ملخص
ترى المصادر أن هجوم "الدعم السريع" في فبراير الماضي على بادية مستريحة، المعقل التاريخي لقبيلة المحاميد وزعيمها موسى هلال، كان دافعاً مباشراً لانفجار الخلافات الداخلية والتعجيل بالانشقاقات التي ضربت "الدعم السريع".
ورأت قيادات ميدانية بارزة من أبناء القبيلة التي تشكل عمود "الدعم السريع"، الهجوم تجاوزاً خطراً للتحالفات القبلية التي بنيت عليها تلك القوات.
لم يكد يمضي أسبوع على انشقاق اللواء النور أحمد آدم الشهير بـ"النور القبة" أحد أبرز قادة "الدعم السريع" المؤسسين وقائد معارك الفاشر، وانضمامه إلى الجيش السوداني، حتى لحق به قائد ميداني بارز آخر هو العميد علي رزق الله، المعروف بـ"السافنا"، في مؤشر إلى استمرار التصدعات داخل "الدعم السريع"، فهل اقتربت مرحلة الخطر ونقطة اللاعودة بعدما خسر "الدعم السريع" كثيراً من جنرالاته من القيادات الميدانية، سواء بالموت والاستهداف أو الانشقاقات المتوالية؟
ترحيب وإعدام
في مقابل ترحيب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، أثار انشقاق "القبة" غضب قائد "الدعم السريع"، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وأصدر قراراً يقضي بتجريده من رتبته العسكرية، تبعه حكم قضائي غيابي بالإعدام في حقه بتهمة "الانضمام لجيش العدو".
وفي أول ظهور له في رتبة اللواء بزي الجيش السوداني، التقى البرهان، أمس الأحد للمرة الثانية باللواء "النور القبة"، بحضور رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية، الفريق الركن محمد علي أحمد صبير، لمناقشة الأوضاع والتطورات العسكرية الميدانية.
وكان القائد المنشق حديثاً "السافنا" قد وجه في وقت سابق انتقادات حادة لقيادة "الدعم السريع"، ولوح أكثر من مرة بإمكان الانسلاخ بسبب ما وصفه بتدهور الأوضاع الداخلية وغياب العدالة في توزيع القيادة والموارد.
وينتمي "السافنا" أيضاً إلى قبيلة المحاميد، أحد الفروع الرئيسة لقبيلة الرزيقات ذات الأصول العربية في دارفور، التي يقودها الزعيم القبلي موسى هلال، القائد السابق لقوات حرس الحدود، النواة الأولى التي تحولت لاحقاً إلى قوات "الدعم السريع".
وقاد العميد "السافنا" معارك العاصمة الخرطوم في الأشهر الأولى من الحرب، قبل أن ينتقل لقيادة محور كردفان، ويتمكن من السيطرة على مدينة النهود عاصمة ولاية غرب كردفان وعدد من المناطق في الإقليم.
تململ واستياء
وكشفت مصادر ميدانية عن تزايد حالات التململ والاستياء وسط عدد من المكونات القبلية لقوات "الدعم السريع"، قادت أيضاً إلى انشقاق عناصر أخرى من قبيلة الحوازمة، ملمحاً إلى انشقاقات أخرى وسط تلك القوات بخاصة بعد مهاجمة "الدعم السريع" بادية مستريحة، معقل قبيلة المحاميد التي يتزعمها الشيخ موسى هلال.
وعن تكتم الجيش في شأن انسلاخ "السافنا"، أشار المصدر إلى أن هناك ترتيبات استخباراتية تجري مثلما حدث خلال الأيام التي سبقت مغادرة النور القبة لمناطق سيطرة قوات "الدعم السريع" بشمال دارفور ووصوله إلى مناطق الجيش.
هجوم مستريحة
ترى المصادر أن هجوم "الدعم السريع" في فبراير (شباط) الماضي على بادية مستريحة، المعقل التاريخي لقبيلة المحاميد وزعيمها موسى هلال، كان دافعاً مباشراً لانفجار الخلافات الداخلية والتعجيل بالانشقاقات التي ضربت "الدعم السريع" ورأت قيادات ميدانية بارزة من أبناء القبيلة التي تشكل عمود "الدعم السريع"، الهجوم تجاوزاً خطراً للتحالفات القبلية التي بنيت عليها تلك القوات.
وكان القائد المنشق النور القبة قد رفض الأوامر العسكرية بمهاجمة أهله في مستريحة، مما دفعه إلى الانشقاق مع قواته والانضمام للجيش منتصف هذا الشهر.
وأثار الهجوم وما تبعه من قتل وتصفيه لاثنين من أبناء زعيم القبيلة ونهب وتدمير الممتلكات، غضب القادة من أبناء المحاميد داخل "الدعم السريع" واعتبروه غدراً ببيت الزعامة القبلية، كذلك اتهموا القائد لثاني لـ"الدعم السريع" عبدالرحيم دقلو بزرع الفتنة داخل القبيلة والسعي إلى تنصيب قيادات بديلة تدين بالولاء لآل دقلو بدلاً من الزعيم الحالي (موسى هلال).
احتقان وتهميش
وتشير قيادات أهلية إلى أن الانشقاقات المتتالية جاءت تعبيراً عن حال الاحتقان الداخلي وتراجع الروح المعنوية داخل صفوف تلك القوات، بسبب التهميش والتمييز القبلي في صفوفها، في وقت ما زال الجيش يجري اتصالات وتفاهمات مع قادة ميدانيين بصفوف "الدعم السريع"، يتوقع أن تفضي إلى مزيد من الانشقاقات المشابهة خلال الفترة المقبلة.
وتربط تقارير عدة هذه الانشقاقات بخلافات وتوترات داخلية تعود إلى طبيعة التكوين الداخلي والتركيبة القبلية الهشة لقوات "الدعم السريع" التي لا تخلو من تناقضات، مما يجعلها أكثر قابلية للصراعات والانقسامات في ظل الضغوط الميدانية والسياسية التي تتعرض لها خلال الفترة الأخيرة، مع توسع ظاهرة الاستجابة لنداء العفو العام المفتوح الذي أطلقته قيادة الجيش السوداني.
معنوي وميداني
في السياق يرى المراقب العسكري، عبدالمجيد نورين، أن انشقاق كل من القائدين "القبة" و"السافنا" من "الدعم السريع"، إضافة إلى الانتكاسة المعنوية الكبيرة التي أحدثها داخل تلك القوات، من المنتظر أن تكون لهما تأثيرات عملية في الموقف العسكري وخريطة السيطرة الميدانية نتيجة الفراغ الذي يخلقه في قيادة المحاور الغربية، كذلك النفوذ القبلي الكبير الذي يتمتع به القائدان المنشقان في ولاية شمال دارفور، سينعكس أيضاً على عمليات الاستنفار والتجنيد والانتشار.
يرى نورين أن الانشقاقات غير بعيدة بأي حال عن التحولات في مواقف الحواضن الاجتماعية التي تمثل عصب قوات "الدعم السريع"، بخاصة بعد الهجوم العنيف الذي شنته على بادية مستريحة، معقل قبيلة المحاميد الذين يشكلون عصب تلك القوات.
يعتقد المراقب أن الجيش السوداني وحلفاءه سيحاولون من جانبهم استثمار هذا الانشقاق لتعزيز موقفهم العسكري في جبهات عدة، في ظل احتمالات انكشاف بعض المواقع أو إعادة توزيع النفوذ الميداني، إذ باتت الفرصة مواتية لهم لفتح ثغرات في دفاعات "الدعم السريع" حول الفاشر وتخفيف الضغط على مدينة الأبيض، مما يسرع من وتيرة تقدمهم في دارفور وكردفان.
شروخ وتوسع
على نحو متصل يرى الباحث الأمني والسياسي، أبو بكر مصطفى، أنه من المبكر الحديث عن الانهيار السريع التام لقوات "الدعم السريع"، لكن المؤكد أنها تعيش أوقاتاً عصيبة خشية تمدد وتوسع تلك الانشقاقات التي تمثل مؤشراً سلبياً سيقود إلى إضعاف الأداء العسكري ويفتح الباب أمام مزيد من الانسلاخات واتساع دائرتها.
يوضح مصطفى أن المرحلة الحرجة التي تمر بها "الدعم السريع" قد لا تعني النهاية الفورية لها، لكنها تصنع شروخاً قابلة للتوسع بتنامي وانتقال الانشقاقات من الأفراد إلى الوحدات القتالية الكاملة، بخاصة مع ظهور بوادر للاقتتال الداخلي وبدء فقدان السيطرة على عناصرها، مما قد يدفع بها إلى التحول من قوة هجومية إلى قوة دفاعية حتى تتمكن من المحافظة على تماسكها، كذلك قد تضطر إلى إعادة ترتيب صفوفها بالتخلص من العناصر غير الموثوق بها في وسطها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مرحلة الخطر
يتوقع الباحث أن تؤدي التصدعات المتتالية إلى الاضمحلال التدريجي لنفوذ وسيطرة قوات "الدعم السريع"، بينما تمنح الجيش فرصة ذهبية لاستغلال هذه الظروف واتباع استراتيجية ضغط عسكري، من شأنه أن يوسع هوة الانشقاقات ويخرجها عن سيطرة قيادة "الدعم السريع".
