Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين الضغوط والانهيار... الحصار البحري يخنق الاقتصاد الإيراني

تعطّل 90% من التجارة الخارجية يهدد بتضخم مفرط وركود عميق وسط محدودية البدائل وتآكل الإيرادات

بلغ حجم التجارة الخارجية في عام 2025 نحو 109.6 مليار دولار، منها 51.6 مليار دولار صادرات غير نفطية (أ ف ب)

ملخص

يدخل الاقتصاد الإيراني مرحلة حرجة مع فرض حصار بحري يهدد شريان تجارته الخارجية، إذ يعتمد بنسبة تفوق 90% على النقل البحري، ومع محدودية البدائل، تتصاعد أخطار التضخم ونقص السلع وارتفاع البطالة، بينما تتراجع الإيرادات النفطية، وعلى رغم امتلاك الاقتصاد بعض المرونة، يبقى مسار الأزمة مفتوحاً بين احتواء الضغوط أو الانزلاق نحو ركود عميق.

عقب إقرار هدنة استمرت 14 يوماً بين إيران والولايات المتحدة، وعقد الجولة الأولى من المفاوضات في إسلام آباد، بدأت واشنطن، اعتباراً من الـ13 من أبريل (نيسان) الجاري، تنفيذ حصار اقتصادي بحري على المسارات الجنوبية لإيران.

ويتوقع أن يؤدي استمرار هذا الإجراء إلى إدخال الاقتصاد الإيراني في مرحلة أكثر تعقيداً من الضغوط، تتجاوز ما شهده في الأعوام السابقة.

وكان الاقتصاد الإيراني يعاني أصلاً اختلالات هيكلية وتقلبات حادة حتى قبل اندلاع المواجهات الأخيرة في الـ27 من فبراير(شباط) الماضي، أما اليوم، وبعد أكثر من شهر من التوترات، فإنه يواجه صدمة جديدة قد تكون ذات آثار مدمرة في حال استمرار الوضع الراهن.

وفي هذا السياق، قدرت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني، الخسائر الناجمة عن الهجمات الأميركية والإسرائيلية بنحو 270 مليار دولار، مشيرة إلى أن الرقم يشمل الأضرار المباشرة وغير المباشرة، مما يعكس حجم الضربة التي تلقاها الاقتصاد قبل تشديد الضغوط الجديدة.

محدودية القدرة على الالتفاف على الحصار

للوهلة الأولى، قد يبدو أن إيران قادرة، كما في السابق، على إيجاد طرق للالتفاف على القيود البحرية، غير أن متخصصين في الشؤون البحرية يرون أن الإفلات من حصار طويل الأمد سيكون بالغ الصعوبة، إن لم يكن شبه مستحيل.

وتحذر تقديرات اقتصادية من أن استمرار هذا الوضع قد يدفع الاقتصاد الإيراني إلى أزمة عميقة، قد تتجلى في سيناريوهات متشائمة بارتفاع مفرط في معدلات التضخم، وربما نقص واسع في السلع الأساسية.

ويعود ذلك أساساً إلى الاعتماد الكبير للتجارة الخارجية الإيرانية على المسارات البحرية الجنوبية، إذ يتم نحو 90 في المئة من الصادرات والواردات عبر الخليج العربي وبحر عمان.

وفي حال تعطلت هذه المسارات، فإن الشريان الرئيس للتبادل التجاري سيتعرض لقيود حادة، مما يهدد بإحداث اختلالات واسعة في الاقتصاد.

تضييق الخناق على شبكات الالتفاف

في الأعوام الماضية تمكنت إيران من التخفيف من آثار العقوبات عبر شبكات غير رسمية ووسطاء، واستخدام ناقلات نفط ترفع أعلام دول ثالثة، إلا أن تشديد الحصار البحري يضع هذه الأساليب تحت ضغط أكبر، ويقلص إلى حد كبير القدرة على مواصلة التبادل التجاري عبر هذه القنوات، مما يهدد بدفع الاقتصاد الإيراني نحو عزلة غير مسبوقة.

وفي هذا الإطار، يحذر محللو الاقتصاد من أن استمرار الحصار فترة طويلة قد يؤدي إلى تضخم مفرط، بل حتى نقص حاد في السلع وربما مجاعة في السيناريوهات المتشائمة، خصوصاً في سوق العملات الأجنبية، غير أنهم لا يتوقعون بالضرورة انهياراً كاملاً أو مجاعة، مشيرين إلى وجود قدر من المرونة في الاقتصاد.

الدور الحاسم للمنافذ البحرية في التجارة الإيرانية

دخل الحصار البحري حيز التنفيذ رسمياً في الـ13 من أبريل الجاري، وشمل جميع الموانئ والمناطق الساحلية المطلة على الخليج العربي وبحر عمان، وبموجب هذا الإجراء، توقفت حركة دخول وخروج السفن المرتبطة بالتجارة الإيرانية.

في المقابل، سمح للسفن بالعبور عبر مضيق هرمز باتجاه دول أخرى في المنطقة، مثل قطر والإمارات العربية المتحدة والسعودية والعراق، إلا أن أي سفينة مرتبطة بإيران أو تحمل بضائع ذات منشأ أو وجهة إيرانية تخضع للتفتيش أو المنع.

وأكدت القيادة المركزية الأميركية أن الحصار يطبق من دون استثناء، وأن أي سفينة لا تلتزم التعليمات قد تواجه إجراءات عسكرية، ويهدف هذا الإجراء إلى قطع عائدات النفط وتعطيل التجارة البحرية الإيرانية، مع الحرص على عدم إعاقة الملاحة الدولية الأخرى.

وعلى رغم ذلك، أشارت تقارير حديثة إلى عبور بعض السفن المرتبطة بإيران، مما يثير تساؤلات حول مدى شمولية تطبيق الحصار.

أرقام تعكس حجم الاعتماد على البحر

تشكل الحدود البحرية نحو ثلث حدود إيران، التي تمتد سواحلها لأكثر من 5800 كيلومتر، وتضم نحو 55 مدينة ساحلية وتبرز أهمية هذه البنية في كون أكثر من 90 في المئة من حركة التجارة الخارجية تعتمد على النقل البحري.

وبحسب بيانات الجمارك الإيرانية، بلغ حجم التجارة الخارجية في عام 2025 نحو 109.6 مليار دولار، منها 51.6 مليار دولار صادرات غير نفطية، و58 مليار دولار واردات، بإجمال وزن يقارب 191.5 مليون طن.

في المقابل، تظل موانئ بحر قزوين، مثل أنزلي ونوشهر وأمير آباد، محدودة القدرة ولا يمكنها تعويض دور الموانئ الجنوبية، نظراً إلى طبيعة البحر المغلق وقيود الوصول إلى الأسواق العالمية.

أما صادرات الطاقة عبر البر فتبقى محدودة، إذ تصدر إيران الغاز أساساً إلى تركيا والعراق عبر خطوط الأنابيب، بحجم يراوح ما بين 15 و16.5 مليار متر مكعب سنوياً، بقيمة تقارب 5.5 إلى 6.8 مليار دولار.

البدائل المتاحة: خيارات محدودة التأثير

وعلى رغم خبرة إيران في الالتفاف على العقوبات، فإن الحصار البحري الحالي يفرض واقعاً مختلفاً، فالمسارات البديلة، سواء عبر بحر قزوين أو الطرق البرية، لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من التجارة الخارجية، تراوح ما بين ثلاثة في المئة وخمسة في المئة للبحر، ونحو خمسة في المئة للطرق البرية، وغالباً ما تقتصر على التبادل مع الدول المجاورة.

ومن بين الخيارات المطروحة برز استخدام ميناء غوادر الباكستاني ضمن ممر ترانزيت جديد، وقد أفادت تقارير ببدء تشغيل هذا المسار، مع إرسال شحنات تجريبية إلى آسيا الوسطى عبر إيران.

ومع ذلك، تظل قدرة هذا المسار محدودة، إذ يتركز دوره في الترانزيت نحو آسيا الوسطى، ولا يوفر بديلاً فعالاً للتجارة واسعة النطاق، بخاصة مع الصين أو لتأمين واردات كبيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي هذا السياق، يؤكد محللون أن البدائل الحالية، سواء عبر الموانئ الشمالية أو الدول المجاورة، تعاني محدودية السعة وارتفاع الكلفة وطول الزمن، مما يجعلها غير قادرة على تعويض النقص الناتج عن تعطيل المسارات الجنوبية.

هذا وتشير المعطيات إلى أن الحصار البحري، إذا طال أمده، قد يشكل نقطة تحول خطرة في مسار الاقتصاد الإيراني، نظراً إلى اعتماده شبه الكامل على التجارة البحرية.

وبين محدودية البدائل وتصاعد الضغوط، يبقى الاقتصاد الإيراني أمام اختبار صعب، تتحدد نتائجه بمدى قدرة البلاد على التكيف مع واقع اقتصادي أكثر انغلاقاً وتعقيداً.

هل تستطيع إيران إدارة الأزمة؟

يستهدف الحصار البحري عملياً الشريان الحيوي للاقتصاد الإيراني، فمعظم واردات وصادرات البلاد التي تمر عبر مضيق هرمز تعرضت لاضطراب شديد، بل توقفت في بعض القطاعات بصورة شبه كاملة، وهو وضع يحمل في طياته تداعيات اقتصادية واسعة على المدى الطويل.

