Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أطفال حملوا السلاح في الحرب اللبنانية… حكايات منسية

"اندبندنت عربية" تحدثت إلى مقاتلين سابقين خاضوا المعارك صغاراً

قاتل آلاف القصار في الحرب الأهلية اللبنانية وفقد كثيرون منهم حياتهم على الجبهات (ا ف ب)

ملخص

الحرب تسرق الحياة أحياناً أو تعيد تشكيلها من جذورها، خصوصاً حين يدخلها الأطفال قبل أن يفهموا معناها. فيتحول الطفل من تلميذ إلى مقاتل، ومن حالم إلى حامل سلاح، في زمن يفرض منطقه على الجميع ولكن عند انتهاء الحرب، لا تنتهي آثارها، إذ يواجه الناجون صدمات نفسية ووصمة اجتماعية ومساراً معقداً لإعادة بناء الذات

في مسرحية "خيال صحرا" اللبنانية للفنان جورج خباز الذي يؤديها إلى جانب الممثل عادل كرم اختصار موجع عن نتائج الحرب الأهلية، وأبطال معابر ذلك الزمن الذين إن لم يسقطوا على الجبهة فإن الأمور تؤول إلى سيناريوهات قاسية. يتحول من تهبه الحياة حياة جديدة إلى "زلمة" أحد المسؤولين أو إلى رجل أمني في الشركات الخاصة تماماً كما في المسرحية، في حين تنتهي حياة الآخر في سبيل قضية عاشها حتى أقصاها إلى حد الموت من أجلها، أما  الزعماء فتصافحوا فوق دماء من رحلوا.

وبين عبارة "تنذكر ما تنعاد" التي درج استخدامها دائماً في ذكرى الحرب الأهلية في لبنان (1975-1990)، وعبارة "راجعة بإذن الله" في أغنية ساخرة للفنان زياد الرحباني، فصل تميل كفته كل مرة إلى جهة، حتى يبدو في أحيان كثيرة أن الشعب اللبناني لم يتعلّم من الحرب، ونسي أي فاجعة مر بها وعاشها، حين قتل المواطنون بعضهم بعضاً "على الهوية" وقتل الجار جاره والأخ أخاه في حرب عبثية لم يخرج منها أحد منتصراً.

الطفل الذي حمل السلاح

في حين كان يفترض أن يتعلم كيف يكتب اسمه على دفتر المدرسة، فإذا بالحرب تكتبه على قوائمها. وبدل أن يختلف مع رفاقه على لعبة أو كرة أو مقعد قرب النافذة، تعلم باكراً أسماء القذائف وطرق الحماية، وكيف يميّز بين الرصاصة القريبة والبعيدة، الطفل الذي يدخل الحرب مقاتلاً لا يخرج منها حين تنتهي المعركة للأسف.

في القانون الدولي، لا يعرَّف الطفل المجند على أساس حمل السلاح فقط، فكل من هو دون 18 ويُستخدم أو بالأحرى يُستغل في نزاع مسلح يعدّ طفلاً مجنداً، سواء كان مقاتلاً في الخطوط الأمامية أو يؤدي أدواراً أخرى أقل ظهوراً. وقد وسعت "مبادئ باريس" عام 2007 هذا التعريف، فشملت أيضاً الأطفال الذين يعملون كحمالين أو طهاة أو رسل أو جواسيس، وحتى أولئك الذين يُستغلون لأغراض لوجيستية أو جنسية.

والأعمار نفسها تكشف فداحة المسألة، إذ يشير تقرير منظمة "اليونيسف" عن 25 عاماً من ملف الأطفال والنزاعات المسلحة إلى أن تجنيد من هم دون 15 وُثّق في معظم بؤر الصراع بنسب مختلفة، ففي الكونغو الديمقراطية مثّل الأطفال دون 15 سنة أكثر من 35 في المئة من الأطفال المرتبطين بأطراف النزاع بين 2014 و2020، مقابل 17 في المئة في اليمن بين 2013 و2018. وفي دراسة طولية عن سيراليون تابعت 156 طفلاً جُندوا بين سن 10 و18، ظهرت الحرب في سيرتهم كمرحلة بنيوية شكّلت شخصياتهم وعلاقاتهم لاحقاً.