يلخص مصطفى حديثه بأن قوات "الدعم السريع" لم تصل بعد إلى مرحلة الانهيار التام، "لكنها بدأت تقترب بشدة من مرحلة الخطر من خلال الاستنزاف والتآكل الداخلي والتفكك المرحلي، إذ ما زالت الانشقاقات مستمرة على مستوى القادة الميدانيين من القيادات الوسيطة، إلى جانب المجموعات القبلية والمحلية، لكن قد تنفجر الأوضاع أكثر في حال وصول تلك الانشقاقات إلى القيادة العليا وملامستها للعمود الفقري لتلك القوات".
يشير الباحث إلى أن من العوامل التي ما زالت تبقي قوات "الدعم السريع" قائمة هي التماسك النسبي للقيادة العائلية المركزية الموجودة، لكن مع تراجع التمويل والإمداد واستمرار الضغط العسكري الشديد من قبل الجيش، قد تجد قوات "الدعم السريع" نفسها أمام مزيد من التفكك والانشقاقات التي قد تضعها على حافة الانهيار الفعلي.
عفو وتصالح
من جانبه وصف المتحدث السابق باسم الجيش، الصوارمي خالد سعد، ما يحدث من انشقاقات داخل "الدعم السريع"، بأنه "استسلام وتوبة"، مطالباً الحكومة أن "تهيئ نفسها لعودة هؤلاء المستسلمين التائبين، وتعد العدة الكاملة لتحديد وصفهم العسكري والقانوني والشعبي، وإلا فإن الوضع القادم سيكون أسوأ".
أضاف سعد في منشور على "فيسبوك": "قلنا ونقول إن جميعهم سيعودون أدراجهم للجيش السوداني الذي سيحرر كل دارفور ويدخلها سلماً لا حرباً"، منوهاً بأن مبادرة "العفو والتصالح" للحرب النفسية تواصل نجاحها في تفكيك أوصال قوات "الدعم السريع" بعودة القائد "السافنا".
خسائر وانشقاقات
ومنذ اندلاع حرب السودان منتصف أبريل (نيسان) 2023 وحتى اليوم، خسرت قوات "الدعم السريع" العشرات من قادتها الميدانيين، سواء بالاستهداف المباشر أو الموت في المعارك والغارات الجوية أو عبر سلسلة من الانشقاقات المتكررة.
إضافة إلى الانشقاقات وسط قادة عسكريين ومؤثرين بعضهم من مؤسسي قوات "الدعم السريع"، مثل اللواء النور أحمد آدم "النور القبة"، في أبريل الجاري، سبقه اللواء أبو عاقلة كيكل الذي انشق في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 وأعلن انضمامه للجيش بمنطقة جبال الأبايتور بسهل البطانة بولاية الجزيرة وسط السودان، وانشقاق العميد "السافنا" وعدد من القادة الآخرين والمستشارين الذين انضموا للجيش من منسوبي مجلس الصحوة الثوري الذي يقوده "زعيم المحاميد" موسى هلال.
خسارة الجنرالات
وضمن عملية الاستنزاف التي يقودها الجيش ضد قادة "الدعم السريع" لقي عشرات القادة الميدانيين حتفهم خلال عمليات ميدانية أو بالاستهداف المباشر في مناطق مختلفة، بخاصة في محاور دارفور (الفاشر) وكردفان والجزيرة، أبرزهم اللواء علي يعقوب جبريل، قائد قطاع وسط دارفور، الذي قتل في معارك الفاشر في يونيو (حزيران) 2024، ولقي قائد قطاع ولاية سنار، عبدالرحمن البيشي حتفه في غارة جوية في يوليو (تموز) 2024، وأودى قصف بطائرة مسيرة عام 2025 بحياة القائد رحمة مهدي الشهير بـ"جلحة"، مع شقيقه ومجموعة من أخرى القادة بينهم الطاهر جاه الله والسليك محمد عمر عيساوي.
كذلك قتل عدد آخر من القادة الميدانيين ممن يحملون لقب "الجنرال" أثناء المعارك والعمليات العسكرية، على رأسهم ماكن الصادق، قائد المجموعة 36، في معارك منطقة كازقيل شمال كردفان، وحامد أبو بكر قائد متحرك السيف الباتر، ومستشار قائد "الدعم السريع"، الذي قتل في غارة جوية بدارفور، إلى جانب محمد التك قائد المجموعة 13 في محور الدلنج جنوب كردفان، فضلاً عن كل من إسماعيل الفيل والتاج فولنج وزنقة وشيريا.
وسبق أن اندلعت اشتباكات بين القوات المنشقة (التي انضمت لهلال) وقوات أخرى تابعة لـ"الدعم السريع" (مجموعة علي يعقوب) في منطقة القرى، حيث تمكنت القوات المنشقة من دحرهم والسيطرة على مركباتهم.