ملخص
بعد مرور خمسة أعوام على انفجار مرفأ العاصمة اللبنانية بيروت، لا تزال المشاعر السلبية والألم النفسي والمشكلات النفسية حاضرة في حياة اللبنانيين، حيث فشل كثير منهم بالتكيف مع "الكابوس"
خمسة أعوام لم تكن كافية لالتئام الجرح النفسي للبنانيين وأهالي مدينة بيروت، إذ لا تزال الذاكرة تنوء بأثقال مشاهد "كابوس الرابع من أغسطس (آب) 2020"، حين وقع في عصر ذلك اليوم أكبر انفجار غير نووي في العالم، وصلت أصداؤه إلى دول مجاورة مثل قبرص وسوريا. وهذا الانفجار غير المسبوق كان نتيجة تخزين آلاف الأطنان من مادة نيترات الأمونيوم الخطرة في عنبر رقم 12 في المرفأ.
لم يتمكن بعد غالبية اللبنانيين من تجاوز مرارة وبشاعة ذاك اليوم، عندما تحول المرفأ إلى مصدر لتهديد وجودي لجميع مظاهر الحياة، وامتلأت الواجهة البحرية للعاصمة بأكوام من الألم والدماء والنار.
واليوم، يستعيد أهالي 243 ضحية، وأكثر من 7 آلاف جريح، والآلاف من المتضررين لحظات رعب وضياع عايشوها، وحالة اللايقين من المستقبل، ومحاولة الاجتثاث من الجذور بفعل فاعل لا يزال طليقاً بسبب عدم المحاسبة.
5 أعوام ثقيلة على اللبنانيين
في الخامس من أغسطس 2020، وأثناء تغطية صحافية في منطقة مار مخايل المواجهة للمرفأ (أحد أحياء بيروت) كان اللقاء الأول مع فاليري خلف، بدت السيدة وأنها تحاول أن تلملم من بين أكوام الدمار ما تبقى من منزلها المدمر بفعل موقعه القريب جداً المواجه مباشرة لمرفأ بيروت. في حينه لم يتمكن الخوف منها، فهي كانت تخوض صراعاً من أجل البقاء، كافحت لتبدو قوية أمام عائلتها، بعدما حول الانفجار المكان إلى ركام، جاهدت كثيراً لتخرج منه برفقة ابنها الصغير. عدنا اليوم وبعد خمسة أعوام لنسألها عن حالها، وهل خرجت من الصدمة الكبرى؟
تكشف لنا أنها عادت مجدداً إلى منزلها بعد ترميم ما أمكن بمساعدة بعض المانحين، إلا أنها لم تتمكن من نسيان تلك اللحظات الصعبة والصدمة الهائلة، التي سرعان ما تعود إليها فوراً على شكل خفقات قلب سريعة وخوف في العيون ورهبة عند سماع هدير أية طائرة أو انفجار إطار شاحنة، أو حتى صوت سيارة مسرعة.
وتقول الشابة، "على رغم مرور خمسة أعوام على الواقعة فإنها لم تغادر الذاكرة للحظة واحدة، ولا يزال ابني يحاول إخفاء مشاعره، ويكبت انفعالاته التي سببتها تلك الصدمة، ولا أبالغ القول إن ما حدث سيرافقنا ما تبقى من أعمارنا". وتلفت فاليري أنها "استعانت بمساعدة نفسية، وقد كان لها الفرصة بتجاوز أثر الانفجار جزئياً لأنها راشدة، أما الأبناء فقد عاشوا حالاً من الإنكار، وهم يحاولون تخطي تلك المرحلة خارج لبنان حيث يدرسون ويعملون"، معبرة عن سخطها وحزنها لأن "الدولة لم تقف كما يجب إلى جانب مواطنيها"، و"البعض يطالبنا بالتوقف عن الكلام وعدم تذكر الانفجار بعد مرور أعوام إلا أن الأمر ليس بأيدينا بفعل الصدمة التي ترافقنا في تفاصيل حياتنا... هذه الصدمة دفعتني إلى مطالبة جاري صاحب بقالة بعدم وضع البطيخ أمام محله لأنه يذكرني بمشهد الخضراوات المتناثرة والمختلطة بالدماء في الأرجاء بعد وقوع الانفجار".
تحاول فاليري التأقلم مع "الولادة الجديدة" كما تصفها، لأنها "كانت من الناجين في ذاك اليوم المشؤوم"، وتطالب بـ"محاسبة كل مسؤول أسهم في تفجير قلب العاصمة"، و"نحن نعلم أن هناك عدالة إلهية، ولككنا نعيش على الأرض ولا بد من إنزال العقاب الدنيوي".
شعور الخذلان لا يزال حاضراً
تأتي ذكرى انفجار المرفأ مثقلة في الدموع، لهؤلاء ممن حرمتهم من جمعة العائلة أو العيش مع من يحبون. ولد ثروت حطيط "جونيور" الطفل بعد رحيل والده ثروت حطيط الأب في الرابع من أغسطس 2020، في حينه كانت والدته حاملاً في حينه.
ينطلق الناطق باسم ضحايا المرفأ إبراهيم حطيط بالحديث عن أوجاع الأهالي، انطلاقاً من تجربة شخصية عاشها في حينه. في ذاك اليوم، غادر شقيقه ثروت منزله في حارة حريك إلى عمله في الحراسة بعد 10 أيام من الإجازة، فجأة شعر سكان العاصمة بانفجار عنيف من دون تحديد مصدره، ويشير إبراهيم حطيط "ما إن علمنا بأن الانفجار في المرفأ حتى بدأنا بالاتصالات للاطمئنان على ثروت لأنه يعمل في الإطفائية. كان هناك ضغط كبير على الشبكة، ولم تصلنا أية إجابة، بعد محاولات عديدة بدأ هاتفه يرن لكن من دون مجيب". ركب إبراهيم وزوجته على دراجة نارية واتجها نحو المرفأ، ليصادفا أبشع مشهد يمكن أن يراه الإنسان، "بدءاً من ساحة الشهداء، صرنا نرى مشاهد رهيبة، الأرض مليئة بالزجاج والركام، والجرحى على الأرض، وسيارات إسعاف تملأ المكان في محاولة لإسعاف الجرحى، وكلما اقتربنا إلى المرفأ ازدادت المناظر عنفاً، وعند الوصول على بعد عشرات الأمتار من المرفأ وجدنا أشجاراً مجتثة من الأرض"، وبدأ يتساءل "ماذا حصل بمن كان قريباً من موقع المرفأ لحظة الانفجار؟".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يشعر إبراهيم بغصة، ويتنفس بصعوبة قبل أن يواصل الكلام، "وصلنا إلى بوابة المرفأ رقم 3، تم منعنا من الدخول، بعدها اتجهنا إلى البوابة رقم 9 إلا أن الطوق الأمني أيضاً حال دون تمكننا من الدخول"، مضيفاً "لا أنسى مشهد المرفأ، كان مكاناً أسود بالكامل، يعلوه الدخان، والمنشآت الحديدية أصبحت كالعجين". بعد قليل أبلغنا أحد الأشخاص، "عليكم التوجه إلى مستشفى قريب، قد يكون ثروت هناك". ويكمل "توجهنا إلى المستشفى المحدد، دخلنا وكانت الممرات مليئة بالجرحى، دخلنا بحال من الصدمة، ننتقل من طبيب إلى آخر ومن ممرض إلى آخر للسؤال عن ثروت. فتشنا في لوائح الأسماء ولم نجده، اتجهت إلى إحدى الغرف التي كانت مزدحمة بجثث الضحايا، أقلبهم جثة بعد جثة، كلما أتجاوز واحدة منها أحمد الله أن ثروت ليس بينهم، واستمر البحث من غرفة إلى غرفة".
استمرت رحلة البحث عن ثروت في المستشفيات من دون جدوى، وبعد مرور 11 يوماً على الانتظار الثقيل، تبلغت عائلة حطيط أن "فرق الإنقاذ والدفاع المدني عثرت على أشلاء من الفقيد تبعاً لفحوصات الحمض النووي". يؤكد إبراهيم أن المعاناة لم تنته مع رحيل ثروت، وإنما اشتدت وطأتها، لأن زوجته كانت حاملاً بعد 14 عاماً من الانتظار لقدوم طفلهما الثاني.
يطالب حطيط بإنصاف أهالي الضحايا، الذين يعيشون في أوضاع نفسية سيئة للغاية، إضافة إلى مجموعة كبيرة من الجرحى لا تحصل على رعاية كافية، مشدداً على مطلب الحقيقة والعدالة والمحاسبة. ويلفت "مرت خمسة أعوام، ولا تزال السجون فارغة، ولم يحاسب أحد، ولم تتبلسم الجراح بسبب عدم استقلالية القضاء عن السياسة في لبنان".
بعيداً من الجذور
منذ أشهر رحلت السيدة روز أحد أشهر الجرحى الناجين من انفجار المرفأ بسبب تاريخها في تعليم اللغة والآداب، التي اكتسبت شهرة كبيرة بفعل إطلالاتها الإعلامية المتكررة عقب وقوع الجريمة، وهي كانت طالبت بصورة متكررة بإنزال العقاب بالجناة. يشير ناجي غلام ابن شقيقها إلى أن "السيدة الثمانينية، رحلت وهي تسأل عن مصير بيتها، وإن كانت ستعود إليه، وكان الجميع يحاول منحها الأمل بقرب ترميمه". ويأسف ناجي أن "حياة العائلة انقلبت رأساً على عقب، إذ لم تتمكن العائلة من العودة إلى الجميزة بسبب الدمار الذي طال المنازل، وعدم قدرة العائلة على إصلاحها"، مضيفاً "أصبحنا شبه غرباء عن المنطقة، وقد اجتثنا الانفجار من جذورنا، ودفعنا لتغيير العمل والانتقال لتأسيس مستقبل خارج المنطقة". ويلفت أن "عمليات الترميم كان تجميلية، أما الإصلاحات الكبيرة فلم تنجز بفعل نقص التمويل، وهي لا تزال تحتاج إلى فترة طويلة".
اللبنانيون ليسوا بخير
قامت مجموعة من الباحثات والباحثين (من لبنان، كندا، والنرويج) بدراسة ميدانية حول "تأثير البيئة السياسية والأمنية دائمة الخلل على الصحة النفسية للبنانيين الذين يعيشون أو كانوا يعيشون في لبنان، بين 13 أبريل (نيسان) 1975 والرابع من أغسطس 2020"، وتوصلت الدراسة التي قامت بها كارين بابازيان زوهرابيان وزينة زيربه وروز ماري ناصيف وراي عون وناتالي ديرساهاقيان ايوازيان وتوم سيرينغ وجاكلين سعد حرفوش، إلى قياس تأثير انفجار المرفأ على العينة المشاركة، فأتت النتيجة أن التأثير كان بالغاً جداً على نحو 31 في المئة من المشاركين والمشاركات، وفيما تأثر نحو 39 في المئة بصورة كبيرة، و20 في المئة تأثروا بصورة متوسطة من الانفجار. ولفتت الدراسة إلى التأثيرات المباشرة والفورية، حيث تعرض نحو28 في المئة لخطر الموت الوشيك. أما لناحية المصابين، فإن نحو 84 في المئة منهم لم يتلقوا أية مساعدة فورية مقابل نحو 16 المئة من المصابين الذين تلقوا المساعدة الفورية.
وتكشف الدراسة أن نحو 96 في المئة من المشاركين انتابتهم مشاعر خاصة بالتجارب الصادمة، مثل الرعب والعجز والفزع وعدم وجود مساعدة والغضب والإحباط. كما كشفت عن تقصير الدولة اللبنانية، حيث 93.3 في المئة ممن تعرضوا لإعاقات دائمة لم يتلقوا تعويضاً، و81.5 في المئة ممن تضررت أملاكهم العقارية لم يعوضوا، و93 في المئة ممن تضررت ممتلكاتهم الشخصية لم يحصلوا على تعويض. ناهيك بأن 61.5 في المئة أفادوا بعدم تقديم الدولة أي دعم نفسي.
أما لناحية آثار الانفجار على الصحة النفسية للمشاركين، فـأكد 64.6 في المئة منهم أنهم أصيبوا باضطرابات نفسية أو طبية، مثل القلق والكوابيس القاسية، والاكتئاب، ومشكلات في التركيز والذاكرة، ناهيك بتوارد أفكار انتحارية أو ذهابهم نحو الإدمان، كما أكد 69.7 في المئة من المشاركين أن الرابع من أغسطس أدى إلى تغيير علاقتهم بأنفسهم، فيما تأثرت علاقة 62.7 في المئة بمدينة بيروت ولبنان، لترتقي تلك الحادثة إلى مستوى الصدمة الجماعية.
الصدمة مستمرة بعد 5 أعوام
يستمر تأثير انفجار المرفأ على الصحة النفسية للمواطنين اللبنانيين، وتشير المتخصصة النفسية ريما إبراهيم إلى "عمق معاناة اللبناني، وتزايد تعاطي الحبوب المهدئة والمضادة للاكتئاب"، و"تأثيرها في السلوكيات اليومية، حيث يؤدي الخلاف المروري إلى جرائم القتل، أو نقاش عابر إلى صدام عنيف ومعه تنفجر المشاعر السلبية" والسلوكيات التي تكون غير المتناسبة مع الحدث بسبب الشد العصبي أو حتى الكوابيس، واستمرار عيش الحدث على رغم مرور خمسة أعوام على الانفجار"، لافتة إلى أن اضطرابات ما بعد الصدمة "لا تقتصر على عامة الناس، وإنما تمس من لديهم خبرة في مجال العلاج العيادي نظراً إلى الأحوال السيئة المحيطة، والصدمات المتتابعة".
تخشى إبراهيم من مستقبل نفسي رديء في لبنان بسبب الواقع العبثي والمعقد، إذ يشعر المواطن أنه عرضة للموت في كل لحظة وعند أي مفترق، وهو ما يجعل التعافي صعباً بسبب عدم المحاسبة وعدم وجود ضمانة لعدم تكرار ما حدث. من هنا، تنصح بالاعتماد على مساعدة متخصص والتصالح مع العلاج النفسي وآليات التعافي على غرار الاهتمام بالنفس، وممارسة الاهتمامات الشخصية، والعناية بالصحة والرياضة، والسفر لتجاوز حقبة "محاولة النجاة"، وصولاً إلى بناء شبكة أمان وتعزيز الآليات الدفاعية والعناية بالذات وعدم إهمال الصحة الجسدية والنفسية.