وفي هذا السياق، قال مدير أحد المصانع في المنطقة الصناعية بمدينة قم إن معظم المواد الأولية للإنتاج تصل عبر المسارات البحرية، ومع اندلاع الحرب، واجهت حركة السفن اضطرابات، وكنا نأمل أن تعود الأمور إلى طبيعتها بعد توقف القتال، لكن حالياً ، لم يعد بالإمكان حتى تحميل البضائع من بلد المنشأ، بسبب مخاوف الشركاء الأجانب من عدم السماح للسفن بدخول المياه الإيرانية، مما أدى عملياً إلى توقف المصنع.

وأضاف أن الأزمة لا تقتصر على منشآته، بل تشمل شريحة واسعة من المصانع المعتمدة على الاستيراد، مشيراً إلى أن كثيراً منها أغلق بالفعل، أو سيغلق قريباً إذا استمر الحصار، وهو ما قد يؤدي إلى موجة بطالة واسعة.

تصاعد البطالة وضغوط السوق

منذ بداية الحرب الأخيرة، توالت التقارير عن إغلاق ورش ومؤسسات وتسريح عمال، كما فقد كثير وظائفهم نتيجة الانقطاع الكامل للإنترنت. وتشير بيانات رسمية إلى تصاعد موجة البطالة وتقليص العمالة في البلاد.

ويرى محللو الاقتصاد أن الحصار يمثل صدمة شديدة للاقتصاد الإيراني، موضحين أن أولى نتائجه قصيرة المدى ستكون الضغط الكبير على سوق العملات الأجنبية، مما سينعكس سريعاً في ارتفاع سعر الصرف وصعوبة استيراد السلع.

وتشير تقديرات تحليلية إلى أن الحصار البحري في مضيق هرمز قد يؤدي إلى خسارة يومية تبلغ نحو 276 مليون دولار من عائدات الصادرات، بالتوازي مع تعطيل واردات تقدر بنحو 159 مليون دولار يومياً، ويحتمل أن يعني استمرار الحصار استمرار حال الصراع، نظراً إلى استبعاد قبول إيران بفتح المضيق في ظل حصار مستمر.

أخطار طويلة الأمد على قطاع الطاقة

إن المخاوف الأكبر ترتبط بالآثار بعيدة المدى، إذ قد تضطر إيران إلى خفض إنتاج النفط أو إغلاق بعض الآبار، وهو ما قد يؤثر في القدرة الإنتاجية لبعض الحقول إذا طال أمده.

ويحذر المتخصصون من أن استمرار الأزمة سيضع الحكومة والقطاع الخاص أمام قيود حادة في تأمين الحاجات الأساسية، مع احتمال تآكل الاحتياطات الاستراتيجية تدرجاً.

 وأضافوا أن سوق المواد الغذائية يعاني بالفعل تضخماً مرتفعاً، وقد يؤدي استمرار الحصار إلى تضخم ثلاثي الأرقام أو حتى تضخم مفرط، وربما نقص في بعض السلع الأساسية، وفي أسوأ السيناريوهات احتمال حدوث مجاعة.

تداعيات بعيدة المدى: هل يصل الاقتصاد إلى الانهيار؟

شهد الاقتصاد الإيراني خلال العقود الماضية أزمات متكررة، من نظام التقنين خلال الحرب مع العراق إلى موجات التضخم الحادة في العقد الماضي، إلا أن عدداً من المختصين يرون أن الأزمة الحالية، إذا استمرت، قد تكون أكثر تعقيداً وعمقاً من سابقاتها.

ويذهب بعض المحللين إلى طرح سيناريو "الانهيار الاقتصادي"، حيث يؤدي تزامن التضخم المفرط مع اضطرابات الإمدادات وركود عميق إلى إضعاف البنية الاقتصادية بصورة خطرة.

في هذا الإطار، يوضح محللو الاقتصاد أن التجارة البحرية تمثل العمود الفقري للتجارة العالمية، وأن أي خلل فيها يخلف آثاراً واسعة، ويشير إلى أن أولى النتائج تتمثل في تراجع الصادرات وانخفاض الإيرادات من العملات الأجنبية، وهو ما يزعزع استقرار سوق الصرف ويدفع نحو ارتفاع قيمة العملات الأجنبية، مما ينعكس بدوره في زيادة أسعار السلع المستوردة وتصاعد التضخم.

اضطراب سلاسل الإمداد وتفاقم الركود

لا تقتصر تداعيات الحصار على التجارة الخارجية، بل تمتد إلى الداخل، حيث يؤدي تعطيل سلاسل الإمداد إلى إضعاف الإنتاج، فكثير من الصناعات تعتمد على استيراد المواد الخام والمكونات والتكنولوجيا، مما يعني أن تقليص الواردات سيؤدي إلى انخفاض الإنتاج، وزيادة البطالة، وتعميق الركود. وبذلك، لا يقتصر تأثير الحصار في التجارة، بل يهدد أيضاً البنية الإنتاجية للاقتصاد.

اقرأ المزيد