصين الاقتصاد الوطني لحماية الدولة من الاختراقات المخططة، إلى جانب ملفات تهريب الذهب، وضبط الاقتصاد، وتطرق الاجتماع إلى أهمية تجويد عائدات صادرات الثروة الحيوانية، وتفعيل التحول الرقمي والاعتماد على المنهج التقني الحديث في التحصيل والإنفاق والسداد الإلكتروني.
تتجه الحكومة السودانية إلى تبديل العملة المحلية (الجنيه) خلال الفترة المقبلة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية على الملايين، وبخاصة مع الانهيار غير المسبوق والمتواصل في سعر الصرف وارتفاع أسعار السلع الغذائية، وكذلك القدرة الشرائية التي تتلاشى يوماً بعد يوم، وتدهور العملة الوطنية ووصولها إلى أدنى مستوى أمام العملات الأجنبية.
وتهدف خطوة "تغيير العملة" بحسب الحكومة إلى حماية الاقتصاد الوطني والقضاء على عمليات التزوير والحد من ظاهرة المضاربة في العملة، فضلاً عن السيطرة على الكتلة النقدية وإدخالها في دورتها الصحيحة، فكيف ينظر الاقتصاديون إلى هذه الخطوة، ومدى جدواها من ناحية تصحيح مسار الاقتصاد السوداني واستقراره؟
خطة وترتيبات
في هذا الوقت، عقدت اللجنة العليا لتبديل العملة اجتماعاً بحضور عضو مجلس السيادة الانتقالي الفريق إبراهيم جابر، المكلف بالملف الاقتصادي ومحافظ بنك السودان المركزي وعدد من الوزراء، وشرعت اللجنة في تنفيذ خطة متكاملة لتنفيذ عملية تبديل العملة الوطنية.
وناقش الاجتماع ترتيبات تبديل العملة القديمة في الولايات الآمنة وآليات تحصين الاقتصاد الوطني لحماية الدولة من الاختراقات المخططة، إلى جانب ملفات تهريب الذهب، وضبط الاقتصاد، وتطرق الاجتماع إلى أهمية تجويد عائدات صادرات الثروة الحيوانية، وتفعيل التحول الرقمي والاعتماد على المنهج التقني الحديث في التحصيل والإنفاق والسداد الإلكتروني.
وأكد وزير الثقافة والإعلام خالد الإعيسر أن "الاجتماع يأتي تتويجاً لسلسلة من اللقاءات المكثفة التي استمرت لأكثر من عام ونصف العام منذ انطلاق عمليات تبديل العملة في عدد من الولايات"، وحث المواطنين على فتح الحسابات المصرفية واستخدام التطبيقات الرقمية.
وأشار الإعيسر إلى جهود الحكومة لمعالجة الأزمات من خلال وضع خطط مبتكرة لحماية الاقتصاد الوطني ومواجهة التحديات التي تستهدف استقرار البلاد.
خطوة إيجابية
في السياق يقول الأكاديمي الاقتصادي محمد الناير إن "الاتجاه لتبديل العملة أو تغييرها قرار تأخر كثيراً، وكان من المفترض تنفيذه منذ الأشهر الأولى للحرب حتى يحقق آثاراً ملموسة وإيجابية في الاقتصاد السوداني من خلال إيقاف تداول العملات المنهوبة من البنوك ومنازل المواطنين، إضافة إلى الأموال التي سرقت قبل أن تكتمل طباعتها وإصدارها في بنك السودان المركزي ومطبعة العملة".
وأضاف المتخصص الاقتصادي "شرعت السلطات قبل أشهر عدة في تنفيذ عملية تبديل جزئي للعملة الوطنية، وقد أسهمت الخطوة في معالجة الأزمة بصورة جزئية، لذا فإن الحل الجذري يكمن في التبديل الكلي للعملة، إذ يسهم في وقف النزف الذي استهدف به الاقتصاد السوداني من خلال ضخ كميات كبيرة من العملات المزورة، وهو ما سيتم اكتشافه عند إجراء عملية تغيير العملة".
وأوضح الناير أنه "يجب مراعاة طباعة العملة الجديدة بمواصفات تأمينية عالية جداً، وغير قابلة للتزوير والتلف السريع حتى يتم وقف تداول العملات المزورة التي كانت واحدة من عوامل تدهور قيمة العملة الوطنية بصورة متسارعة".
وتابع المتحدث "من خلال عملية التبديل الكلي للعملة يسهل إمكان التعرف وتتبع مصادر الأموال الضخمة للأشخاص ورصدها ومعرفة مصدرها للحد من الثراء غير المشروع وبخاصة بعد عمليات السلب والنهب الكبيرة لأموال المواطنين إلى جانب سرقة البنوك".
وبين الأكاديمي الاقتصادي أن "هذه الخطوة إيجابية وتعد في مصلحة الاقتصاد، فضلاً عن عودة الكتلة النقدية للمصارف ومعرفة مصدرها، مؤكداً أن حدوث ذلك سيؤدي إلى تحسن سعر الصرف تلقائياً وانخفاض معدل التضخم".
مرحلة حرجة
في المنحى ذاته أشار الباحث الاقتصادي فيصل عابدين إلى أن "اتجاه الحكومة إلى تبديل العملة الوطنية لن يسهم في تعافي الاقتصاد، فالقوة الشرائية للجنيه السوداني لن تزداد بفعل هذا الإجراء، لكن ربما الهدف من التغيير محاصرة العملة المزيفة أو الكشف عن أرصدة بعينها، ولكنها أهداف بعيدة من التحقيق في ظل انهيار الدولة الحالي".
ولفت الباحث الاقتصادي إلى أن "خطوة تغيير العملة ستقود عناصر قوات ’الدعم السريع‘ الذين قاموا بنهب أموال السودانيين إلى الشراء بالجنيه السوداني المنهوب والذهب والدولار والمنازل والأصول الأخرى، مما سيؤدي إلى ارتفاع أسعارها، وبذلك يكون قد تمت مكافأتهم بدلاً من معاقبتهم".
ونوه عابدين إلى أن "اقتصاد السودان الآن في عمق الهاوية بسبب استمرار الحرب وسيواصل السقوط للقاع طالما الصراع المسلح لم يتوقف، ومن المؤكد أنه سيزداد التضخم وتتراجع قيمة العملة الوطنية، وقد تصل إلى الصفر، وهذا الوضع يفاقم الضائقة المعيشية وسينحدر الملايين لهاوية الفقر المدقع، فضلاً عن دخول الأزمة الاقتصادية مرحلة حرجة للغاية".
توظيف الإمكانات
على نحو متصل أوضح المتخصص في المجال المصرفي شهاب الطاهر أن "هذه الخطوة كانت مهمة ونصحنا بها من وقت مبكر، فإذا كانت تمت قبل عام ونصف العام من الآن لكان أثرها في تحسن مؤشرات الاقتصاد كبيراً جداً، وكان من الممكن أن يتوقف تدهور الجنيه السوداني الذي كان سعر صرفه مع بداية الحرب 500 جنيه مقابل الدولار الأميركي الواحد ليصل حالياً لحاجز 8 آلاف جنيه".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عزا الطاهر التراجع المطرد في سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية إلى "ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي، وزيادة حجم الواردات مقارنة بالصادرات تمثل أحد أهم أسباب ارتفاع الدولار، إلى جانب تسبب أزمة مضيق هرمز في رفع فاتورة الواردات".
ويرى المتخصص المصرفي أن "انكماش الاقتصاد أمر طبيعي في ظل الحرب، ومن الممكن في حال استمراره لفترة أطول المحافظة على استقرار سعر الصرف بتوظيف إمكانات وموارد البلاد الطبيعية الضخمة بصورة جيدة، استناداً إلى ما ينتج من الذهب وحده وبخاصة إذا تمت السيطرة عليه والحد من تهريبه والاستفادة منه بصورة كاملة، وهذا يكفي في معالجة كثير جداً من القضايا".
شروط محددة
على صعيد متصل يرى أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعات السودانية جمال السيد أن "تبديل العملة الوطنية عملية حيوية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي عبر مجموعة من التدابير المالية والسياسات النقدية، ويعد ضرورة بخاصة في الدول التي تعاني التضخم المفرط، وتدهور قيمة العملة، وانخفاض القدرة الشرائية، ولكن تحقيقه يتطلب توافر شروط اقتصادية ومالية محددة، من بينها استقرار الوضع السياسي، وتوفير احتياطات كافية من النقد الأجنبي، وسيطرة الدولة على الموارد الاقتصادية".
وأشار أستاذ الاقتصاد السياسي إلى أن "ضبط الأموال التي تم نهبها من البنوك في بداية الحرب من طريق عملية الاستبدال التي تخطط لها الحكومة، أمر مستحيل، وليس بإمكان أحد معرفة حجم العملات المزورة المتداولة في ظل الفوضى التي تشهدها البلاد"، مبيناً أن "أحد أهداف استبدال العملة هو إخراج العملات الموجودة في مناطق سيطرة ’الدعم السريع‘ من التداول".
ولفت السيد إلى أنه "بإمكان تغيير العملة أن يحدث تقدماً إذا رافقته نهاية للحرب وضوابط أخرى وإيجاد حلول للتصدير والاستيراد وإلغاء الموارد الذاتية، وبصورة عامة إن أي اقتصاد لا يفكر بالحلول الإنتاجية واستثمار موارده بصورة مثلى وإدارة عائداته سيظل فاشلاً".
تذبذب وفقر
دخل الاقتصاد السوداني عامه الرابع من الحرب في ظل انكماش الناتج وتعطل واسع للقطاعات الإنتاجية والخدمية، مع استمرار ضغوط الأسعار وسعر الصرف وتراجع الإيرادات العامة.
ويقدر البنك الدولي أن الناتج المحلي الحقيقي انكمش بنحو 29.4 في المئة عام 2023 و14 في المئة عام 2024، قبل تسجيل ارتداد محدود عام 2025 بنحو 3.1 في المئة، مدفوعاً بقاعدة المقارنة المنخفضة، وتحسن نسبي في النشاط الزراعي والخدمي، وعودة تدرجية للسكان إلى بعض المراكز الحضرية.
يشير البنك الدولي إلى أن جهود الدولة لإعادة بسط حضور المؤسسات في المراكز أسهمت في دعم التعافي الأولي، لا سيما مع تحسن الأوضاع الأمنية نسبياً في أجزاء من الخرطوم والوسط والشمال، وتقدر الإيرادات الحكومية بأقل من خمسة في المئة من الناتج خلال عامي 2024 - 2025، بما يحد من قدرة الدولة على تمويل الخدمات وإعادة الإعمار.
ووفقاً لتقارير رسمية، قفزت نسبة الفقر في السودان لتصل إلى 73 في المئة، مقارنة بـ21 في المئة فقط قبل الحرب، مما يعني أن نحو 24 مليون مواطن يعيشون حالياً تحت خط الفقر، وأظهرت مسوح الفقر المتعدد الأبعاد أن الأزمة توغلت لعمق المدن لتسجل نسبة الفقر في الحضر نحو 69.4 في المئة، بينما بلغت ذروتها القاسية في مناطق الريف ومخيمات النزوح لتلامس 99 في المئة.
ويحذر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، من أن أكثر من 19.5 مليون شخص يشكلون نحو 40 في المئة من السكان، يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.