ملخص
تنهي الحرب اللبنانية عامها الخمسين وتدخل الـ 51، وفي هذه الذكرى (13 أابريل – نيسان 1975) لا يعود السؤال الملّح هل انتهت الحرب؟ بل يتقدم عليه سؤال أشد إزعاجاً وأعمق قعراً: كيف تستمر الحرب، بصيغ أخرى، في العقول والنفوس واللغة والذاكرة؟
الحروب لا تنتهي حين تصمت البنادق، ولا حين تُوقع الاتفاقات، بل حين يعاد بناء الوعي الذي جعلها ممكنة، أو بالأحرى حين يعاد بناء الذهنية التي أنتجتها وأعادت إنتاجها، وما لم يحدث هذا البناء تبقى الحرب كامنة في بنية المجتمع العميقة، جاهزة للاستدعاء عند كل أزمة وكل اهتزاز وكل خطاب شعبوي، وكل خوف جماعي.
يمكن تسمية هذه الحال "التصفيح ضد الوعي"، وليس المقصود جهلاً بسيطاً ولا نقصاً في المعلومات، بل بنية ذهنية مغلقة محكمة الإقفال، تقاوم الشك وتمنع التصدع وتحول الرأي إلى يقين نهائي لا يقبل المراجعة.
في هذه البنية لا يعود الإنسان مستعداً لسماع ما يخالفه، ولا لقراءة ما يزعزع قناعاته، بل يكتفي بعالم واحد: شاشة واحدة، صوت واحد، جريدة واحدة، وزعيم واحد، وهنا لا تكمن المشكلة في ما نعرف بل في كيفية معرفتنا، وفي الشروط التي تُنتج هذه المعرفة وتحدد حدودها.
ذاكرة جريحة لم تتحول إلى معرفة
لم يخض لبنان تجربة عدالة انتقالية بالمعنى العميق للكلمة، إذ لم تُفتح ملفات الحرب بجرأة ولم يكشف مصير المفقودين، ولم تكتب رواية وطنية جامعة تتجاوز السرديات الطائفية، ولم يحاسب المسؤولون، وما جرى هو العفو عن جرائم الحرب وكأن العفو يكفي لطي الصفحة، والأسوأ إدماج أبطال الحرب ورموزها في الدولة، غير أن الصفحات التي لا تُقرأ لا تُطوى، بل تبقى مفتوحة في الوعي واللاوعي.
هكذا لم تتحول الذاكرة إلى معرفة بل بقيت جرحاً مفتوحاً، فكل جماعة احتفظت بسرديتها الخاصة لا بوصفها تأويلاً ممكناً بل حقيقة نهائية لا تقبل النقاش: نحن دائماً ضحايا، والآخر دائماً معتد، ومع مرور الزمن تتحول هذه السرديات والروايات إلى ما يشبه العقائد التاريخية، تُورث من جيل إلى آخر كما تُورث الأسماء والانتماءات.
الأخطر أن هذه الذاكرة غير المفككة لا تنتج معرفة بل تُنتج خوفاً، والخوف حين يستقر في أعماق النفوس لا يبحث عن الحقيقة بل عن الأمان، وهكذا يصبح الإنسان مستعداً للتخلي عن حريته في مقابل الطمأنينة، وعن نقده في مقابل الحماية، وعن الحقيقة في مقابل السردية التي تمنحه شعوراً بالاستقرار، وبحسب هذا المعنى لا يعود "التصفيح ضد الوعي" خياراً واعياً، بل يتحول إلى آلية دفاع نفسي وضرورة وجودية في نظر صاحبه.
الهوية التي تسبق الفرد وتبتلعه
في الدولة الحديثة يُفترض أن يكون الفرد هو الأصل وأن تكون الانتماءات الأخرى لاحقة عليه واختيارية، أما في لبنان فالهوية الطائفية لا تسبق الفرد وحسب، بل تصوغه وتحدده منذ ولادته، يولد الإنسان داخل تعريف جاهز، داخل شبكة انتماء مغلقة، ويُدرج سلفاً في معسكر رمزي واجتماعي، وهنا لا يكون الانتماء خياراً بل قدراً من الصعب التحرر منه، ومن يحاول الخروج عنه، ولو فكرياً، يُنظر إليه نظرة الحال الشاذة أو التهديد المبطن، ولذلك يبقى المستنيرون الخارجون على جماعاتهم وطوائفهم مجرد أفراد حالمين لا يُنشئون تياراً وطنياً وازناً عابراً الطوائف.
حين تتحول الطائفة إلى إطار شامل يغدو الزعيم أكثر من مجرد فاعل سياسي: يصبح ضامن الوجود، فالجماعة لا تشعر بالأمان إلا من خلاله، والفرد لا يرى مستقبله إلا عبره، ومن هنا نفهم لماذا يتحول نقد الزعيم إلى خيانة لا تُغتفر، ولماذا يُقابل التفكير المختلف بالارتياب أو العداء، وفي هذا السياق يغدو "التصفيح" شكلاً من أشكال الانتماء، فأن تكون منغلقاً يعني أنك منسجم، محمي، وغير مهدد بالإقصاء، أما الانفتاح فيحمل في طياته خطر العزلة وربما النبذ.
المنفعة بما هي قيد خفي على الحرية
النظام الطائفي ليس مجرد بناء رمزي بل أيضاً شبكة مصالح يومية ملموسة: وظيفة، طبابة، تعليم، تسهيلات، حماية، وفي ظل دولة ضعيفة أو غائبة تتحول هذه الشبكات إلى بديل فعلي عن مؤسسات الدولة، وهنا يُعاد تعريف "المصلحة" جذرياً: لم تعد تعني قيام دولة عادلة تساوي بين المواطنين وتسعى إلى تكافؤ الفرص بينهم، بل تعني وجود زعيم قادر على تأمين الحاجات، ولذلك لا يعود السؤال الحق: لماذا لا يثور الناس؟ بل كيف يمكن أن يثوروا على من يوفر لهم شروط بقائهم؟ وفي هذه الحال لا يكون "التصفيح ضد الوعي" مجرد اقتناع، بل يمسي ارتباطاً مصلحيا عميقاً، ومن دون تفكيك هذا البعد يبقى أي خطاب تنويري مجرد خطاب أخلاقي معلق في الهواء، لا يجد طريقه إلى الواقع.
في المجتمعات المنقسمة لا يكون الإعلام فضاء عاماً بل فسيفساء من الفضاءات المنفصلة المتصارعة، فلكل جماعة قنواتها وخطابها وأبطالها ورموزها وذاكرتها، وهكذا يعيش المواطن داخل ما يشبه "فقاعة إيديولوجية" لا يرى خارجها ولا يحتاج إلى ذلك، فكل ما يتلقاه يؤكد قناعاته بدل أن يختبرها، ومع التكرار تتحول الرواية إلى حقيقة، لا لأنها صادقة بالضرورة، بل لأنها الوحيدة المتاحة، وهنا يبلغ التصفيح ذروته حين يتطابق الاقتناع مع العالم، ويغدو المختلف غير قابل للتصديق أصلاً.
فشل التنوير وشروطه الغائبة
يفترض التنوير شروطاً بنيوية: فرداً مستقلاً نسبياً عن الجماعة، عقلاً قادراً على الشك، فضاء عاماً مشتركاً، ومؤسسات تحمي حرية التفكير، وفي غياب هذه الشروط يصبح التنوير صوتاً معزولاً أو خطاباً نخبوياً لا يخترق بنية المجتمعم العميقة، بل قد يُعد تهديداً لأنه يدعو إلى زعزعة ما يمنح الناس شعورهم بالأمان، وهنا تكمن المفارقة، فما يُفترض أن يكون طريق الخلاص يُستقبل بوصفه خطراً.
قد يبدو السعي إلى الغلبة على رغم كلفته سلوكاً غير عقلاني، لكن داخل نظام لا يضمن الحقوق يصبح التفوق ضمانة، وحين تغيب الدولة يتحول الآخر إلى خطر محتمل وتصبح القوة وسيلة للوقاية، وبهذا المعنى تنشأ "عقلانية الغلبة": إنه المنطق الذي يرى في التفوق شرطاً للبقاء، غير أن هذه العقلانية، وإن بدت مفهومة على المستوى الجزئي، فإنها مدمرة على المستوى الوطني، لأنها تعيد إنتاج شروط الصراع نفسه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الجواب بسيط: لأنه لا يقيس الأمور بمعايير الحقيقة بل بمعايير الأمان، فالحقيقة ليست ما يطلبه بل الطمأنينة، وما يطلبه ليس الحرية بل الحماية، ليس الدولة، بل الجماعة، وهنا تكمن المعضلة الفلسفية والسياسية معاً: كيف تُقنع إنساناً بالتخلي عما يعتقد أنه ينقذه؟ كيف تُقنعه بأن ما يمنحه الأمان هو، في العمق، ما يُبقيه أسيراً ومتخلفاً؟
التفلسف فعل مقاومة وإيقاظ
أمام هذا المشهد لا يبدو التفلسف ترفاً بل ضرورة، غير أن التفلسف ليس تكديساً للأفكار والأفاهيم، ولا استعراضاً للمعرفة، بل فعل شك دائم وقدرة على مساءلة المسلمات، أن تسأل: لماذا أؤمن بما أؤمن به؟ ومن أين جاءت هذه الاقتناعات؟ لكن هذا المسار محفوف بالأخطار، فالتفكير المختلف في بيئة مغلقة ليس مجرد خيار ذهني، بل مغامرة وجودية قد تكلف صاحبها العزلة أو النبذ أو حتى حياته عندما يزيد منسوب خوف الجماعة، ومع ذلك يبقى التفلسف بداية التحرر شرط ألا يتحول بنفسه إلى عقيدة مغلقة، لأن الفكر الذي يتحول إلى يقين نهائي يفقد قدرته على التحرير.
نحو أفق مختلف: دولة المواطن
إذا كان "التصفيح ضد الوعي" نتاج بنية مركبة، فإن تجاوزه لا يكون بخطاب واحد بل بمسار طويل يتمثل أولاً في تفكيك الذاكرة عبر كشف الحقيقة والاعتراف المتبادل، وثانياً في تحويل الذاكرة من جرح إلى معرفة، وثالثاً في تعزيز الفرد داخل إطار المواطنة، ورابعاً في بناء مؤسسات تقلل الاعتماد على الزعيم، وخامساً في خلق فضاء إعلامي مشترك، وسادساً في ترسيخ ثقافة النقد والشك في التربية، وهذه الشروط ليست نظرية بقدر ما هي شروط إمكان للخروج من الحلقة المفرغة.
وأخيراً نسأل: لماذا نخاف عودة الحرب عند كل أزمة؟
لأنها في الحقيقة لم تغادر، لقد غيرت شكلها فقط من رصاص إلى خطاب، من جبهات إلى شاشات، من معارك ميدانية إلى صراعات رمزية، لكن بنيتها العميقة لا تزال تعمل بفاعلية.
إن أخطر ما في "التصفيح ضد الوعي" أنه لا يحفظ الاستقرار بل يؤجل الانفجار، يجعل التكرار ممكناً بل مرجحاً، وما لم يتحرر العقل اللبناني من هذا التصفيح فسيبقى يدور في الحلقة المفرغة نفسها: يعمل ضد مصلحته وهو يعتقد أنه يحميها.
ربما يكون التفلسف بداية الطريق، لكن الطريق أطول من فكرة وأصعب من موقف، إنه طريق تفكيك الخوف وإعادة بناء المعنى والانتقال من الطائفة إلى المواطن، ومن الزعيم إلى القانون، ومن الذاكرة الجريحة إلى الوعي الحي، وحينئذ فقط لا تعود الحرب ذكرى بل تصبح درساً وعبرة.