أين أصبحوا اليوم؟

وفيما تحط الذكرى الـ51 لاندلاع الحرب الأهلية اللبنانية رحالها اليوم، يبرز ملف لم يسلط الضوء عليه بصورة حقيقية، وهو ملف الأطفال اللبنانيين الذين حملوا السلاح خلال هذه الحرب وقاتلوا وربما قتلوا، بعضهم قتل في المعارك الدموية، والبعض الآخر نجا، ضمن حياة لم تشبه البقية.

في هذا التحقيق أردنا أن نفتح هذا الملف، وأن نسأل أين هم الأطفال المقاتلون من الحرب الأهلية اللبنانية، متى وكيف أنهوا فصول القتال، كيف هي حياتهم اليوم، وماذا يحملون معهم من الأعوام الدموية؟

لم يكن سهلاً إيجاد أشخاص قادرين أو قابلين للتحدث عن تلك المرحلة، البعض طلب عدم ذكر اسمه، وآخرون برروا أنهم لا يريدون أن يذهبوا مرة أخرى إلى تلك الذكريات، البعض يخجل بها، والبعض لا يريد نكأ جراحه أو الاعتراف أن الحرب سرقت وقتهم بما فيه الكفاية ليعيدوا سردها.

 

أحلام تُستبدل بالبندقية

في لحظة صغيرة انزلقت بهدوء إلى حياة كاملة. لحظة حمل فيها فتى في 15 عاماً بندقية، ووضعها إلى جانب فراشه بدل أن يضع كتاباً أو لعبة. في تلك الخيمة، لم يكن أحمد (63 عاماً) يدرك أنه يبدأ بتجربة ستطوي طفولته.

يقول لـ"اندبندنت عربية"، إنه اليوم بعد أكثر من أربعة عقود، كأنه يختصر المسافة بين طفل ورجل في جملة واحدة "تخليت عن الولدنة لأرتدي بزة الرجولة". لم يكن ذلك خياراً مكتمل الإرادة، لقد كان استجابة لزمن فرض منطقه على الجميع، على رغم أنه لم ينتسب حينها إلى أي حزب، لكنه تلقى تدريبات تحت راية الجناح العسكري لأحد "أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية". وفي عام 1978، دخل أحمد تلك العبثية المسماة "الحرب".

وكما يتعرف طفل على فكرة الخوف قبل أن يعيشها، كان أحمد قد تعرف إلى الحرب من بعيد قبل أن يحمل السلاح. فجيله، كما يقول، لم يولد في فراغ، بل في سلسلة من الصدمات من حرب 1967 والتوترات الداخلية وحرب 1973، ثم حرب السنتين عام 1975، وباقي الفصول القاسية، وصولاً إلى توقيع اتفاق الطائف عام 1990.

يتذكر أحمد جيداً أول صورتين استقرتا في ذاكرته، الأولى، حين وضع البندقية إلى جانب جسده على الفراش داخل خيمة، والثانية، حين سمع صوت القذيفة الأولى تستهدف مكانه. في تلك اللحظة، لم يكن أمامه سوى أن يتماسك "ما خالجني حينها مشاعر متضاربة بين محاولة كتم الخوف ورفض الاستسلام له وبين التمسك الشديد بالحياة". ربما في تلك المسافة القصيرة بين الصوت والانفجار انتهت الطفولة.

رفاق أكبر وأحلام أصغر

لا يحتاج أحمد إلى البحث طويلاً عن اللحظة التي شعر فيها أنه لم يعد طفلاً. فيقول "في اللحظة التي حملت فيها البندقية". تخلى عن أحلامه الطفولية، وعن بهجة سنوات المراهقة التي كان ينبغي أن يعيشها، وعن أبسط تطلعاته المستقبلية التي ضاعت منه تباعاً. "فكانت سنوات هُدرت من عمري ومستقبلي. تخليت حينها عن كل الروابط، سواء مع الأهل أو المدرسة أو الرفاق الذين استبدلتهم برفاق أكبر سناً وأحلام أصغر، حتى الأحلام  تلاشت وأصبحت تقتصر على لحظات أو ساعات، محملة بذلك التساؤل المؤلم: هل سأبقى حياً؟

حين يتحدث عن نهاية الحرب، يتحدث أحمد عن الخسارة وليس عن النجاة "فقدت كثيراً من الرفاق، وأصدقاء تعزُّ عليّ ذكراهم. واليوم، بعد عقود اعتدتُ فيها على قسوة القلب وجفاف الدمع، أستحضر وجوههم الآن ومعها لحظات من رفقتنا، فتغرق عيناي بدموع الأسى التي طالما حبستها".

اليوم، حين ينظر أحمد إلى نفسه في تلك المرحلة، لا يراها من موقع التبرير ولا الإدانة. "أنظر إلى نفسي في تلك المرحلة من زاوية أن الظروف كانت أقوى، فالحرب بكل شعاراتها كانت أعتى من الجميع. كل من سلك هذا الطريق بدا لي مُجبراً تلقائياً، فمن يذهب إلى القتال يكون مصيره معلقاً بين الحياة والموت، أما أولئك الذين يختارون الموت بكامل إرادتهم، فلهم شأن آخر وتوصيف خاص. لذلك، سنكون جميعاً، نحن حملة البنادق، في مكان ما ضحايا لسياسات أو قرارات أو أوامر، حتى وإن اعتبرنا أنفسنا في جانب الحق أو في معرض الدفاع المشروع عن النفس أو الغير".

ماذا بقي في الروح؟

أما الخروج من الحرب، كما يراه أحمد، فليس الجزء الأصعب. الأصعب هو ما يأتي بعده، في محاولة العودة إلى حياة طبيعية، فيما شيء في الداخل لم يعد طبيعياً تماماً.

يقول "في الواقع، لا أدري إن كان قد بقي في نفسي شيء من تلك التجربة، فقد جاهدتُ لتجاوز آثارها ومضيت قدماً في حياتي. وحتى اليوم في نشاطي، أرفض قطعاً فكرة التقاتل أو إزهاق الأرواح أو الحروب بكل أشكالها.

وحين يُسأل عما قد يقوله لذلك الطفل لو عاد الزمن، لا يلجأ إلى الندم ولا إلى الخطابة. يكتفي بالقول "الزمن لا يعود، ولا يمكن تغيير ما حدث، ولكنني لطالما حاولت الاحتفاظ بجزء من ذلك الطفل الذي كنته، فهو جزء مني، وأنا استكمال له".

اليوم، يعيش أحمد حياة مختلفة تماماً. أطفاله كبروا، أنهوا دراستهم الجامعية، وبعضهم يتابع الماجستير أو بدأ مسيرته المهنية. يحرص على أنه لم يتوقف يوماً عن تربيتهم على رفض العنف والتمييز العرقي أو الطائفي أو الطبقي أو العقائدي. "هم لا يحتاجون إلى تنبيهات إضافية تمنعهم من الانخراط في أعمال قتالية ثبت لنا عقمها. أرجو ألا يكونوا يوماً ضحية ظروف تفرض عليهم وعلى أبناء وطننا كافة ما مررنا به".

يعد أحمد أن ظروف الحرب اللبنانية، على رغم تعقيداتها، بدأت أسبابها من هشاشة الأسس التي بنيت عليها ركائز الدولة، حيث اعتمد نظام تداول السلطة على صيغة التحاصص الطائفي، مضيفاً "لا سبيل للخروج من هذه الأزمات والنكبات إلا بتبني نظام عصري لتداول السلطة، يفضي إلى بناء دولة مدنية عادلة وذات سيادة، قادرة على تلبية تطلعات المجتمع".

محصول الصنوبر والتهجير

 في رواية عبدو شعيا عن الحرب، لا يظهر السلاح أولاً ولا الحزب، ولا الخندق. الذي يظهر هو طفل من جوار الحوز، قرية مسيحية صغيرة بين قريتين بغالبية درزية، كان في الـ14 من عمره حين اندلعت الحرب في 13 أبريل (نيسان) 1975.

يستعيد تلك البداية بوصفها انهياراً مفاجئاً لعالم كان حتى وقت قريب يبدو عادياً وآمناً. يقول إنه ورفاقه في المدرسة في بلدة حمانا في منطقة المتن "كنا نعيش بأمان ولم نكن نعرف أي شيء عن الطوائف، ولا نعرف من هو مسيحي ومن هو درزي".

في ذاكرته، يبدأ كل شيء من نزاع على محصول شجر صنوبر بين ابن قريته ورجل من كفرسلوان (قرية درزية مجاورة). لم يكن أحد من الطرفين يدرك، على الأرجح، أن شجاراً كهذا سيفتح بوابة كاملة للعنف، فاشتد الشجار بينهما مما أدى إلى سقوط قتلى من القريتين، ثم توصلوا إلى "صلحة مزيفة" لم تدم أكثر من 45 يوماً.

بعدها، يكمل عبدو "هجروا كل القرى المسيحية في الجبل وكانت قريتنا جوار الحوز من ضمن هذه القرى، هجرنا إلى ما سميت “المنطقة الشرقية” أي المناطق المسيحية في شرق بيروت. ومثل كل مراهق ضاعت أحلامي. كنت يومها أحلم أن أكون طياراً".

لم يكن عبدو يقدّم نفسه بصفته صاحب مشروع أيديولوجي بقدر ابن بيئة شعرت أنها مهددة في وجودها، فقرر الدخول إلى صفوف شباب الكتائب اللبنانية. يقول "يومها كان الحزب الأقوى بين باقي الأحزاب المسيحية، وكنا قد بدأنا نتعرف على الشيخ بشير الجميل (الرئيس السابق) ونتتبع مقالاته وأقواله التي أقنعتنا بواجب التطوع والدفاع عن لبنان. خصوصاً بعد أن قال الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات جملته الشهيرة إنه قادر بأربعة فدائيين أن يرمي مسيحيي لبنان في البحر. فكان اندفاعنا لا يوصف يومها، وبقيت على الجبهة منذ عام 1976 ولغاية عام 1985 عندما قررت أن أهاجر إلى أميركا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سقوط القرية والتهجير

عندما سقطت القرية، خرج عبدو مع مجموعة من الشبان، معظمهم أكبر منه سناً، هرباً عبر الوديان، يتذكر تلك الرحلة "يومها لم أكن أفكر بشيء سوى العودة إلى قريتي بعدما أبعدت عنها قسراً. بعد أن هربنا خوفاً من أن يقتل الفلسطنيون الشباب، كنا نحاول الدفاع عن قريتنا وكأنها قلعة أو ترسانة مدججة بالسلاح الثقيل والمدفعية، علماً أنه لم يكن معنا أكثر من سلاح صيد وقطع قليلة من الأسلحة الفردية. هذه كانت أول تجربة لي في عمر 15 سنة، تائهاً في الوديان لا أعرف إن كنت سأرى أهلي وأخواتي ثانية".

ويروي أنه قضى أكثر من 24 ساعة في تلك الوديان، يختبئون خلال ساعات النهار ويتحركون بحذر في ساعات الليل المتأخرة حتى وصل إلى منطقة آمنة قريبة، وبعدها سيظهر الشاب الذي سيتدرّب لاحقاً ويحمل السلاح ولداً ضائعاً في الجغرافيا والخوف معاً.

عام 1979 عندما بلغ 18 من العمر كان قد انخرط في صفوف حزب الكتائب وتلقى التدريبات التي تخوله أن يكون في الخطوط الأمامية خصوصاً في منطقة الأسواق في وسط بيروت. "كنت يومها واحداً من أصل 25 شاباً تولوا هذه المهمة وكنت أصغرهم، وشعرت بأن شيئاً تغير في داخلي خصوصاً عندما أوكلت لي مسوولية إحدى الفترات وكانت أول مسؤولية أتولاها".

يقول، "يومها شعرت أن لا مكان للطفولة في باطني، وقلبي لم يعد ضعيفاً، وإني مستعد لمواجهة أي شي وأياً كان، وإني مستعد لأن أقتل عدوي إن ظهر في وجهي في أزقة أسواق بيروت. وكرت تلك السبحة وبقيت في صفوف وحدات بيروت إلى أن استلمت مراكز أكبر، منها مسؤولية أمن قائد "القوات اللبنانية".

كان يمكن أن أكون أحدهم

ومع مرور الأعوام، تتكدس الخسارات. بعض الرفاق الذين بدأ معهم في وحدات بيروت سقطوا على الجبهات، بوصفهم "من خيرة الشباب وأغلاهم على قلبي". وحين يتحدث عن نفسه، يبتعد قليلاً عن بطولة الناجي. لا يقدم بقاءه على قيد الحياة كنتيجة شجاعة استثنائية، "كان من الممكن أن أكون واحداً منهم، لكن هكذا شاء القدر".

ومع الخلافات التي عصفت داخل "القوات اللبنانية" في ثمانينيات القرن الماضي وانتقال الأمر إلى القواعد والعناصر وتباينت الأفكار في ما بين الكثير من القواتيين وعلى مختلف المستويات، قرر عبدو إيجاد طريقة للخروج من لبنان والسفر إلى أميركا. ويضيف أنه في أقل من أربعة أشهر "أصبحت أغلبيتنا خارج لبنان، في هذه المرحلة لم أخسر أياً من رفاقي إنما الخسارة كانت في الفترة التي كنت في وحدات بيروت حيث قتلت خيرة الشباب".

استطاع عبدو أن ينجو ويقول، "المحزن المبكي هي أنني فقدت رفاقاً في زهرة عمرهم على أساس فداء للبنان، وإبقائه حراً. ولكن ظني خاب، فما حدث بعد فترة وجيزة من مغادرتي لبنان سقط القناع".

الرحيل والعودة

يشير عبدو إلى أن قرار الرحيل من لبنان لم يكن سهلاً عليه بعد أن ترك أربع شقيقات وأخاً صغيراً في لبنان. ولكن عائلته فرحوا بخروجه من محور الخطر بعد أن عاشوا بقلق دائم.

هاجر عبدو على أساس لفترة قصيرة، لكن الأمور أخذت تتفاقم وتتعقد أكثر فأكثر. "يومها كنت في سن 24 مليئاً بالعشق والحب لحياة طبيعية، فأخذت أفكر وأبحث كيف يمكن أن أصنع مستقبلي في الغربة. والتقيت اثنين من رفاقي وتعاونا في شق طريق جديدة لتأسيس عائلة ومستقبل أفضل. وأحمد ربي وأشكره على الفرصة التي وهبها لي بسفري إلى حياة أفضل".

ويضيف، "كل يوم أستذكر الماضي البعيد، أين كنت، وكيف كانت حياتي مملوءة بالأخطار وبالمآسي... أنظر إلى نفسي في خانة المحظوظ إني بقيت حياً. وأسست عائلتي حفظها الله لي".

اذهب إلى بيتك يا ولد

نسأله ماذا يقول لذلك الصبي الذي كان هو؟ هنا ينقسم صوته بوضوح بين زمنين يقول "إن كنت طفلاً مثله، كنت قلت له أريد أن أكون معك جنباً إلى جنب لنحمي وندافع عن بيتي قريتي ووطني. وإن شاء القدر أن نموت فداء الوطن فليكن ذلك لنا سوياً. أما إذا كنت رجلاً بعمري كنت لأقول له أين أبوك وأمك ليحميانك من شر وأخطار هذه الأيام. اذهب إلى بيتك يا ولد وافتح كتابك، وانتبه لمدرستك ودرسك، وانتبه على نفسك وعلى أهلك، فلا أحد يفيدك إذا أصابك مكروه".

حرب الجبل

من منطقة الشوف في جبل لبنان، من جبل تعلم أبناؤه باكراً أن الجغرافيا قد تتحول فجأة إلى خط تماس، يخرج غانم ذبيان بسيرة شخصية لكنها تبدو مرآة لجيل دُفع إلى الحرب قبل أن يفهمها. كان قد انتمى إلى الحزب الشيوعي اللبناني، ثم تركه عام 2000، لكن الخروج من الحزب شيء، والخروج من الحرب شيء آخر أكثر تعقيداً.

دخل غانم المعركة أول مرة وهو في عمر 15، في حرب الجبل، وكانت معركة بلدة المطلة واحدة من بوابات العبور القاسية من المراهقة إلى العنف. يقول "كانت أولى مشاركاتي القتالية هناك، كانت أصوات الرصاص والقصف تملأ المكان، لكننا لم نكن نشعر بشيء يُذكر. ربما لأننا كنا في عمر لا يسمح لنا بإدراك حقيقة ما نقوم به. أما الإحساس الحقيقي بما حدث، فقد جاء بعد انتهاء الحرب".

