Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خوارزميات الموت... كيف غير الذكاء الاصطناعي قواعد الاشتباك؟

بينما تراهن بعض الدول على دقة الخوارزميات يرى متخصصون أن تفويض التكنولوجيا لاتخاذ قرارات القتال يفتح الباب أمام فداحة الأخطاء البشرية التي لا تجد من يتحمل تبعاتها

تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى عنصر محوري في إدارة العمليات العسكرية خلال الحروب (رويترز)

ملخص

أصبح الذكاء الاصطناعي سلاحاً فتاكاً في الميادين العسكرية، نظراً إلى كون المعلومة تمثل عصب الحرب، والقدرة على تحليل هذا الكم الهائل من البيانات بصورة لحظية تمنح تفوقاً استراتيجياً لا يمكن إغفاله. فماذا فعل الذكاء الاصطناعي بواقع الحروب؟

لم تعد ساحات المعارك تدار بقرارات القادة الميدانيين وحدهم، فقد تسللت الخوارزميات إلى غرف العمليات لتصبح شريكاً في تحديد الأهداف ومسارات الاستهداف، ومنذ أن دخلت التكنولوجيا قلب الصراعات تحوّلت الحرب من مواجهة تعتمد الكفاءة القتالية البشرية إلى صراع تقني تتسابق فيه الدول لامتلاك التفوق الرقمي، وتطويع الذكاء الاصطناعي ليكون سلاحاً يحسم النزاعات في أجزاء من الثانية.

وفي وقت تروّج الجيوش مفاهيم القتل الذكي بديلاً يقلص الخسائر ويمنح دقة أكبر، كشف الواقع الميداني وجهاً آخر للصورة، بعد أن تحولت مناطق مثل قطاع غزة إلى مختبرات مفتوحة لاختبار تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وسط تحذيرات من أن هذه الأدوات التي لا تزال تفتقر إلى الدقة الميدانية.

وفتح هذا التحول الذي يمتد من التنبؤ بمسارات الحرب وصولاً إلى قرار الضغط على الزناد الباب أمام تحديات عدة، ومنها معضلة التهرب من المسؤولية الأخلاقية عن الأخطاء الكارثية، ومع استمرار الاحتكار التقني الذي بات يوازي في أثره الاستراتيجي، وفق تصور عدد من المتخصصين الذين تحدثنا معهم، امتلاك السلاح النووي، برز السؤال الملحّ: هل نحن أمام صياغة جديدة لقواعد الحرب؟ أم أننا نمنح الآلة صكاً مفتوحاً لتقرر مصائر البشر بمعزل عن أي قرار إنساني؟

تطبيقات للحروب

يقول خبير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي رامي المليجي إن الذكاء الاصطناعي تحوّل إلى عنصر محوري في إدارة العمليات العسكرية. مستشهداً بما شهدته غزة والحرب الإيرانية، وموضحاً أن إسرائيل استخدمت هذه التقنيات لدعم روايتها حول التفوق المطلق والترويج لمفهوم القتل الرحيم، عبر الادعاء بأن أنظمتها تستهدف المطلوبين بدقة بعيداً من المدنيين.

ويبين المليجي، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن الواقع الميداني يختلف عن هذه الدعاية، إذ اعتمدت إسرائيل على أعوام من جمع البيانات عبر الطائرات المسيّرة وتقنيات التعرف على الوجوه واختراق أبراج الاتصالات، لبناء بصمة رقمية لكل مواطن في غزة والضفة وتصنيفهم خوارزمياً، وفق حديثه، وضمن هذا المسار استخدمت إسرائيل تطبيقات ميدانية متخصصة، منها تطبيق "لافندر" للتعرف إلى الشخصيات وبناء ملفات تعريفية، وتطبيق "ويرز دادي" لمراقبة الشخصية المستهدفة ورصد لحظة وصولها إلى المنزل لضمان دقة الاستهداف.

ويرى المليجي أن هذه التقنيات حولت غزة إلى حقل تجارب لشركات الذكاء الاصطناعي. مشدداً على أن الشركات المنتجة نفسها أقرّت بأنها لم تصل بعد إلى الدقة المطلوبة، مما يفسّر الفشل في الوصول إلى غالبية الرهائن على رغم توظيف هذه الأدوات.

 

أمّا عن الدور الأميركي فيشير المليجي إلى أن واشنطن وظّفت الذكاء الاصطناعي في مسارين هما رسم سيناريوهات الحرب، وتحديد الشخصيات المطلوبة. مستشهداً بتطبيق "مافين سمارت" الذي مكّن القوات الأميركية، وفقاً للمعلومات المعلنة، من تحديد أماكن أكثر من 100 شخصية خلال الساعات الأولى من الحرب، وهو ما قلّص الزمن اللازم لعمليات الاستهداف بصورة غير مسبوقة، وإن كانت هذه التقنيات لم تمنع وقوع مفاجآت ميدانية واجهت واشنطن خلال الحرب.

ويختم المليجي حديثه بالإشارة إلى الصدام الأخلاقي بين شركات التكنولوجيا والبنتاغون، تحديداً مع شركة "أنثروبيك" التي رفضت مطالب وزارة الدفاع الأميركية بالميكنة الكاملة لعمليات الاستهداف، بما في ذلك منح الآلة صلاحية اتخاذ قرار إطلاق النار. موضحاً أن الشركة اعترضت بسبب مخاوف من السعي إلى التهرب من المسؤولية الأخلاقية، وتمسّكت بضرورة وجود قرار بشري خشية الوقوع في أخطاء كارثية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عندما تدير الآلة

أما خبير تكنولوجيا المعلومات محمد الحارثي فيشير إلى الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار، ووضع المخططات وإدارة العمليات العسكرية، موضحاً أن الدول تسعى حالياً إلى تطوير نماذج تقنية خاصة بها تخدم مهماتها الميدانية، معتقداً أن الطائرات المسيّرة تعد العنصر الأكثر حيوية في هذا التوجه، إذ تعتمد منظومات قادرة على نقل البيانات وتحليلها لحظياً مع إمكان تعديل مسارها أو سرعتها آلياً لضمان إصابة الأهداف، لافتاً إلى أن عمل نماذج الذكاء الاصطناعي يمتد إلى ما بعد العمليات العسكرية، إذ تستخدم في تحليل مجريات المواجهات وتقييم قدرة الطرف الآخر على الصمود، ووضع سيناريوهات لمستقبل الصراع.

وبحسب تصوّره فإن فترات الهدنة في النزاعات لا تعني توقف هذا النشاط التقني، إذ يواصل الذكاء الاصطناعي عمله في تحديد المسارات المستقبلية، مضيفاً أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تدخل مرحلة ما قبل العمليات العسكرية لتضع التوصيات والسيناريوهات التي تهدف إلى حسم العمليات، مؤكداً أن التنافس على الاحتكار التقني يظل هو الحرب المستعرة بين الدول المتقدمة، بمعزل عن أي هدن سياسية أو عسكرية.

ويرى خبير تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي إسلام ثروت أن أجهزة الاستخبارات باتت تعتمد بصورة جذرية على معالجة البيانات الضخمة وتحليلها باستخدام خوارزميات معقدة، تعمل على الربط بين المعلومات وتقديم نتائج فورية تساعد متخذي القرار. مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي دخل بقوة ضمن بناء السيناريوهات الافتراضية والتنبؤ بجدوى التحركات العسكرية، ومشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي تحوّل إلى سلاح فتاك في الميادين العسكرية نظراً إلى كون المعلومة تمثل عصب الحرب، والقدرة على تحليل هذا الكم الهائل من البيانات بصورة لحظية تمنح تفوقاً استراتيجياً لا يمكن إغفاله.

 

ويلفت ثروت إلى التطور في تقنيات الطائرات المسيرة التي باتت قادرة على اتخاذ قرارات ميدانية والتحرك للتعرف إلى أهدافها ذاتياً، مشدداً على أن الحروب الأخيرة كشفت عن نمط تقني غير مسبوق خلال الـ 20 عاماً الماضية، حين تغلغل الذكاء الاصطناعي حتى في العمليات السيبرانية، هو ما بدا واضحاً في الاختراقات التي طاولت دولاً متقدمة في الأمن السيبراني مثل إسرائيل، ويخلص إلى أن خريطة الصراعات تغيرت فأصبحت الهيمنة لمن يملك التقنية أو يحصل على دعم تقني من دول حليفة، في سباق محموم وشرس لتطويع التكنولوجيا في النزاعات المسلحة.

خبير تكنولوجيا المعلومات يسري زكي يطرح جانباً آخر يتعلق بأخطار الأخطاء التقنية. مشيراً إلى أن التوسّع المستمر في استخدام الذكاء الاصطناعي خلال الحروب، بخاصة مع التوجه نحو تقليص أو إلغاء العنصر البشري في اتخاذ القرار، قد يؤدي إلى كوارث إنسانية، لافتاً إلى وجود تجاوزات في إدارة البيانات، إذ تُجمع معلومات المستخدمين وتُوجه لجهات عسكرية من دون الحصول على إذن مسبق، مبيناً أن الذكاء الاصطناعي يعتمد في جوهره على التعلم من البيانات الضخمة لإجراء محاكاة للحلول، إذ تتعدد أدوار هذه التقنية وفق مراحل الصراع، فخلال مرحلة ما قبل الحرب توظف لخدمة الأنشطة الاستخباراتية، وفي المعارك تستخدم ضمن العمليات العسكرية المباشرة، بينما تخصص في مرحلة ما بعد الحرب لعمليات التقييم والتحليل.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير