ملخص
تتمثل بيروت في أعمال الفنانة ندى صحناوي، من سبيل التورية والاستذكار، في معرضها الذي تقيمه بعنوان "تفتحت الزهور من بين أحجار الأسمنت المكسور" في "كينشو"، وهي مساحة عرض جديدة في منطقة مار مخايل، على بعد أمتار قليلة من محترفها الذي دمره انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس (آب) عام 2020 وأدى إلى مقتل 218 شخصاً وجرح الآلاف.
في تلك المساحة الممزقة، ثمة حياة بطيئة أخذت تعود للمكان، حين بدأت الفنانة تستوحي الحطام والفوضى وتعيد ربط الأشياء بالوسائط المتعددة والخامات المختلفة من قماش وورق وطلاء صناعي، كي تصنع أشكالاً سرعان ما خرجت عن السيطرة الهندسية، لتتحول بين يديها صرراً متكورة تشبه زهوراً برية نبتت من شقوق الذاكرة. ومن هذه المفارقة استمدت الفنانة عنوان معرضها الذي قدمت له بالقول "وبعد مرور خمسة أعوام على تلك المأساة ما زلتُ أجد زجاجاً مكسوراً في المشغل، متبعثراً في أغرب الأماكن، وبعد خمسة أعوام، تفتحت الزهور من بين أحجار الأسمنت المكسور."
في أعمال صحناوي، لا يقاس الأثر بحجم اللوحة أو كثافة عناصرها، بل بالمسافة التي تفتحها للتأمل، فهي تراهن على الصمت والاقتصاد الشكلي، وعلى قدرة اللون أو الشكل أو الحركة على الإيحاء. بهذا المعنى قد تبدو البساطة الظاهرة في الحد الأدنى من التعبير سهلة، لكنها تحمل تعقيداً باطنياً مرتبطاً بالفكرة، كما هي الحال في الفن المفاهيمي. في هذا السياق تحول ندى صحناوي الزهرة من رمز جمالي مألوف إلى كائن نابت من الصدمة. فهي لا تحتفي بقوة الطبيعة، بل تقدم ولادات قسرية خرجت من بين حطام الأسمنت.
وتوحي الأشكال الدائرية في البداية بالاكتمال، لكن هذا الإحساس سرعان ما يتبدد ليكشف عما تخفيه من ثقل الذاكرة وكابوس الانفجار. وتبدو الزهور أقرب إلى منحوتات نافرة، ذات كثافة مادية، فتتكور المادة وتنطوي وتتجعد، كجلد يلتئم بعد جرح عميق. والتقنية نفسها تصبح جزءاً من المعنى، ويحضر اللون الأسود بوصفه ثقلاً بصرياً، كتلة حداد وامتصاص للضوء، فيما يظهر الأحمر كلون جريح ومختزل، كأثر لا يندمل. وسط هذا التوتر، تبرز الزهرة كاستعارة مزدوجة، علامة حياة، ولكن حياة مشروطة بالخراب، لا وعد بالخلاص بل إصرار صامت على الاستمرار والظهور، ولو ككتلة ثقيلة ومتعبة ومشوهة قليلاً.
بدأت ندى صحناوي مسارها كفنانة متمردة عاشت أهوال الحرب التي شكلت وعيها الفني المبكر، ومنذ أوائل التسعينيات عملت على دمج الأشياء والكلمات والصور الأرشيفية في لوحاتها لمساءلة أثر الصدمة والذاكرة المتنازع عليها وبناء الهوية. وشملت أعمالها البارزة آنذاك سلاسل مثل "توليب لبلد مجروح" و"ألعاب الحرب" و"إحصاءات الحرب اللبنانية"، قبل أن تتوسع ممارستها إلى النحت والأعمال التركيبية، كما "بأجزاء" (In Pieces) (2019)، و"أخبار العالم السيئة" (2019) وهو عبارة عن عمل تجهيزي جداري يتكون من 300 كيلو ورق من أوراق الصحف المتراصة عمودياً على شكل جدار بلون أسود، رمز الحداد على قتلى المجازر والكوارث والحروب.
منذ عام 2000، برزت صحناوي كإحدى رائدات الأعمال التركيبية العامة (In Situ). عرفت بإنشاءاتها في مواقع وسط بيروت، متعاملة مع الفضاء المديني بوصفه عنصراً بنيوياً في العمل وحاملاً مباشراً للذاكرة الجماعية. وترتكز ممارستها على إعادة استخدام مواد يومية بسيطة لتفكيك آثار الحروب وطرح سؤال الشفاء الجماعي كعملية مستمرة، مما يتجلى في أعمال مثل " أتذكّر" و"كسور الذاكرة" و"النور في نهاية النفق"، وصولاً إلى عملها الأحدث "محطم" Shattered (2024)، وهو تركيب جداري يستعيد ذكرى ضحايا انفجار الرابع من أغسطس، لا عبر التمثيل المباشر، بل من خلال أثر الصدمة واستمرارها.
تفكيك الصدمة
في معرضها الحالي (المستمر حتى الـ11 من يناير- كانون الثاني الجاري) تقدم ندى صحناوي مجموعة من المنحوتات واللوحات متعددة المواد والوسائط، في حوار بين سلسلتين تعكسان الألم وأثره المتراكم. من جهة، تأتي سلسلة "بعيداً من أخبار العالم السيئة" (2018-2022) للبحث عن الاحتمال الخافت لوجود عالم اختفى منه العنف. ومن جهة ثانية، تظهر سلسلة "كم وكم بعد؟" (2015-2019) التي رسمتها رداً على الحروب المستمرة في المنطقة، عاكسة أيضاً أن المقاومة لا تتجسد في لفتة واحدة، بل لها إيقاع مستدام، فرسمت على اللوحة بضربات فرشاة خفيفة ثم قامت بتغطيتها بطبقات من الأشياء العشوائية لخلق غموض بين التجربة الشخصية والجماعية.
وتعكس اللوحات الصغيرة أشكالاً دائرية لامعة ونافرة تبدو كأنها كتل متحركة، تتشكل من دوائر غير مكتملة وبقع لونية كثيفة ومساحات بيضاء واسعة، لكن هذا البياض ليس فراغاً، بل حيزاً هشاً للذاكرة المكبوتة، فيما تظهر الألوان، ولا سيما الأحمر والأسود كندوب أو آثار لصدمات على جسد اللوحة. وتكتسب هذه اللغة دلالتها الأعمق حين تُقرأ في سياق التجريد الـ"مينيمالي"، في فضاء لا يمثل حدثاً سردياً بل علامات لونية أولية تتكرر بإيقاع بصري يشبه نفساً متقطعاً، يوازي إلحاح الذاكرة الجمعية.
وتطرح سلسلة "كم وكم بعد؟" تساؤلاً عن قدرة الاحتمال، فيتحول التكرار إلى بنية للعيش مع الزمن، علامات مختزلة، أقرب إلى جداول أو روزنامات للأيام الضائعة، تستعيد نبض المقاومة اليومية لا كذروة درامية، بل كإثبات للذات. وفي عصر صناعة العنف يبدو الإحصاء العددي إحدى الاستراتيجيات التي تعمل للسيطرة على الهوية الخصوصية للفرد، فيختزل الإنسان إلى خط أو علامة، في إيحاء بيوميات السجون.
وينطوي هذا العمل على تضمين للذاكرة من خلال إدراج صور فوتوغرافية وخرائط وأشياء ملتقطة داخل طبقات اللوحة، بما يخلق تراكباً بين الأثر الشخصي والأرشيف الجماعي، فتغدو اللوحة صندوق ذاكرة مفتوحاً، والأهم هو أثر اليد من خلال ضربات الفرشاة الذي يؤكد أن توثيق الزمن هو ممارسة حسية. هكذا، يغدو الـ"مينيمال" لغة مقاومة حسية، ترى وتلمس، وتحاك فيها الذاكرة كنسيج آثار متواضعة لكنها صلبة، ضربة بعد ضربة وحياة بعد حياة.
ما بين الـ"مينيمال" الأميركي والـ"زن" الياباني
تلتقي ندى صحناوي مع الـ"مينيمال آرت" في مبدأ الاختزال للعناصر البصرية واعتماد المساحات البيضاء بوصفها بنية أساسية، والتركيز على اللون ككيان مستقل، مع إلغاء السرد المباشر، غير أنها تنعطف بوضوح عن حياد الـ"مينيمال" الأميركي الكلاسيكي الذي سعى إلى فصل العمل عن العاطفة والسياق، لتحمل أدواته ذاكرة عنف وفقد جماعي. فاللون عندها ليس شكلاً نقياً، بل أثراً، والبقعة ليست وحدة هندسية، بل شاهداً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بهذا المعنى، يصبح الاختزال وسيلة لاحتواء الصدمة لا لإنكارها، ويغدو الصمت فضاءً تأملياً يفسح المجال للتأويل. ويمكن ربط تجربة صحناوي بفنانين أعادوا تسييس أو "تأنيث" الـ"مينيمال"، لكن خصوصية صحناوي تكمن في أن هذا التوتر ليس ميتافيزيقياً، بل إنه تاريخي ومكاني، مرتبط ببيروت وتجربتها المعاصرة مع الدمار. وإذا كان الـ"مينيمال" الغربي سعى إلى "تنقية" الفن من المعنى الزائد، فإن صحناوي تنقي الشكل كي يبقى المعنى ممكناً. ويتعزز هذا المنحى بتأثرها العميق بروحانية الـ"زن" اليابانية، لا كاستعارة شكلية، بل كموقف وجودي لا يرى في الاختزال فقراً، بل طريقاً الى الصفاء. هكذا، يقف فن ندى صحناوي عند تقاطع دقيق بين "مينيمالية" معاصرة تسترجع ذاكرة العنف في بيروت، وروحانية الـ"زن" التي ترى في الكسر شكلاً من أشكال المعرفة.