Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لبنان تحت وطأة ذكريات 1975 وشبح الحرب الأهلية

الانقسامات الداخلية على أشدها بين لوم "حزب الله" على التورط بالحرب واتهام جمهوره الحكومة اللبنانية بـ"الخيانة"

علم إيراني مرفوع أمام مبنى مدمراً في الضاحية الجنوبية لبيروت، في 20 أبريل الحالي (أ ب)

ملخص

عندما أطلق "حزب الله" النار على إسرائيل خلال الثاني من مارس الماضي دعماً لإيران، حمله بعض اللبنانيين مسؤولية جر البلاد إلى صراع جديد. كما حمل بعضهم الآخر الشيعة على نطاق أوسع، الذين يستمد منهم "حزب الله" دعمه الشعبي، المسؤولية أيضاً.
في غضون ذلك، انتقد القسم الأكبر من الشيعة الذين تحملوا وطأة الحروب مع إسرائيل ويرون في "حزب الله" ملاذهم الوحيد، الدولة لتقصيرها في حمايتهم. وقال عدد منهم من الذين نزحوا جراء الغارات الإسرائيلية لوكالة "رويترز" إنهم ‌يعدون كبار المسؤولين اللبنانيين "خونة".

غزو إسرائيلي لجنوب لبنان وقصف في بيروت ونزوح جماعي وتصاعد التوترات الطائفية خلال عام 2026، لكن بالنسبة إلى من عاصروا الحرب الأهلية اللبنانية قبل خمسة عقود، يبدو الأمر وكأنه سبعينيات القرن الماضي من جديد.
قال لبنانيون قاتلوا في الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين عامي 1975 و1990 أو وثقوها كصحافيين لوكالة "رويترز" إنهم يشعرون بأصداء التوتر والعنف الطائفي الذي شهدوه آنذاك، ​ويرون خطر تجدد القتال بين اللبنانيين.
وأدت الحرب الأخيرة التي اندلعت خلال الثاني من مارس (آذار) الماضي، بين إسرائيل و"حزب الله" إلى تعميق العداء بين الجماعة المدعومة من إيران ومعارضيها المحليين، مما دفع الدولة والمجتمع اللبناني الهش إلى حافة الانهيار.
ويهدف وقف إطلاق النار الموقت إلى إتاحة المجال لمفاوضات السلام بين لبنان وإسرائيل، إذ تستضيف الولايات المتحدة جولة ثانية من المحادثات غداً الخميس، إلا أن هذا الأمر يعمق أيضاً الخلاف بين الحكومة و"حزب الله"، المعارض بشدة لهذه المفاوضات.

مقاتل سابق: "لا تكرروا تجربتنا"

اندلعت الحرب الأهلية في لبنان خلال أبريل (نيسان) 1975 عندما تصاعدت التوترات الطائفية والاقتصادية وتحولت إلى اشتباكات بين مسلحين مسيحيين ومقاتلين فلسطينيين، ثم امتدت لتشمل مناطق ودولاً أخرى.
في ذلك الوقت، نزح نحو مليون شخص من ديارهم، وهو رقم تجاوزه الصراع الأخير الذي بلغ عدد النازحين فيه 1.2 مليون شخص. وأصبحت بيروت ساحة معركة وغزت إسرائيل لبنان عام 1978، واحتلت شريطاً من جنوب لبنان مشابهاً للأراضي التي أعادت احتلالها خلال الآونة الأخيرة. وفي الفترة بين عامي 1976 و2005 نشرت سوريا قواتٍ في لبنان، وهي فكرة طرحت على دمشق العام الماضي.
وبشيء من المشقة لضعف النظر، قرأ "زياد ‌صعب" البالغ من ‌العمر 68 سنة رسالة مكتوبة بخط اليد تلقاها خلال عام 1981 من صديق له على خط المواجهة، تسرد تفاصيل القصف ​الإسرائيلي ‌على بعض ⁠القرى الجنوبية نفسها ​التي ⁠ضربتها إسرائيل في الآونة الأخيرة. وقال صعب إن هذه الرسالة يمكن أن تكتب اليوم.
قاتل صعب إلى جانب الحزب الشيوعي اللبناني في وقت الحرب الأهلية، ويرأس الآن منظمة "محاربون من أجل السلام" التي أسسها مقاتلون سابقون.
وقال صعب إن "الانقسامات الداخلية التي كانت أساس الحرب الأهلية في لبنان لم تبلغ أبداً مرحلة المصالحة"، وحذر اللبنانيين من الانقلاب ضد بعضهم بعضاً.
وأضاف أن "هذه الحرب لم تنتقل إلى مكان آخر، على رغم الاتفاقات التي حصلت ومن ضمنها اتفاق الطائف. لكن الحقيقة أن حال الحرب استمرت. الشعور إنها ما زالت قائمة مستمر. والسبب في ذلك أنه لم يُتوصل إلى حل حقيقي، لم تتم مصالحة حقيقية"، بين اللبنانيين.

 

وقال صعب لـ"رويترز" في منزله ببيروت "وجهنا نداءً جديداً للسلطات السياسية المختلفة وللشباب اللبناني، نقول فيه إننا نحن من حمل السلاح أول مرة، فلا تكرروا تجربتنا، لأنكم ستتفاجأون إلى أين ستأخذكم الحرب. وهو مكان يعاكس تماماً المكان الذي تعتقدون أنتم بأنكم ذاهبون إليه. نحن حطمنا البلد ومزقناه، كل منا حاول شد اللحاف باتجاهه، فتمزق اللحاف وراح الغطاء".
وبالنسبة إلى صعب، فإن قصف ‌الثامن من أبريل الماضي، عندما أسفرت ضربات إسرائيلية خاطفة في جميع أنحاء لبنان عن مقتل أكثر من 300 شخص، قال "تقريباً ‌استعاد الجميع كل مشهد الحرب الأهلية بثوان".

الصراعات الحديثة تدفع الانقسامات إلى السطح

تأسس "حزب الله" عام 1982 ​في ذروة الحرب الأهلية، وكان الحزب الوحيد الذي احتفظ بالسلاح بعد انتهاء الحرب. وبعد انسحاب ‌إسرائيل عام 2000، وسعت الجماعة ترسانتها وعززت نفوذها في الحكومة اللبنانية. واندلعت اشتباكات داخلية في عامي 2008 و2021.
لكن بعد حرب 2024 مع إسرائيل التي أضعفت الحزب بشدة، ‌تعهدت حكومة لبنانية جديدة مدعومة من الولايات المتحدة بنزع سلاح الجماعة.
وبدأت القوات الحكومية اللبنانية بمصادرة أسلحة "حزب الله" تدريجاً، خشية حدوث مواجهة إذا استولت على ترسانة الحزب بالقوة.
وعندما أطلق "حزب الله" النار على إسرائيل خلال الثاني من مارس الماضي، دعماً لإيران، حمله بعض اللبنانيين مسؤولية جر البلاد إلى صراع جديد، وحمل بعضهم الآخر الشيعة على نطاق أوسع، الذين يستمد منهم "حزب الله" دعمه الشعبي، المسؤولية أيضاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في غضون ذلك، انتقد القسم الأكبر من الشيعة الذين تحملوا وطأة الحروب مع إسرائيل ويرون في "حزب الله" ملاذهم الوحيد، الدولة لتقصيرها في حمايتهم. وقال عدد منهم من الذين نزحوا جراء الغارات الإسرائيلية لوكالة "رويترز" إنهم ‌يعدون كبار المسؤولين اللبنانيين "خونة".
وقال المصور اللبناني باتريك باز إن الانقسامات بين الشباب اللبناني جعلت من الممكن نشوب صراع داخلي جديد، مستشهداً بمشاهد لمسلحين مسيحيين يطلقون النار في الهواء خلال جنازة ناشط سياسي ينتمي إلى حزب "القوات اللبنانية"، قُتل إثر ⁠غارة إسرائيلية استهدفت عنصراً في "حزب الله" هذا الشهر.
ولجأ باز، الذي صقل ⁠مهاراته في التصوير مع اندلاع الحرب الأهلية وقضى أعواماً في توثيق ويلاتها، إلى الاستدلال بالجامعات، معتبراً إياها نموذجاً مصغراً يعكس التوترات السياسية الكبرى، إذ تتحول المشاحنات الطلابية بداخلها إلى مرآة صادقة للانقسامات التي يعيشها المجتمع.
وقال "أنا متأكد من أنك إذا ذهبت إلى الجامعات اليوم وطلبت منهم حمل الأسلحة وإطلاق النار على خصومهم السياسيين أو أي شخص لا يعجبهم، فسيفعلون ذلك".

اتفاق وقف إطلاق النار "وصفة للمواجهة"

جاء الإعلان عن وقف موقت لإطلاق النار الأسبوع الماضي ليمنح ارتياحاً منتظراً بعد أكثر من خمسة أسابيع من الغارات الإسرائيلية التي أودت بحياة ما يقارب 2300 شخص.
لكن الاتفاق يترك قضايا جوهرية دون حل. فهو لا يلزم القوات الإسرائيلية بالانسحاب من لبنان، ولا يطالب صراحة بنزع سلاح "حزب الله". كما أنه يمهد الطريق أمام بيروت لإجراء محادثات سلام مع إسرائيل، وهو ما يلقى معارضة شديدة من بعض اللبنانيين من مختلف الطوائف.
ووصف دبلوماسي يعمل في لبنان نص الاتفاق بأنه "وصفة مفصلة للمواجهة الداخلية".
قال رفيق بازرجي وهو شخصية بارزة في جماعة مسيحية لبنانية مسلحة شاركت في الحرب الأهلية، إن الاتفاقات التي لا تستند إلى "أساس جيد" محكوم عليها بإعادة إشعال التوترات، مستشهداً بـ"اتفاق الطائف" الذي أنهى الحرب الأهلية ولكنه لم ينفذ بالكامل، وخطة الحكومة غير المكتملة لنزع سلاح "حزب الله".
يمتلك بازرجي الآن دار ضيافة في الجبال جنوب شرقي بيروت ويرأس رابطة اللاتين في لبنان، التي تمثل المسيحيين اللاتين، وهي إحدى الطوائف الدينية العديدة في البلاد.
وقام بتعليم ابنيه البالغين الرماية، ويرى جيلاً شاباً قادراً على حمل السلاح.
وقال لـ"رويترز"، "نحن كنا في أيامنا متعصبين ومتحمسين للقتال، ونرى اليوم جيلاً جديداً مخيفاً أطول مما كنا عليه وأعرض وأقوى منا، ويتمتعون بمستوى فهم أعلى ​منا، ويفهمون المعلوماتية أكثر منا. وهم أيضاً مستعدون ألا يتنازلوا عن هذا البلد".
وأضاف أن اللبنانيين قلقون من إعادة إحياء حرب 1975-1990، التي قتل فيها نحو 150 ألف شخص، لكن الانقسامات في شأن "حزب الله" وإسرائيل وقضايا رئيسة أخرى قد تتحول إلى عنف.
وقال "كل مسألة تصل إلى خواتيمها. لكن إذا كان الأمر سيصل إلينا، فنحن لسنا مكسر عصا (أي لن نستسلم للأمر الواقع)".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات