Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حين تتحول الكوارث الطبيعية إلى مزرعة للفكر الخرافي

مقابل عجزه أمام سلطة الظواهر العنيفة وغموضها يجد الإنسان راحته وطمأنينته الكاذبة في الغيب والعين واللعنة السماوية

زلزال ضرب مدينة الأصنام (200 كيلومتر شرق مدينة الجزائر العاصمة) في أكتوبر عام 1980 (مواقع التواصل)

ملخص

نحن في القرن الـ 21، ولا يزال المجتمع العربي والمغاربي كلما ضربته الكوارث الطبيعية يستخرج إرثاً خرافياً يعود لقرون غابرة، ليقرأ به ما قد أصبح في عداد العلم والعقل البشري المعاصر.

تختلف طرق مواجهة الكوارث الطبيعية أو الجائحات والأمراض المعدية، وقراءتها والتعامل معها من مجتمع إلى آخر يخضع هذا لمستوى الوعي الجمعي السائد، وللأنظمة السياسية ولطبيعة الإمكانات المتوافرة الموضوعة للمثل هذا الوضع، لكن يبدو أن المخيال الجمعي في العالم العربي وشمال أفريقيا يعاني عطباً شاملاً يتمثل في غياب العقل والنقد حين يمتحن بمحن الكوارث الطبيعية، أو الجائحات أو الأمراض المعدية.

وأمام عجز هذا الإنسان أمام سلطة الطبيعة العنيفة وغموضها، يجد راحته وطمأنينته الكاذبة في الخرافة والغيب والعين واللعنة السماوية، حتى لتبدو مجتمعاتنا، على المستوى السيكولوجي، غارقة في حال العيش داخل نعيم الكسل وغياب العقل وعسل الخرافة.

ونحن في القرن الـ 21، لا يزال المجتمع العربي والمغاربي، كلما ضربته الكوارث الطبيعية، يستخرج إرثاً خرافياً يعود لقرون غابرة، ويقرأ بها ما قد أصبح في عداد العلم والعقل البشري المعاصر.

إن امتحان مجتمعاتنا بالزلازل والبراكين والفيضانات والحرائق هي للأسف لحظات يزدهر فيها وحولها الفكر الخرافي، ويستعيد عافيته متلبساً لبوساً دينياً في معظم الأحيان، يقوم بذلك أهل الدجل الفكري، وأعتقد بأن المرأة هي الضحية الأكثر تأثراً بمثل هذه الفكر الخرافي، نظراً إلى كون المجتمع الذكوري، في معظم الأحيان، يوجه أصابع الاتهام إلى المرأة كونها هي سبب هذه الكوارث الطبيعية، وهذا بسبب لباسها أو لخروجها للعمل أو للاختلاط وما إلى ذلك، من التهم التي تلصق بها والتي لا يتردد أهل الفكر الخرافي من ترديدها، واعتبارها سبب لعنة السماء المتمثلة في ظاهرة الزلزال أو البراكين أو الأعاصير أو الفيضانات أو الجائحات.

إن الأنظمة السياسية كلما وجدت نفسها عاجزة عن تدبير الشأن اليومي للمواطنين، حيال هذه الكوارث الطبيعية بتوفير ما يجب أو يوفر في مثل هذا الوضع المأزوم، فإنها تمارس عملية الاستنجاد بالفكر الخرافي وجنوده للتخفيف من غضب المواطن الضائع، وتحويل انتباهه من الواقع المعطوب إلى السماء الغامضة، تقوم هذه الأنظمة بعملية تحويل اتجاه النقد الموجه إليها من قبل المواطن إلى لعنة السماء، كي تغطي عجزها في توفير ما يجب أن يتوفر لمواجهة مثل هذه الكوارث، مثل إقامة السدود تحسباً للفيضانات، والرفع من نوعية التطبيب والصحة لمواجهة الأمراض المعدية والجائحات، واحترام طرق البناء لمواجهة الزلازل، ففي عملية تحويل الانتباه هذه، أي من نقد السلطة الفاشلة إلى ربط هذا التقاعس بلعنة السماء، تستعين الأنظمة السياسية بطبقة المثقفين والسياسيين والإعلاميين والكتاب ورجال الدين، من أجل تحويل اتجاه النقد والغضب الصادرين من المواطن المكلوم، وتفريغهما من كل محتوى اجتماعي واقتصادي، وذلك باستعادة مصفوفة من الأساطير والخرافات التي تعتبر هذه الكوارث الطبيعية لعنة وغضباً من السماء، وهي في ذلك تقوم بعملية غسيل للسلطة وتبرئتها من مسؤوليتها في الإخفاق تجاه إدارة شؤون المواطن المطلوبة.

