Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في لبنان... أجيال تسلم بعضها مشعل الحرب لا السلام

في هذا البلد، تتوارث الأجيال المهن والملامح والحروب، ولكل جيل حربه أو حروبه

تكاد الحروب في لبنان تعمل كأنها نظام توريث غير معلن (ا ف ب)

ملخص

لا تبدو الحرب في لبنان حدثاً طارئاً، فهي بنية مستمرة تتوارثها الأجيال بصور مختلفة. من الحرب الأهلية إلى حروب الجبهة المفتوحة والانهيار الاقتصادي، يتراكم العنف كخبرة جمعية لا يمكن الإفلات منها. الجيل الجديد لا يعيش الحرب نفسها، لكنه لا ينجو منها، ويتلقاها بنسخة أكثر سيولة وانتشاراً. وهكذا يتحول السلام إلى مجرد فاصل قصير بين نشرات طويلة من القلق والخسارة.

إنها الجغرافيا اللعينة التي تختارك أن تعيش في منطقة على شفير اشتعال إثر اشتعال، جيلاً بعد جيل، حتى لا يكاد أي جيل ينجو من مسمى "جيل الحرب".

كأن كل جيل يسلم الذي يليه مشعل الحرب التي تتفرع أشكالها، فهل وجد في لبنان جيل بلا حرب أصلاً؟ جيل لا يعرف طعم الخوف وأسماء الأسلحة المستخدمة؟ جيل لا يعلق في أنفه رائحة الملاجئ وطعم التهجير والنزوح؟

توريث الحروب

تكاد الحروب في لبنان تعمل كأنها نظام توريث غير معلن. جيل يخرج من حرب وهو يظن أنه دفع ما يكفي من الخوف عن الذين يأتون بعده، عن أولاده وأحفاده، ليكتشف أن ما سلمه لهم ذاكرة الخوف نفسها مع تحديثات جديدة. حرب أهلية (1975) ثم اجتياح (1982) ثم احتلال ثم (2000) ثم حرب يوليو (تموز) 2006 ثم اشتباكات داخلية ثم ارتدادات الجوار ثم انهيار شامل ثم انفجار مرفأ العاصمة (2020) ثم جبهة مفتوحة من الجنوب (2023).

ليأتي مارس (آذار) 2026 ويضيف طبقة جديدة إلى هذا الأرشيف المتخم بالنار.

نحن جيل الحرب

المفارقة أن كل جيل في لبنان يحب أن يحدث الذي يليه بنبرة الناجي المتخصص، ويقول نحن عشنا الحرب الحقيقية، أما أنتم فجيل ناعم أو جيل "نايلون"، وكأنه ضعيف، هذه العبارات التي سمعناها من أهالينا وأسمعناها لأولادنا، وقلنا لهم إنهم أيضاً جيل الشاشة والهشاشة وملوك الدراما حيث القلق زائد على الحاجة وعن المقبول، لكن الوقائع تطل برأسها لتصفع هذا الغرور ربما.

فالحرب لم تعد تحتاج إلى متاريس تقليدية كي تكون حرباً بالمعنى المتعارف عليه سابقاً، وصار لها قاموس أحدث، وبتنا نسمع عبارات الحرب اللاتماثلية أو اللاتناظرية، والحرب السيبرانية وحرب المسيرات والحرب النفسية، وحرب البنى التحتية، وحرب الاغتيالات الدقيقة، وحرب تهجير بالنار والرسائل النصية والإنذارات والخرائط... وهكذا لا يفقد الجيل الجديد حقه في لقب جيل الحرب كونه لم يحمل الصورة القديمة نفسها عن الحرب، فهو يتلقاها بصورة أكثر سيولة وأكثر انتشاراً وبثاً إعلامياً وعلى وسائل التواصل الاجتماعية، وأشد قدرة على التسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية.

من الحرب الأهلية إلى ما بعد الطائف

ليست الحرب الأهلية اللبنانية، التي امتدت من 1975 إلى 1990، مجرد فصل قديم في كتاب التاريخ تعلم منها الجيل الذي خاضها وخسرها من أي طرف كان، هي في الواقع البنية النفسية العميقة التي لا يزال لبنان يعيش داخلها حتى حين يدعي أنه تجاوزها.

تصفها الموسوعة البريطانية بصفتها حرباً أهلية استمرت 15 عاماً وأدت إلى تدهور الدولة وصعود الميليشيات "بعقائدهم المختلفة" بوصفها بدائل عن مؤسساتها، أدت إلى مقتل أكثر من 100 شخص ونحو مليون نازح. لم تكن تلك حرباً عابرة يمكن دفنها في أرشيف الصور الصفراء، لقد كانت تأسيساً طويلاً لفكرة أن العنف يمكن أن يكون لغة السياسة، والخوف طريقة عيش وأسلوب بقاء.

ومن يظن أن اتفاق الطائف جاء ليغلق باب الحروب نهائياً يخلط ربما بين وقف حرب أو بالأحرى وقف إطلاق النار وإنتاج سلام. فما حصل بعد 1990 كان أقرب إلى هدنة طويلة مزروعة بالألغام، فلقد انتهت الحرب الأهلية رسمياً في الـ13 من أكتوبر (تشرين الأول) 1990، لكن جنوب لبنان بقي ساحة اشتباك مفتوحة مع الاحتلال الإسرائيلي حتى عام 2000، بعدما كانت قد اجتاحت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان عام 1978 ووصلت إلى العاصمة بيروت عام 1982، فيما بقيت الحدود الجنوبية مسرحاً لجولات متتالية من النار.

لكل جيل حربه

إذا أردنا أن نقرأ الأجيال اللبنانية نجد أن كل شريحة عمرية منذ أكثر من نصف قرن لها حربها الخاصة، أو في الأقل حدثها العنيف. فجيل ما قبل الحرب الأهلية لم يكن جيل سلام بالكامل، كما يحب بعض الحنين أن يصوره، لقد كان جيلاً عاش تصاعد التوترات والسلاح الفلسطيني في لبنان، والضربات الإسرائيلية، وانهيار التوازنات التي ستنفجر لاحقاً في 1975.

أما جيل الحرب الأهلي فهو الجيل الذي عرف القصف والخطف والقتل "على الهوية" والحواجز وخطوط التماس والتهجير والملاجئ والخسارات الجماعية بوصفها يوميات. لم يعش هذا الجيل حرباً واحدة بل طبقات من الحرب، من حرب داخلية واجتياح 1982 وحصار بيروت، ومجازر صبرا وشاتيلا (مخيم فلسطيني) وانهيار مؤسسات، وتحول الأحزاب أو الميليشيات إلى بنية حكم فعلية.

جيل التسعينيات المحظوظ!

وجاء جيل ما بعد الطائف، الذين ولدوا في التسعينيات تقريباً، وقيل لهم إنهم محظوظون لأنهم أولاد السلم، لكن هذا السلم كان هشاً، ففي عام 1993 و1996 شنت إسرائيل حربي "تصفية الحساب"، و"عناقيد الغضب" التي قصفت أثناءها مقراً للأمم المتحدة في قانا، جنوب البلاد، حيث لجأ النازحون وعرفت بـ"مجزرة قانا". وعام 2000 جاء الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب فيما بدا خاتمة لاحتلال ترك بصماته على الأرض ألغاماً في الحقول، وانتقلت الحرب إلى شكل آخر في مزارع شبعا وعمليات استخباراتية مثل أسر "حزب الله" ضابط الاحتياط الإسرائيلي الحنان تنناباوم الذي أطلق سراحه عام 2004 ضمن صفقة تبادل.

ثم جاء جيل يوليو 2006، الجيل الذي ختم وعيه على أصوات تلك الحرب إذا صح التعبير، ولكن لم يصح فعلياً. تلك الحرب التي عاصرتها أجيال عدة، لكن جيلها لم يعد يستطيع الادعاء بأنه ولد بعد الحرب، فلقد ولد بعد حرب ليدخل في أخرى.

حروب أخرى متفرقة أو ارتداد لحروب، مرة في الشمال معركة مخيم "نهر البارد" عام 2007، ومرة في البقاع "فجر الجرود" عام 2017... وتفجيرات هنا وهناك كان أضخمها الانفجار عام 2005 الذي أودى بحياة رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري وقلبت موازين البلد وعمق انقساماته، واستحضرت الحرب الأهلية التي كانت تنفض الغبار عنها في كل موقف. وتبدو عبارة "تنذكر ما تنعاد" التي تردد دوماً لتظهر أن الشعب اللبناني تعلم دروساً قاسية من الحرب الأهلية، كأنها المورفين الذي أصبح له لاحقاً مفعول الماء.

ثم جاء جيل الانهيار بعد احتجاجات 2019، الانهيار المالي وتبخر المدخرات واختفاء الطبقة الوسطى، ثم انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس (آب) 2020. وهذا لم يكن حرباً تقليدية، لكنه حمل في ذاكرة الناس وظيفة الحرب نفسها من الدمار والفقد وانهيار الإحساس بالأمان.

الجبهة المفتوحة

تلاه جيل الجبهة التي ما زالت مفتوحة منذ أكتوبر 2023، بعد "حرب الإسناد"، قبل أن يتصاعد الوضع بشدة في سبتمبر (أيلول) 2024 حين شنت إسرائيل أكبر قصف في يوم واحد منذ عقود، مما أسفر عن أكثر من 500 قتيل في يوم واحد، وأدى إلى نزوح واسع.

ولم تتوقف الحرب على رغم اتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل، إذ بقيت إسرائيل تستهدف في طول لبنان وعرضه، وشخصيات تابعة لـ"حزب الله"، وأبقت على احتلال خمس نقاط وكانت تسرح وتدمر في البلاد تحت ذرائع ملاحقة الحزب وأعماله وبناه التحتية، في وقت دمرت البيوت والمباني وأي محاولة إعمار في قرى الجنوب.

وفي مارس (آذار) الجاري، بعد بدء الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، أطلق "حزب الله" ستة صواريخ معلناً دخوله المعركة، وجاء الرد الإسرائيلي مدمراً ولا يزال، مهجراً أهالي جنوب الليطاني تحت وطأة الغارات اليومية، إلى جانب الاشتباكات الحية مع الحزب في المناطق الحدودية، وتهديد وقصف بيروت أكثر من مرة، ونزوح ما يزيد على مليون شخص، وقتل أكثر من 1000 شخص حتى الآن... ولكن هذه ليست الخاتمة، هذا دليل إضافي على أن لبنان يعامل السلام كفاصل إعلاني قصير بين نشرات الدم.

مر الجيل الذي ولد بعد نهاية الحرب الأهلية، أي تقريباً منذ 1990 حتى اليوم بما لا يقل عن ست إلى 10 محطات عنف كبرى بين حروب وجولات عسكرية واشتباكات داخلية وكوارث ذات أثر حربي. وبذلك، اللبناني الجديد ليس جيل حرب واحدة، إنه جيل تراكم الحروب الذي يحول الخوف إلى بنية نفسية دائمة، ومناخ طبيعي وطريقة إدراك للعالم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جيل "زد": نحن جيل الحرب الحقيقية

في خضم هذه الحروب التي تمسك ببعضها بعضاً، غالباً ما اعتبر جيل الحرب الأهلية بأنه سيد أجيال الحروب، لكن جيل "زد" جاء ليعلنها أنه "جيل الحرب والأزمات والمستقبل الضائع". وعلى رغم أنه جيل لم تكن ألعابه في الجيش البلاستيكي الذي كان رائجاً لجيل الثمانينيات، ولا "وقعت الحرب العالمية..." وهي لعبة تفاعلية حركية معروفة في لبنان لأجيال، ولا كانت سهرات لعبة الريسك Risk، وهي لعبة لوحية لاحتلال قارات العالم، في ليالي الملجأ الطويلة، فإنهم يعتبرون أنفسهم ربما أكثر التصاقاً بالحرب ومفاعيلها ونتائجها.

تقول نور كرم التي ولدت عام 2000 بعد التحرير إنها نشأت دائماً على فكرة أن الغد سيكون أفضل، وأن هناك أملاً دائماً بأن تتحسن الأوضاع في هذا البلد، غير أن هذا الوعد كان يتآكل يوماً بعد يوم، بحيث بات الواقع يتراجع باستمرار إلى الوراء، إلى درجة لم يعد فيها الفرد قادراً على التخطيط الجدي لحياته أو لمستقبله.

وتوضح أن أية محاولة للتفكير بمشروع أو خطوة جديدة كانت تصطدم دائماً بحدث أكبر يعرقلها، مرة جائحة كورونا، ومرة الثورة، ومرة الحرب. هذا التراكم، برأيها، جعل فكرة المبادرة أو البناء الفردي أمراً مرهقاً ومحبطاً.

وتشير إلى أن جيلها، على رغم صغر سنه، شهد خلال نحو 26 عاماً ثلاث حروب بارزة، لكنها تؤكد أن التجربة لا تقتصر على الحروب فحسب، بل تشمل أيضاً أحداثاً مفصلية أخرى، مثل الثورة والانهيار الاقتصادي، مما جعل هذا الجيل يعيش سلسلة متواصلة من الأزمات المركبة، وليس حدثاً واحداً عابراً.

ويشير نارام توما الذي ولد عام 2007 إلى أنه كثيراً ما يسمع من أشخاص أكبر سناً مقولة إن جيله ليس "جيل حرب"، وإنه لم يعش فعلياً ما عاشته الأجيال السابقة من تجارب قاسية، لكنه يرى في هذا الطرح تعميماً غير دقيق، إذ يوضح أن عدم عيش بعض الأفراد لتجربة القصف المباشر لا يعني أن الجيل بأكمله لم يختبر الحرب.

ويضيف أن هناك دائماً جزءاً من الجيل نفسه يعيش الحرب بصورة مباشرة، حين تقصف بيوتهم أو يستهدف محيطهم، مما يجعل القول إن هذا الجيل لم يعش الحرب تبسيطاً للواقع. فالحروب، برأيه، لا تصيب الجميع بالطريقة نفسها، لكنها تترك أثراً واضحاً في شريحة واسعة من الجيل. وبناءً على ذلك، يعتبر نفسه جزءاً من "جيل الحرب"، حتى وإن لم يكن ضحية مباشرة للعنف الجسدي، فهو يرى أنه يحمل، في الأقل، أثر الحرب النفسي بما يتضمنه من قلق وضغط مستمرين.

الأجيال السابقة مرت بظروف أقسى؟

أما أنا الغول، 20 سنة، فتشير إلى أنها، على عكس ما يتداول عادة، لم تسمع من والديها ذلك الخطاب الذي يقارن معاناة الأجيال أو يختزل حاضرها بعبارة "ما عشناه كان أسوأ".

بل بدا أن والديها كانا يتجنبان هذا النوع من المقارنات، انطلاقاً من رغبة واضحة في أن تعيش حياة أفضل، وأن تتمكن من بناء مستقبل مستقر وناجح. غير أن الواقع، كما تقول، خيب هذه التوقعات لدى الطرفين معاً. في المقابل، تلفت إلى أن هذا الخطاب المقارن لا يغيب عن محيطها الأوسع، حيث يردد كثر فكرة أن التاريخ يعيد نفسه، من أزمات وحروب وتضخم وحتى الجوع، ويستحضرون تجارب التسعينيات بوصفها مرجعاً معيارياً لما يعيشه الجيل الحالي.

من هنا، يطرح ضمنياً أن هذا الجيل لا ينبغي أن يبالغ في رد فعله، بل عليه أن يتعامل مع الظروف كما تعاملت معها الأجيال السابقة. وتضيف أن بعض أبناء الأجيال الأكبر يميلون إلى إعادة تأطير معاناتهم الماضية بطريقة تقلل من وقع الحاضر، أحياناً عبر توصيف الجيل الجديد بالضعف أو الهشاشة. ويعزى ذلك، في نظرهم، إلى عوامل مثل الاستخدام المفرط للتكنولوجيا، وتغير أنماط التربية، وتحولات اجتماعية وثقافية يرونها سلبية.

وفي هذا الإطار، يصبح الحكم على مشاعر الجيل الحالي مشروطاً بهذه المقارنة، بحيث ينظر إلى قلقه أو حزنه على أنه مبالغ فيه، بحجة أن الأجيال السابقة مرت بظروف أقسى وتمكنت من التحمل.

ويوضح فرنسوا أبي راشد، 19 سنة، أنه حين يواجه هذا النوع من المقارنات، يميل إلى النقاش وشرح وجهة نظره بهدوء. فيقر بداية بأن تجربته لا تشبه تماماً ما عاشه والده أو أهله، الذين اضطروا إلى العيش تحت القصف، وخوض الحرب بشكل مباشر، وتحمل خسارات إنسانية قاسية، إضافة إلى ضغط يومي مرتبط بإمكان الموت في أي لحظة، لكنه في المقابل يشير إلى أن غياب هذا النوع من الخطر الجسدي المباشر لا يعني غياب أثر الحرب، بل إن تجربته تأخذ شكلاً مختلفاً.

فهو يرى أن ما يعيشه يتمثل في تآكل مستقبله بصورة تدرجية، إذ تتدهور الظروف الاقتصادية وترتفع الأسعار وتتوقف فرص العمل، كذلك تتعطل مسارات التعليم والحياة الطبيعية، مثل التحول المتكرر إلى التعليم من بعد. ويضيف أن المشكلة الأساسية تكمن في هذا الإحساس المستمر بعدم الاستقرار، حين يشعر أن كل محاولة لترتيب حياته أو تحسين وضعه تقابل بانتكاسة جديدة.

أطفال بلا ذاكرة سلام

هذه العبارة ليست أدبية للأسف، فلقد أعلنت منطقة "اليونيسيف" بوضوح أن الأطفال في لبنان تأثروا بقسوة بتصاعد الأعمال العدائية، وأن مئات منهم قتلوا أو جرحوا ونزح عشرات الآلاف خلال تصعيد 2024، بينما جاء التصعيد في 2026 ليكرر النمط ذاته على نحو أكثر اتساعاً.

ويذكر البنك الدولي بأن لبنان كان أصلاً غارقاً في أزمة اقتصادية طاحنة أدت إلى ارتفاع الفقر إلى 44 في المئة من السكان عام 2022 وفق تقرير نشر عام 2024، أي إن الطفل اللبناني يرث الحرب فوق أرضية من الفقر، وتعطل التعليم والهشاشة الاجتماعية وتآكل قدرة الأسرة على الاحتمال، وهكذا يصبح الكلام على جيل بلا ذاكرة سلام دقيقاً على نحو مؤلم.

فهناك أطفال ولدوا بعد 2006 ثم كبروا على صور الحرب السورية وتفجيرات الداخل والانهيار المالي وانفجار المرفأ والجبهة الجنوبية، وهناك أطفال آخرون ولدوا بعد 2019 ولم يعرفوا من الدولة إلا الإفلاس، ومن المدينة إلا الركام المتكرر، ومن الأخبار إلا العداد اليومي للخسائر.

مما يطرح سؤالاً عن قدرة الطفل أن يبني علاقة مستقرة مع العالم وهو يتعلم منذ باكورة وعيه أن البيت قد يهتز ويهدم، والأهل قد يفقدون والمدرسة قد تقفل، وغرفته بألعابها قد تتحول إلى فرشة نزوح إسفنجية رقيقة، ولا يعرف إن كان ترف الاستحمام ممكناً.

الحرب الجديدة أقل كلاسيكية

إذاً، لم تعد الحرب في لبنان طائرة تقصف وملجأ يضيق بأهله، صارت أيضاً اقتصاداً ينهار، وخريطة تهجير موقت تتحول إلى روتين، وإنذاراً يصل إلى الهاتف ومنشوراً نفسياً يهبط من السماء، وصورة طفل تحت الردم تستهلك رقمياً قبل أن تجف دموع أهله، أصبحت منظومة شاملة لإدارة الخوف.

ويبدو التنافس بين الأجيال بمن عاش حرباً أقسى سوريالياً، فجيل الأمس عاش حرب المتاريس، وجيل اليوم يعيش حرب الشبكات والأعصاب والتشظي المستمر، والنتيجة المتشابهة عبارة عن مواطن يتربى على أن الأمان موقت، وأن الحياة كلها قابلة للإلغاء بقرار ليس له فيه رأي.

وإذا طرحنا سؤال "هل يوجد جيل في لبنان من دون حرب؟" يكاد الجواب يكون لا، أو في الأقل ليس بالمعنى الكامل للكلمة، فلقد وجدت فترات أخف عنفاً من غيرها، لكن صعب العثور على جيل لبناني لم تمسه حرب مباشرة أو غير مباشرة.

فمن لم يعش القذيفة عاش النزوح، ومن لم يعش النزوح عاش التهديد، ومن لم يعش التهديد عاش الانهيار، ومن لم يخسر بيتاً خسر مدخراته، ومن لم يصب في جسده أصيب في شعوره المزمن بأن الكارثة مؤجلة فقط وليست ملغاة.

والمأساة أنه ليس فقط أن لكل جيل حربه، إنما أن كل جيل يعتقد أنه سلم الذي بعده الخبرة لتلافي الحرب، فيما هو في الحقيقة يسلمه اعتياداً خطراً على الهاوية. وحين يطبع المجتمع مع الحرب لا ينهار كل مرة بالطريقة الصاخبة نفسها، لكنه يتقن الاستمرار داخل التشوه، فيذهب الفرد إلى عمله ويرسل أولاده إلى المدرسة إذا فتحت أبوابها، ويشتري الخبز ويتبادل النكات السوداء وهو يضيف حرباً أخرى إلى سيرته وكأنها بند جديد في ملف قديم.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات