Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لبنان بعد 51 عاما: بين ذاكرة الحرب وشبح التكرار

مؤرخون يحذرون من احتمال عودتها وآخرون يستبعدونها: لا طرف يملك اليوم ضامناً خارجياً يكفل له النصر  

51 نيساناً مضت، والمقولة اللبنانية العتيقة لا تزال تُردَّد كلما اقتربت الذكرى: "تنذكر وما تنعاد" (ا ف ب)

ملخص

منذ الشرارة الأولى في الـ13 من أبريل عام 1975 وهذا البلد الصغير يرزح تحت وطأة حروب متجددة أبقته على صفيح ساخن جيلاً بعد جيل. غير أن الذكرى الـ51 تأتي هذا العام أثقل من كل سابقاتها، لأنها تُصرّ على طرح السؤال الأصعب: هل ما نشهده اليوم هو تكرار لما جرى، أم شيء أشد خطراً؟

في الـ13 من أبريل (نيسان) عام 1975، لم يتخيل أحد أن بضع رصاصات أُطلقت على حافلة في عين الرمانة ستفتح أبواب جهنم على اتساعها، وتشعل حرباً أكلت 15 عاماً من عمر الوطن، وحصدت ما يزيد على 150 ألف مواطن، وأورثت 17 ألف مفقود لا يزال ذووهم ينتظرون إجابة لن تأتي.

نصف قرن مرّ على تلك اللحظة المشؤومة، ولبنان يحيي الذكرى الـ51 وهو يعيش حرباً أخرى استُدرج إليها بقرار ليس قراره، وحملها فريق لبناني على أكتاف اللبنانيين جميعاً، فيما البلد منقسم على نفسه انقساماً عميقاً بين من يطالب بدولة ذات سيادة فعلية تحتكر السلاح وتملك وحدها قرار الحرب والسلم، ومن لا يزال يرهن مصير البلد لأجندات إقليمية، غير مكترث بالثمن الذي يدفعه. فيما في المقابل تمعن إسرائيل في لبنان إجراماً وقتلاً لا يوفر أطفالاً ولا مدنيين أو عمال إغاثة أو أطباء.

51 نيساناً مضت، والمقولة اللبنانية العتيقة لا تزال تُردَّد كلما اقتربت الذكرى: "تنذكر وما تنعاد". لكن التاريخ اليوم لا يرثي الماضي فحسب، بل يطرح سؤالاً أشدّ قسوةً وأكثر إلحاحاً: هل نحن حقاً بمنأى عن التكرار، أم أننا نُعيد رسم الخريطة ذاتها بأقلام مختلفة؟

الجرح لم يُقفل

على امتداد خمسة عقود، لم تكن الحرب اللبنانية حدثاً واحداً بقدر ما كانت سلسلة نزاعات متشابكة تتحول وتتبدل، من مواجهة مسيحية - فلسطينية، إلى اقتتال لبناني - لبناني، إلى تدخل سوري وإسرائيلي مباشر، قبل أن تدخل إيران على الخط في العقد الأخير لتتحول من راعية ظل إلى طرف رئيس بلا وكالة مضمرة. وما الحرب التي يعيشها اللبنانيون اليوم إلا انعكاساً لمواجهة إيرانية - إسرائيلية امتدت إلى الأراضي اللبنانية.

منذ الشرارة الأولى في الـ13 من أبريل عام 1975 وهذا البلد الصغير يرزح تحت وطأة حروب متجددة أبقته على صفيح ساخن جيلاً بعد جيل. غير أن الذكرى الـ51 تأتي هذا العام أثقل من كل سابقاتها، لأنها تصر على طرح السؤال الأصعب: هل ما نشهده اليوم هو تكرار لما جرى، أم شيء أشد خطراً؟

يرى المؤرخ اللبناني عصام خليفة، مستنداً إلى القوانين الدولية وقراءة متأنية للتاريخ، أن الفتن في لبنان لا تندلع مصادفة، بل تشترط دائماً تضافر ثلاثة عوامل في آن: صراع داخل الطوائف وفي ما بينها، وتوتر إقليمي، وتدخل دولي. فإذا التقت هذه الشروط الثلاثة اندلعت الفتنة في جسم لبناني هش لا يملك من المناعة ما يكفي لمقاومتها. بيد أن خليفة يرفض المقاربة الاختزالية التي تُسوّي بين مشهد 1975 ومشهد اليوم، إذ يرى أن اللاعبين تغيروا جذرياً، وأن موازين القوى لم تعد كما كانت عليه. فعلى الساحة الإقليمية والدولية برزت عوامل غائبة عن حرب 1975: صعود اليمين الإسرائيلي المتطرف ومشروع "إسرائيل الكبرى"، وأزمة رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو الداخلية التي يسعى إلى الإفلات منها عبر التصعيد الخارجي، فضلاً عن سياسة أميركية ترمبية تتهاون مع القانون الدولي، وإيران التي باتت حاضرة في كل تفصيل من تفاصيل الشأن اللبناني، على حد تعبيره.

أما على الصعيد الداخلي، فالتباين بين المشهدين لا يقل جوهرية. ففي عام 1975 كان الانقسام يجري على خط مسيحي - إسلامي واضح المعالم: الحركة الوطنية والقوى الإسلامية في مواجهة القوى المسيحية، والنظام السوري يمارس لعبته المعهودة في إثارة الفوضى والإمساك بها معاً، فيما كان السلاح الفلسطيني ورقة داخلية ضاغطة. أما اليوم، فخريطة الانقسام مختلفة: الصراع لم يعد بين الطوائف بل داخلها وعبرها، وخطه الفاصل هو الموقف من المشروع الإيراني، بين فريق يلتحق به وفريق يرفضه. ووحدها العصبيات الطائفية تبقى الجامع الأكيد بين الحقبتين، لكن بوجوه مغايرة وسلاح أفتك في يد قوى مختلفة.

احتمال الحرب واستحالتها

ويعتبر خليفة أن الحرب الأهلية لن تكون، إن عادت، نسخة طبق الأصل مما جرى. لن تكون خنادق تفصل مسلماً عن مسيحي بالمعنى الكلاسيكي الذي عرفه جيل السبعينيات. غير أن هذا لا يدفع المؤرخ عصام خليفة إلى الاطمئنان، إذ لا يتردد في القول ببساطة صريحة "الله يستر"، فهو يرى أن ملامح أية مواجهة قادمة باتت تتشكل على محورين: الأول مواجهة الدولة للسلاح الخارج عن سلطتها، والثاني خطر الفتنة المُصطنعة التي قد تتسلل عبر بوابة النزوح. فتدفق أعداد كبيرة من النازحين الشيعة جراء الحرب الإسرائيلية على الجنوب نحو مناطق ذات غالبية مسيحية وسنية ودرزية، لم يُفض إلى أزمة إنسانية وحسب، بل أسهم في تعميق الفجوة الطائفية وخلق احتقاناً اجتماعياً قابلاً للاشتعال، لا سيما حين يُصَب عليه وقود الخطاب الطائفي المتصاعد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويحذر خليفة من أن هذه الفئة النازحة تحمل معها جراحاً نفسية واجتماعية وثقافية عميقة، ولن تجد راحتها في مناطق الاستقبال التي لم تخترها. وحين يلتقي هذا الاحتقان المعيشي بخطاب التحريض الطائفي الذي يطلقه بعضهم باستهتار تتحول الاحتكاكات العابرة إلى جمر يتقد. لهذا يرى أن الرد الوطني الواجب ليس انتظار الأزمة بل اتخاذ المبادرة ورفع شعار الوحدة الوطنية فوق كل اعتبار، والضغط لإعادة أهل الجنوب إلى أرضهم، ومطالبة كل من ارتهن ولاؤه لجهة خارجية أمنياً أو عسكرياً بالعودة إلى الدستور والميثاق الوطني، وإحياء المعادلة اللبنانية الجوهرية: لا شرق ولا غرب.

ويذهب خليفة أبعد من ذلك حين يبدي قلقه الحقيقي من مشروع تفكيك المنطقة وتحويل دولها إلى دويلات طائفية، مُذكّراً بأن ما يُسمى "حدود الدم" لا يُرسم بالحبر.

في المقابل، يقف رئيس لقاء "سيدة الجبل" فارس سعيد على الضفة الأخرى من القناعة، ليجزم بثقة أن "لبنان لن يشهد حرباً أهلية. ومردّ هذه الثقة ليس تفاؤلاً عاطفياً بل قراءة في بنية الظروف الإقليمية والدولية التي يرى أنها لا توفر اليوم الوقود اللازم لإشعال هذه الحرب.

يستحضر سعيد درساً من عام 1975، "حين قامت النظرية الغالبة على حصر العنف اللبناني داخل بيروت درءاً لامتداد تداعياته نحو العواصم العربية، وحين منع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات وزير خارجية أميركا السابق هنري كيسنجر من استقباله في مطار بيروت خلص الأميركيون إلى أن الدولة اللبنانية دولة فاشلة لا تستحق الإنقاذ، واندلعت الحرب الأهلية على وقع الاستقطاب الأميركي السوفياتي، بين يمين مسيحي مدعوم من واشنطن ويسار إسلامي تحتضنه موسكو، ومع انتهاء الحرب الباردة وتوقيع (اتفاق الطائف) أُسدل الستار على تلك المعادلة الثنائية إلى غير رجعة".

اليوم، يرى سعيد أن اللبنانيين لا يريدون أن يتقاتلوا، وأن ما قد يحدث من توترات أو مناوشات يبقى من دون سقف الحرب الأهلية، لسبب جوهري هو أن أي طرف داخلي لا يملك اليوم ضامناً خارجياً يكفل له النصر. وآخر من جرّب هذه المعادلة كان "حزب الله" حين رهن جزءاً من سيادة لبنان لطهران مقابل مكتسبات أمنية وسياسية، فكان الثمن تآكل الشراكة الوطنية الداخلية. ومع اقتراب نهاية الدور الإيراني في المشهد الإقليمي، يرى سعيد أن الستار سيُسدل أيضاً على الدور التقليدي للحزب. وعليه، تبقى قناعته راسخة: لا حرب أهلية في لبنان.

جيل الثمن الباهظ

في قراءة إضافية للعوامل الموضوعية التي تشير إلى ضيق هامش الانزلاق نحو حرب أهلية مجدداً، يتحدث المتفائلون عن فارق جوهري بين جيل 1975 وجيل اليوم، فذاك الجيل أقدم على الحرب وهو لا يعرف ثمنها، فيما هذا الجيل عاش الدمار بعينيه، وتلمّس خسائر أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وما أعقبه من ويلات بيديه. وقد أفرز هذا الثمن الباهظ قناعة راسخة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين بأن لا فريق قادراً على إلغاء الآخر أو الانتصار عليه، والاقتتال لحساب أطراف خارجية لم يعُد أمراً يسيراً يمكن تسويقه أو تبريره. وإلى جانب الوعي الشعبي المفترض، فإن العامل الخارجي، أي إيران، الداعم الرئيس لـ"حزب الله"، تجد نفسها في موقع تراجع حقيقي: عقوبات اقتصادية خانقة، وأزمات داخلية متفاقمة، وقدرة متراجعة على ضخّ الدعم المالي والعسكري الذي كثيراً ما أمدّ الحزب بقوته، وهي الآن بين خيارين لا ثالث لهما: إما القبول على طاولة المفاوضات بشروط أميركية قاسية، أو العودة إلى الحرب الاستنزافية.

في الختام، 51 عاماً على اندلاع شرارة الحرب الأهلية، ولبنان لا يزال يسير على الحبل ذاته فوق الهاوية ذاتها، ولكنه هذه المرة يسير وهو يعرف ما تحته، وربما في هذه المعرفة وحدها يكمن الفارق بين التكرار والنجاة.

المزيد من تقارير