يتذكر الجميع الزلزال الذي ضرب مدينة الأصنام، 200 كيلومتر شرق مدينة الجزائر العاصمة، في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1980، حيث انتشرت فكرة خرافية مفادها بأن سبب الزلزال هذا هو الاسم الذي تحمله هذه المدينة، أي الأصنام، فهو الذي جلب لها لعنة السماء لما يحمله من دلالات وثنية، ولأن السلطات وجدت نفسها عاجزة عن توفير ما يجب توفيره حيال حجم الكارثة، وللتخفيف من حدة الضغط والغضب فقد استجابت لمثل هذا الفكر الخرافي، وغيرت من اسم المدينة التي أصبحت من يومها تسمى "شلف".

إن ظاهرة الزلازل أصبح لها علم بمقوماته وخصوصياته ونظرياته ومخابره، وإن المناطق المعرضة للزلازل أصبحت محددة ومعروفة مسبقاً، فاليابان مثلاً بلد مؤسس على بركان دائم، ولكن مقاومته لا تقوم على الفكر الخرافي، ولا توعز ذلك للعنة السماء، إنما يتحقق ذلك باعتماد إستراتيجية علمية تبدأ من طريقة احترام مقاييس العمران المضاد للزلازل، فالمدن اليابانية تعيش راقصة على الزلازل اليومية من دون خسائر تذكر، بل إن مثل هذا الوضع الجغرافي الاستثنائي يفرض على العلماء المتخصصين في الزلازل، بتحيين علومهم بحسب المعطيات المتجددة، وعدم الاستسلام لقوة الطبيعة بل مواجهتها بفهم أسرارها علمياً، واقتراح حلول عملية للحد من عنفها الطبيعي والتعايش معها.

وكذلك فإن للبراكين علمها، وهناك بلدان كثيرة فيها عدد من البراكين الخامدة والتي تعرف ساعات يقظتها، ومدة نشاطها، ولم يجر تفسير هذه الحال الطبيعية البركانية بلعنة السماء، فالمتخصصون في هذا العلم يعرفون وبصورة دقيقة متى تنام البراكين؟ ومتى تصحو؟ وما هي القوة النارية من الحمم التي ستخرجها من باطنها، وضرورة إخلاء مدن وأحياء كاملة حتى تمر فترة نشاط البركان؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكلما تقدم العلم تراجع الفكر الخرافي في البلدان المتقدمة، التي تعرف نشاطاً بركانياً أو زلزالياً متواصلاً، فكثير من هذه البراكين عرفت في القرون الغابرة ثقافة خرافية تفسر هذه الظاهرة الطبيعية، لكنها اليوم قد ولّت، تاركة المكان للعلم والعلماء ولسلطة العقل.

اليوم، يقوم علم المناخ بقراءة دقيقة لحركة الرياح وقوتها، وقد أصبح قادراً على أن يقدم وبالتدقيق، الذي يزداد دقة يوماً بعد آخر، لتشكل الأعاصير الكبرى وتحديد مسارها وأخطارها، وبالتالي تقوم السلطات بإفراغ الأماكن المأهولة من مدن وقرى قبل وصولها بأيام، تفادياً لأية خسائر بشرية أو اقتصادية.

ومثل الكوارث الطبيعية، الزلازل والبراكين والفيضانات والأعاصير وغيرها، هناك الكوارث المرضية مثل الكوليرا والجذام والحمى الإسبانية والسل، وآخرها جائحة كورونا "كوفيد-19"، وما إلى ذلك من أنواع الأمراض المعدية، وإذا كانت الدول المتقدمة بعلمائها ومخابرها ومراكز البحث والمستشفيات، تواجه بالعلم الحديث الذي يزداد يوماً بعد يوم، بل دقيقة بعد أخرى، ضبط سلاح مواجهة مثل هذه الأمراض، ففي العالم المتخلف لا يزال ينظر إلى مثل هذه الأمراض المعدية من زاوية لعنة السماء، وغضب السماء، وما إلى ذلك من تبريرات وتخريجات خرافية، وقد نتج من جائحة كورونا ثقافة خرافية كبيرة في العالم العربي وشمال أفريقيا.

ربّ ضارة نافعة، فكثير من الأنظمة السياسية في البلدان العربية والإسلامية، وأمام عجزها عن مواجهة مثل هذه الكوارث الطبيعية أو الصحية، تلجأ إلى تشجيع ثقافة الخرافة، وهي في ذلك تريد أن تتستر عن ظاهرة الفساد المستشري في مفاصل المؤسسات، والذي هو سبب من أسباب عدم التجهيز المناسب لمواجهة مثل هذه الكوارث.

إن ثقافة الخرافة في العالمين العربي والمغاربي، والتي تفسر الكوارث الطبيعية والأمراض المعدية والجوائح بأنها لعنة السماء، هي ثقافة متآمرة على العقل والمواطن، إذ إنها تسهم في التغطية على العجز السياسي في تدبير الشأن العام للمواطنين، وتشكل تغطية للفساد على كثير من الممارسات في العمران الذي لا يتناسب مع الزلازل والأعاصير والفيضانات، وفي مجتمعاتنا، كلما أخذت ثقافة الخرافة صبغة دينية، كان تأثيرها أكبر، لذا يكثر الدعاة والمفتين في زمن الكوارث.

المزيد من آراء