ملخص
منذ انفجار بيروت الكارثي الذي وقع خلال الرابع من أغسطس (آب) 2020 يسعى قلة من الروائين اللبنانيين إلى معالجة أحداث هذا اليوم ولكن بتؤدة، وكأن الصدمة المفجعة وهول الحدث منعا السرد من الإحاطة بفداحة ما وقع. الكاتبة والصحافية اللبنانية لورا مقدسي تختار أن تركز على هذا النهار المروع في روايتها الجديدة "سامي هاني خواجة" (دار الآداب، 2026) وأن تجعله في صلب سردها الذي يأتي طويلاً منطلقاً من مأساة هذا اليوم، واضعاً البطل في موقف لا يحسد عليه: تحت الركام.
تقوم رواية "سامي هاني خواجة" على ثمانية فصول أولها هو "يوم 4 آب 2020" يليه "اليوم الثاني" و"اليوم الثالث" وصولاً إلى اليوم الثامن. تنقل الفصول إذاً أيام البطل السبعة من بعد يوم الانفجار وسقوطه تحت ركام منزله في الأشرفية. واللافت أن البطل لا ينغمس في بكاء ونواح وتفكير في المصيبة التي هو فيها وهي أنه تحت الأنقاض، لا يحاول أن يتحرر أو يتحرك أو يصرخ، على العكس، يراه القارئ منغمساً في دوامة الذكريات فيعود إلى الوراء ليشكو حياته الفارغة وديونه الكثيرة وعجزه عن إيجاد نفسه. ويتركز الكلام طوال هذه الرواية على عودات إلى الوراء تصف حياة سامي القابع تحت الركام وعلاقاته وإدمانه الكحول وأزماته في الحب والعمل.
بطل من دون بطولة
بمجرد وقوع الانفجار وانهيار البيت عليه يقول البطل في بداية السرد: "وأنا وحدي تحت ركام البيت الذي وُلدت فيه، أنتظر من ينقذني من العتمة" في نوع من مانيفستو يحضر القارئ إلى ما سيأتي من أحداث ويعكس شخصية البطل ووضعه وهو مدفون حياً تحت الركام ووضعه العام في الحياة. على مدار الفصول الثمانية يكتشف القارئ أن البطل ليس بطلاً أبداً، على العكس، هو رجل خمول مستسلم مهزوم ينتظر أن تنقذه والدته وشقيقته وأي امرأة في حياته. ويتبين للقارئ أن سامي رجل محكوم بانتظار الخلاص على أيدي الآخرين وعاجز عن القيام بأي حركة لينقذ نفسه.
يتجلى سامي طوال السرد رجل الانتظار والتلقي، رجل الاستسلام الأبدي والسير نحو الحتف، فهو مديون وشرس ويعاقر الخمرة من دون اعتدال. هو رجل مريض بالاستهتار والاستلشاء والأنانية. منذ ولادته يتلقى سامي هاني خواجة حياته ولا يعيشها. حتى اسمه، شقيقته هي التي اختارته له. يمكن أن يعزو القارئ هذا الطبع في سامي إلى حادثة اختطاف والده الكاتب والمفكر والأستاذ الجامعي المثقف من أمام الجامعة الأميركية في بيروت واختفاؤه منذ ما يربو على 30 عاماً، أي منذ كان سامي في الـ10 من عمره. حادثة من هذا النوع تدمر حياة وطموحاً وكياناً، طبعاً، إنما يبدو أن اختفاء الأب قولب حياة الابن بصورة كاملة وتامة، فيقول سامي عن والده وعن نفسه "حين خطف من عائلته قبل ما يقارب 30 عاماً، وقفت في مكاني عاجزاً عن التقدم أو تبيان وجهتي في الحياة". وكأن توقف سامي عن التقدم بسبب حادثة والده تم عن وعي وإدراك وتصميم ولا عود عنه.
يظهر هاني خواجه الأب الغائب حاضراً أكثر من الابن نفسه، حتى إن الكاتبة تشدد على هذا الأمر عندما تقرر أن تضع اسم الأب في العنوان، فليس العنوان "سامي خواجة" بل "سامي هاني خواجة"، وكأنها تؤكد أنه لا وجود لسامي من دون والده، وهذا الأخير وحده هو الحي على رغم غيابه.
حب وفشل
يطول حديث البطل سامي عن حياته، عن حبه امرأتين وفشله في القصتين، عن ذكوريته العنجهية، ووحشيته مع المحيطين به، عن علاقته بالسلاح والمال والجنس، عما فعلته الحرب به، عن إدمانه الكحول وتعلقه بالشرب، حتى أنه يقول: "بصحبة الكأس، كنت ألتمس حقيقة الأشياء [...] كأنما الخمرة جسر إلى روحي، وإلى جوهر الوجود".
يأس وفقر وعزلة وانقطاع عن العالم وديون وخسارات كثيرة يعرفها سامي ويصفها من موقعه تحت الركام على مدى ثمانية أيام وثمانية فصول. لكن مشكلة السرد تكمن في كثرة التكرارات والدوامة الوصفية التي توقع الكاتبة نفسها فيها، فالصفحات الـ286 كان يمكن أن تكون أقل بكثير لو حذفت التكرارات. الموضوعات المتكررة قتلت السرد وبطأته وسلبت كثيراً من الإثارة التي تحملها الفكرة الأساس وهي أن البطل قابع تحت الركام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
صحيح أن البطل عبثي ومستسلم لكنه لا يحاول حتى التحرك أو الصراخ ولا يشعر بشيء. لا توظف الكاتبة الحواس لتصف واقع البطل ولا تستثمر الإطار الذي خلقته، فسامي العالق تحت الركام لثمانية أيام لا يصف محيطه ولا جوعه ولا عطشه ولا انقطاع الهواء عنه ولا شعوره بالتصلب أو شلل أطرافه مع أن أي إنسان في موقعه لا يمكن إلا أن يتحدث عن هذه العناصر. تتجاهل الكاتبة هذه العناصر كلها وتسترسل في الذكريات من دون أن تصف حال البطل تحت الركام، وكأنها خلقت إطاراً سردياً رائعاً لكنها تركته ونسيته وركزت على سرد الماضي فقط الذي يقل وهجاً عن الإطار المخلوق.
الفصول نفسها كان بالإمكان توظيف عدد صفحاتها لجعلها تعكس حال البطل المتدهورة، فكان بالإمكان أن تقصر الفصول مع تقدم الوقت وأن تقصر الجمل وتقل القدرة على التعبير والتذكر والوصف، في إشارة إلى تلاشي قوة البطل وتقلص قدرته على التذكر والسرد، الفصل السابع مثلاً هو أطول الفصول على أن قدرة الإنسان بعد سبعة أيام بلا أكل ولا شرب لا تكون بهذه القوة. كان بإمكان الكاتبة أن توظف موقع البطل لغوياً وسردياً وبنيوياً بصورة أقوى. عدا عن أن الأبحاث تشير إلى أن الإنسان يمكنه أن يبقى من ثلاثة إلى سبعة أيام كحد أقصى بلا ماء، فكيف استمر بطل لورا مقدسي بهذا التماسك والوعي؟ من أين أتته هذه القوة كلها ليتذكر ويصف ويسرد من دون أن يولي أدنى اهتمام للحال المزرية التي هو عالق فيها؟
"سامي هاني خواجة" محاولة سردية تسترجع يوم الثلاثاء الأسود الذي عرفه لبنان والذي عاشه اللبنانيون مثل سامي هاني خواجة، في فكرة ذكية هي وجود البطل تحت الركام ونهاية مفتوحة على كل الاحتمالات، فهل ينجو البطل؟ وهل ينجو أهل بيروت؟