الطفل الذي انتهى

يضيف "أول مرة شعرت فيها أنني لم أعد طفلاً كانت عام 1977... لا تبدأ خسارة الطفولة من حمل السلاح فعلياً فقط، وإنما من مشهد أبكر وأشد فجاجة، ثلاث جثث موضوعة قرب البيت، حين كان في 12 من عمره. ثم يأتي الجار المقاتل كعنصر في الحكاية أو كبوابة اجتماعية كاملة إلى الحرب. رجل من الحي، قريب من الحياة اليومية، يدرّب الأولاد ويجعل حمل السلاح وتعبئة مخازن الأسلحة أمراً شبه اعتيادي. يقول غانم "منذ تلك اللحظة، شعرت أن شيئاً ما انكسر داخلي، وأن ذلك الطفل الذي كنتُه قد انتهى".

ترك غانم الحرب في عام 1987. في تلك المرحلة، "كنت قد أصبحت أكثر نضجاً ووعياً، ووجدنا أنفسنا نتعرض للقتل، وخصوصاً من قبل حزب الله عندها اقتنعت أن هذه الحرب ليست حربنا، فقررت الانسحاب". 

 يخبر غانم أنه فقد كثيراً من الرفاق خلال تلك السنوات. ويقول "أذكر أنني كنت في الصف الأول ثانوي، وعدنا من إحدى المعارك، وكان عددنا خمسة، لكننا عدنا اثنين فقط، أنا وشاب آخر، بينما قتل الباقون". فالنجاة نفسها في قصة غانم تتحول إلى عبء وإلى سؤال عن معنى الاستمرار في حرب لم يعد صاحبها مقتنعاً بأنها حربه.

لا يحاول غانم تبرئة نفسه كلياً عبر الادعاء بأنه كان مجبراً. هو يعترف بأنه كان مقتنعاً في مرحلة ما، وخصوصاً في إطار قتال إسرائيل، ويتكلم بلسان رجل راجع قناعاته متأخراً واكتشف أن الاقتناع نفسه لا يمنع المأساة، وأن الحماسة الأيديولوجية لا تعفي أحداً من أن يكون ضحية في النهاية.

يقول، "اليوم، أرى نفسي ضحية. نحن ضحايا حروب الآخرين على أرضنا، فقد كنا نحمل مشاريع دول أخرى فوق أرضنا، ولذلك نحن جميعاً ضحايا".

لا تفتح الباب!

يقول غانم، إن مشاهد المجازر والأطفال الأبرياء والضحايا من المدنيين الذين لا ذنب لهم في ما حدث لا تفارق مخيلته. "لم أخرج من تلك التجربة من دون آثار نفسية، فقد خضعتُ لجلسات عديدة مع معالج نفسي، ولا أزال مستمراً في العلاج، إذ كلما حدثت نكسة في لبنان، تعود تلك الصور إلى ذهني من جديد".

ويضيف، "لو عاد بي الزمن إلى الوراء، لقلت لذلك الطفل، لا تفتح الباب ولا تخرج إلى الخارج، فهناك شيء فظيع سيحدث. لا تذهب إلى جارك لتتعلم تلك الأمور البشعة. اذهب والعب، استمتع بوقتك وغنِّ وارقص، واستمع إلى الموسيقى".

وكأن هذه النصيحة العاطفية تلخيص كامل لما سرقته الحرب من الإيقاع الطبيعي للحياة، والحق في أن يكون الطفل طفلاً وليس مشروع مقاتل.

يملك غانم اليوم مقهى صغيراً في أحد شوارع العاصمة، وعن أولاده يقول، "أولادي أصبحوا كباراً، ابني درس الإخراج، وابنتي تتابع دراسة الماجستير في علم النفس".

يختم غانم بقوله، "إن مشكلتنا في لبنان بدأت منذ اندلاع الحرب، وتحديداً بعد اتفاق القاهرة عام 1969، الذي فرّط بسيادة لبنان لمصلحة الثورة الفلسطينية. منذ ذلك الحين وحتى اليوم، ونحن ندفع ثمن حروب الآخرين على أرضنا، وقد حان الوقت ليكفي هذا الواقع".

الانتقال الجغرافي والنفسي

انتمى محمود الدنف إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي منذ طفولته، وكان يعيش في قريته بعلشميه، الواقعة في قضاء بعبدا في محافظة جبل لبنان، ومنها انطلق عندما بدأ القتال في سن 14، خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.

يقول، "أكثر ما أتذكره وبوضوح هو المكان الذي كنت أتردد إليه دائماً بحكم وجودنا في القرية على محور المواجهة. كما أتذكر الشعور الذي رافقني منذ البداية، كيف فُرضت علينا هذه الحرب مع أبناء بلدنا".

انتقل محمود من قريته، هذا الانتقال الجغرافي الذي يوازي الانتقال النفسي، فمغادرة المكان الأول غالباً تعلن نهاية الطفولة وبداية التكوين القسري للذات، ففي عمر 16 انتقل إلى ضهور الشوير تاركاً الطفل الذي كانه وراءه.

يقول محمود، "خلال الحرب، لم يكن أحد منا يتوقع النجاة، ولذلك حين انتهت، شعرنا أن ما نعيشه هو عمر إضافي. أما العودة إلى الحياة الطبيعية، فكانت صعبة، لكنها لم تكن مستحيلة، لأننا كنا نؤمن أننا مشروع حياة، ولسنا مشروع قتال لمجرد القتال"، مضيفاً "أما الرفاق، فقد فقدنا عدداً كبيراً منهم، ولا يزال بعضهم حاضراً في حياتنا حتى اليوم، نلتقي ونتواصل، لكننا نتجنب الحديث عن الماضي إلا عن لحظات الفرح".

ويشير إلى أنه لا يرى نفسه ضحية، "إلا ربما في جانب من حياتي الشخصية. لم أفعل شيئاً لا يشبهني، حتى في القتال. كنت أؤمن بأن للقتال شرفاً، يقوم على عدم التعدي وعدم الإساءة، وألا يكون القتال بهدف القتال"، ويتابع "لو عاد بي الزمن، لما اخترت أن أعيش التجربة نفسها، لكنني أتمسك بالإيمان والفكر الذي أنتمي إليه. أما للطفل الذي كنته، فأقول: انسَ كل آلامك، وابقَ كما أنت".

يعيش محمود حياته اليوم بشكل طبيعي، ويعمل ولا يزال مستمراً في العمل السياسي، "لأنه جزء من حياتنا اليومية نحن كشعب فرض علينا واقع معين ومؤمنين بفكر معين نمارسه في حياتنا اليومية بكل تفاصيله. أما بالنسبة لأولادي، فلا أسمح لهم بالانخراط في القتال ضد أبناء بلدهم، لكن إن كان القتال ضد عدو خارجي، أقبله بكل تأكيد".

سردية فيسفسائية

شهادات هؤلاء الرجال الذين حملوا السلاح أطفالاً تروي قصة طفل خسر توقيت طفولته، ثم أمضى عمره اللاحق يحاول أن يفهم كيف حدث ذلك. وفي نهاية هذه الشهادات، يتكون لدينا سرد فسيفسائي من أصوات تتقاطع عند الألم وتفترق عند المعنى. بعضهم يرى نفسه ضحية لزمن كان أقوى من الجميع، وبعضهم يصرّ على أنه لم يفعل إلا ما يشبهه، وأن القتال كان، في نظره، امتداداً لقناعة أو إيماناً. وما يجمعهم، على اختلاف رواياتهم، هو تلك المنطقة الحساسة التي يترددون عندها: سؤال ما إذا كانوا تورطوا شخصياً بالقتل. حين يُطرح مباشرة، لا يأتي الجواب مباشراً. يتفاداه البعض ويلتف حوله آخرون، ويكتفي بعضهم بالقول إنه "لا يعرف"، أو إنه "لا يتذكر"، أو إنه "كان في حالة لا تسمح له بالإدراك". كأن الذاكرة تضع حدوداً لنفسها، أو كأن اللغة تعجز عن حمل هذا الاعتراف إلى نهايته.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات