ملخص
تتصاعد المخاوف في أوروبا من أن تختبر روسيا تماسك "الناتو" بهجوم عسكري محدود، مستغلة ثغرات في دفاعاته وجاهزيته. وعلى رغم تفوق الحلف عسكرياً واقتصادياً، يحذر خبراء من أن نقص الذخيرة وضعف الدفاعات الجوية وبطء حشد القوات قد تغري موسكو باختبار خطوطه الحمراء.
منذ أشهر، يرفع القادة الأوروبيون تدريجاً مستوى التحذير من خطر إقدام روسيا على شن ضربات ضد إحدى الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وهذه المخاوف ليست بلا أساس، إذ تتزايد انتهاكات المجال الجوي في أنحاء أوروبا بوتيرة متسارعة.
وفي واحد من أشد التحذيرات وضوحاً حتى الآن الصادرة عن جهاز أمني غربي، قالت الاستخبارات الدنماركية، الخميس الماضي، إن موسكو قد تشن هجوماً على "الناتو" في غضون أشهر، ووصفت احتمال حدوث ذلك بأنه "خطر منخفض، لكنه آخذ في التصاعد".
وفي اليوم نفسه، أشار تقرير صادر من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أي) إلى أن روسيا تستعد لشن هجمات بطائرات مسيرة انطلاقاً من البحر، تستهدف فرنسا وإسبانيا وإيطاليا في أوروبا.
وفي الأسبوع نفسه، رشحت معلومات تفيد بأن روسيا عززت "أسطول الظل" التابع لها بأكثر من الثلث، في مسعى منها إلى الحفاظ على تدفق النفط.
وبحسب تصريحات مصدر لم يكشف عن اسمه ومقرب من وزارة الدفاع الليتوانية، نقلتها صحيفة "إل موندو" الإسبانية، تلقت حكومات أوروبية عدة معلومات عن خطط للكرملين لتصعيد أنشطته الرامية إلى التدخل وزعزعة الاستقرار في القارة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي الأسبوع الماضي، أعربت بولندا عن مخاوف جدية من أن تتطور الهجمات الروسية الهجينة لتتحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
غير أنه في تقييم للحملات العسكرية المباشرة التي تشنها روسيا حالياً ضد أوروبا، حذر "معهد دراسات الحرب" من أنه، على رغم التحذيرات، فإن "الأفعال لا تزال دون مستوى الأقوال".
وفي هذا الصدد، صرح خبراء لصحيفة "اندبندنت" بأن أوروبا تعاني نقاط ضعف عدة قد تجعلها عرضة للمخاطر، بما في ذلك النقص في القدرات العسكرية والغموض السياسي الذي قد يؤدي إلى صراعات داخلية بين من يفترض أنهم حلفاء.
إن ضعف بنية الإمدادات الحيوية، مثل الكهرباء والنقل والاتصالات والمياه، قد يشكل تهديداً لاستمرار عمل المجتمع.
كيف يمكن أن يبدو الهجوم الروسي على حلف "الناتو"؟
هجوم محدود لاختبار تماسك الحلف
ترى كاتيا غلود، نائبة رئيس قسم الشؤون الخارجية في "مركز استراتيجيات أوراسيا الجديدة"، أن "الخطر لا يتمثل في غزو روسي واسع النطاق لأراضي حلف "الناتو"، بل في عملية محدودة تهدف إلى اختبار الخطوط الحمراء الفعلية للحلف، ومدى قدرة أعضائه على الاتفاق في شأن كيفية الرد".
وتقول غلود إن موسكو ستحاول "تصوير الأمر على أنه حادثة عرضية أو نفي تورطها فيه"، على غرار ما شوهد سابقاً في حالات انتهاك المجال الجوي في أنحاء أوروبا. ويهدف هجوم كهذا إلى "معرفة إلى أي حد يمكنها التمادي منى دون إثارة رد فعل جماعي حاسم من حلف (الناتو)".
وتضيف: "قد يأخذ ذلك شكل هجوم عسكري أكثر صراحة ومباشرة، مثل ضربة بطائرة مسيرة أو صاروخ تستهدف بنية تحتية حيوية أو منشآت عسكرية، أو هجوم على منشآت بحرية أو بنى تحتية تحت سطح البحر، أو عملية أخرى محدودة النطاق جغرافياً".
تأثر الموانئ والبنية التحتية الحيوية
يقول دانيال شاتس، وهو عالم سياسي سويدي سبق أن شغل مناصب باحث زائر في جامعات هارفرد وستانفورد وكولومبيا وجورجتاون، إن العمل العسكري الروسي قد يأخذ شكل "هجوم بطائرة مسيرة، أو استهداف بنية تحتية حيوية، أو توغل محدود".
وفي ضوء الهجمات المتكررة التي شنتها روسيا على شبكات النقل والطاقة الأوكرانية منذ بدء غزوها أوكرانيا، يرى شاتس أن على حلف "الناتو" أن "يحمي أيضاً الموانئ والسكك الحديد وشبكات الكهرباء والاتصالات التي ستعتمد عليها قدرته على الرد".
ويتابع قائلاً: "قد تكون العملية العسكرية محدودة، لكن الرهانات السياسية ستكون هائلة، فمن شأن الانقسام في الرد أن يشجع على مزيد من العدوان، إضافة إلى أن أي خطأ في التقدير قد يشعل فتيل حرب أوسع نطاقاً بكثير".
أعمال تخريب وأساليب خداع
ويشير الخبراء أيضاً إلى ما تقوم به روسيا حالياً باعتباره مؤشراً آخر إلى حجم الخطر الذي تمثله.
في هذا السياق، يقول كير جايلز، زميل باحث في برنامج روسيا وأوراسيا بمركز "تشاتام هاوس" ومؤلف كتاب "إطاحة أميركا: الهدف النهائي لموسكو في حربها الطويلة مع واشنطن" (American Overthrow: Moscow’s endgame in its long war with Washington): "هناك أعمال التخريب وعمليات القتل، وكل تلك الأمور التي ظلت تحدث على مدى سنوات".
ويضيف قائلاً: "تنتشر بالفعل تحذيرات استخباراتية موثوقة في شأن مؤامرات روسية جرى كشف عنها قبل تنفيذها أو أحبطتها أجهزة إنفاذ القانون، وتشمل هذه المؤامرات عمليات مثل استخدام طائرات مسيرة في جنوب أوروبا أو وضع عبوات حارقة في شحنات البضائع، مما يشير إلى نية إيقاع خسائر بشرية فادحة".
خطر الانقسام
يقول شاتس: "تستحق تحذيرات أجهزة الاستخبارات الغربية أن تؤخذ على محمل الجد، لكن الحرب ليست حتمية"، مضيفاً "لا يحتاج بوتين إلى الاعتقاد أنه قادر على هزيمة الحلف حتى يقدم على مقامرة خطرة. كل ما يحتاج إليه هو الاعتقاد أنه قادر على شق صفوفه".
في ظل الانقسامات الواضحة بين حلف "الناتو" والولايات المتحدة إبان فترة حكم ترمب، قد تتحول أقوى دولة عضو في الحلف إلى نقطة ضعيفة تهدد وحدته.
ويضيف قائلاً: "يجب ألا تترك واشنطن أي مجال للشك في أنها ستقف إلى جانب حلفائها".
وتشير غلود إلى أن الضعف العسكري ليس سوى "جزء من المشكلة"، وأن روسيا "بارعة أيضاً في استغلال الغموض السياسي".
وتقول: "يمكن تصميم هجوم بدقة متناهية بحيث يترك الحكومات في حال من الضياع حول ما إذا كان يرقى إلى هجوم مسلح، وحول طبيعة الرد الذي ينبغي أن يترتب عليه".
هل أوروبا مستعدة؟
الضعف العسكري
وفي كلمة حملت في طياتها تحدياً ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، توجه وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي إلى وزير الخارجية الروسي المخضرم سيرغي لافروف قائلاً: "لا يزال بإمكانكم قتل عدد كبير جداً من الناس، لكنكم لن تتمكنوا من الانتصار".
وأشار إلى أن حملة فلاديمير بوتين لم تكن ناجحة بالقدر المتوقع.
وحذر سيكورسكي قائلاً: "يبلغ الناتج المحلي الإجمال لبولندا قرابة نصف ناتجكم، بينما يفوقه ناتج أوروبا بعشرة أضعاف، ويفوقه ناتج حلف الناتو بخمسة وعشرين ضعفاً"، مضيفاً: "كفوا عن تهديد أوروبا والعالم. وتوقفوا عن تدمير مستقبل روسيا. يا سيرغي، أعلم أنك تسمعني، أبلغ رئيسك بأن الكيل قد طفح".
ولكن على رغم الموارد والتزام الدول الأعضاء بزيادة إنفاقها الدفاعي خلال قمة حلف "الناتو" في يوليو (تموز) الماضي، لا تزال هناك فجوات كبيرة في القدرات الدفاعية للدول الأوروبية.
في هذا الإطار، يقول شاتس: "يحتاج الغرب إلى أنظمة دفاع جوي ودفاعات ضد الطائرات المسيرة أكثر قوة، ومخزونات ذخيرة أكبر، وتعزيزات قادرة على التحرك بسرعة".
وتقول غلود: "إن حلف (الناتو) ككل يتفوق عسكرياً على روسيا، لكن ذلك لا ينبغي أن يحجب نقاط الضعف في الجهوزية الأوروبية".
وتضيف بالقول: "على سبيل المثال، بدأت بريطانيا للتو فقط في توسيع نطاق دفاعاتها الجوية والصاروخية لحماية أراضيها، وأن سنوات من تقليص النفقات في حقبة ما بعد الحرب الباردة أدت إلى محدودية القوة البشرية (عديد القوات) لدى بعض قطاعات القوات المسلحة، وقد تختار روسيا استغلال هذه الثغرات بدلاً من مواجهة (الناتو) في نقاط قوته".
الجهوزية المدنية
تحذر غلود من أن الجهوزية تمتد أيضاً "إلى ما وراء ساحة المعركة".
وتقول: "لا تقاس الجهوزية بالصواريخ والطائرات والسفن الحربية فحسب، بل يجب أيضاً تقييمها بناءً على قدرة المجتمع على مواصلة عمله واستمراره في أداء وظائفه عندما تتعطل الإمدادات والخدمات الحيوية، مثل الكهرباء والاتصالات ووسائل النقل أو المياه".
وأردفت بالقول: "أولت دول عدة أوروبية اهتماماً أكبر بكثير للتأهب المدني، بما في ذلك تقديم المشورة للأسر حول كيفية تدبير أمورها بصورة مستقلة خلال الأيام القليلة الأولى من الأزمة. بدأت بريطانيا في التحرك نحو هذا النهج الذي يشمل المجتمع بأسره، إلا أن هناك فجوة كبيرة لا تزال قائمة بين الإقرار بضرورة ذلك وبين بناء قدرة حقيقية لدى المواطنين على الصمود".
وحذرت قائلة: "إذا اعتقدت روسيا أنها قادرة على إحداث اضطراب هائل يفوق حجمه المتوقع من خلال استهداف البنية التحتية الحيوية، فإن هذا الضعف قد يتحول إلى حافز يدفعها للتحرك. وعلى العكس من ذلك، يصعب ترهيب مجتمع قادر على امتصاص أثر الاضطرابات والتعافي منها، إضافة إلى أن قدرته على الصمود تقلل من إغراء الخصم باختبار نقاط ضعفه".
© The Independent