ملخص
قبل احتلال إسرائيل الضفة الغربية عام 1967، كان التواصل بين الفلسطينيين على جانبي "الخط الأخضر" محظوراً، بينما أدى احتلال تلك المنطقة إلى استئناف التواصل في ما بينهم. وبعدها سمحت إسرائيل للمسلمين من الفلسطينيين فيها بأداء مناسك الحج، بعد موافقتها على صلاة المسيحيين منهم في كنائس الضفة الغربية، وإتاحتها وصول الدروز إلى خلوتهم المرجعية في عين البياضة في لبنان.
لأكثر من ثلاثة عقود حرم الفلسطينيون في إسرائيل من أداء مناسك الحج، وذلك منذ تأسيس الدولة وتحولهم إلى أقلية فيها، ضمن مظاهر عزلتهم الجغرافية والحضارية عن محيطهم العربي والإسلامي، لكن تلك العزلة انتهت مع حلول عام 1978 حين بدأت منذ ذلك العام وفود الحجاج بالتوجه إلى السعودية عبر الأراضي الأردنية وبجوازات سفر أردنية، وبإشراف من وزارة الأوقاف الأردنية.
وجاء تلك الخطوة بعد أعوام على انتهاء الحكم العسكري الإسرائيلي عام 1966، الذي فرضته تل أبيب لنحو 19 عاماً على الفلسطينيين فيها.
وقبل احتلال إسرائيل الضفة الغربية عام 1967 كان التواصل بين الفلسطينيين على جانبي "الخط الأخضر" محظوراً، بينما أدى احتلال تلك المنطقة إلى استئناف التواصل في ما بينهم. وبعدها سمحت إسرائيل للمسلمين من الفلسطينيين فيها بأداء مناسك الحج، بعد موافقتها على صلاة المسيحيين منهم في كنائس الضفة الغربية، وإتاحتها وصول الدروز إلى خلوتهم المرجعية في عين البياضة في لبنان.
وقبل ذلك فإن جيلاً كاملاً من الفلسطينيين حرم من أداء مناسك الحج طوال 30 عاماً خلال خمسينيات وحتى سبعينيات القرن الماضي.
وكان استئنافهم أداء مناسك الحج بوساطة من الملك الأردني الراحل حسين بن طلال عام 1977، بعد طلب رفعه وجهاؤهم وقضاتهم الشرعيون.
واستغل وفد منهم في ذلك العام زيارتهم إلى العاصمة الأردنية عمان لتعزية الملك حسين بوفاة زوجته الملكة علياء طوقان في فبراير (شباط) 1977 وطلبوا منه مساعدتهم في ذلك.
وجاءت تلك الزيارة بالتنسيق مع دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس التابعة للأردن، وذلك بعد سماح إسرائيل للوفد بالسفر إلى الأردن.
مسألة جواز السفر
ووافقت السلطات السعودية حينها على السماح للفلسطينيين المقيمين في إسرائيل بأداء الركن الخامس من أركان الإسلام شرط ألا يكون دخولهم بجواز سفر إسرائيلي.
ولأن الوساطة لذلك كانت أردنية، ولأن مرور الحجاج يتم عبر الأراضي الأردنية، تم الاتفاق حينها بين عمان والرياض على السماح لهم بدخول السعودية بجواز سفر أردني موقت.
وفي موسم حج عام 1977 أدى خمسة فلسطينيين من المقيمين في إسرائيل، معظمهم من قضاة المحكمة الشرعية، تلك المناسك، قبل إرسال أول بعثة حج رسمية لهم بعدها بعام.
وعبر جسر ألنبي (الكرامة) شرق أريحا كان هؤلاء الحجاج يغادرون إلى الأردن في طريقهم إلى السعودية، قبل أن يصبح انتقالهم عبر جسر "الشيخ حسين" شرق مدينة بيسان، وذلك بعد معاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية.
وبعدما كان عدد من يحق لهم الحج في سبعينيات القرن الماضي نحو 3 آلاف فلسطيني من الداخل أصبح حالياً يتجاوز الـ4500.
مسلمو الـ48
ووفق وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية محمد الخلايلة فإن السلطات الأردنية تستقبل سنوياً نحو 4500 حاج من فلسطينيي الداخل لأداء مناسك الحج "ضمن إشراف كامل من الوزارة"، وأوضح أن هؤلاء الحجاج "تشملهم البعثات الطبية والإدارية وبعثات الوعظ والإرشاد الأردنية".
وتتولى "اللجنة العليا لشؤون الحج والعمرة لمسلمي الأراضي المحتلة عام 1948" من مركزها في مدينة الطيبة تسجيل الراغبين بأداء مناسك الحج والعمرة بالتنسيق مع السلطات الأردنية. وتقوم اللجنة بعملية التسجيل من خلال مكاتب معتمدة في المدن والبلدات الفلسطينية في داخل إسرائيل قبل إحالة ملفاتهم إلى السلطات الأردنية لاستكمال الإجراءات الرسمية مع السعودية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
محاولات العزل
واعتبر المؤرخ الفلسطيني مصطفى كبها أن حرمان الفلسطينيين في إسرائيل من الحج كان "ضمن مظاهر المحاولات الإسرائيلية لعزلهم عن محيطهم الجغرافي، وحتى مع الفلسطينيين في الضفة الغربية".
وأوضح كبها أن الحكم العسكري على الفلسطينيين في إسرائيل لمدة 19 عاماً "كان يمنعهم من التنقل بين قرية وأخرى إلا بتصريح من الحاكم العسكري، وكان يفرض رقابة مشددة عليهم حتى على قراءة الصحف".
وبحسب كبها فإن مطالب الفلسطينيين بالسماح لهم بأداء مناسك الحج كانت خلال تلك الفترة "خافتة جداً، وقليلة جداً وقتلت في مهدها"، مضيفاً أن "تدينهم كان على الفطرة ولم يكن منظماً كما هو الآن".
وقال إن "القيادات التقليدية للفلسطينيين في داخل إسرائيل، من قضاة محكمة شرعية ومخاتير ووجهاء، فتحوا قضية حرمانهم من الحج مع الملك حسين عام 1977".
وأشار إلى أن الحزب الشيوعي والقوميين "كانوا يهيمنون حينها على الحيز العام للفلسطينيين في إسرائيل قبل ظهور الحركة الإسلامية مع ثمانينيات القرن الماضي".
وأرجع الكاتب الفلسطيني علي حبيب الله استئناف فلسطينيي الداخل أداء مناسك الحج إلى "التحولات السياسية والدبلوماسية حينها".
وبحسب حبيب الله فإن زيارة الوفد إلى الأردن جاءت "بعد أول حدث مفصلي اكتشف فيه الفلسطينيون في إسرائيل ذاتهم عبر التظاهرات التي عرفت لاحقاً بيوم الأرض".
وأوضح أن ذلك السماح بالحج جاء ضمن "محاولة إسرائيل مد جسر ناعم مع بعض الدول العربية، وفي خضم المفاوضات المصرية - الإسرائيلية".
وأشار حبيب الله إلى أن "الحج كان قبل نكبة 1948 نخبوياً للفلسطينيين ومرتبطاً بفئة محدودة منهم"، مضيفاً أن الحج لم "يكن من أولوياتهم في تلك الفترة".
ووفق حبيب الله فإن إسرائيل في بداية مرحلة السماح للفلسطينيين بالحج "كانت تفرض قيوداً على ذلك، مثل السماح لكبار السن وحسب، واستدعاء الحجاج لمقابلات أمنية بعد عودتهم من السعودية".