ملخص
النظام الإيراني لم يسقط على رغم الحرب، بل ازداد شراسةً في قمعه، مع تصاعد الإعدامات وتعزيز قبضة "الباسيج" بميليشيات أجنبية. وبينما تروّج واشنطن لانتصارها، يرى مراقبون أن طهران تخوض معركة بقاء قد تقرّب نهايتها، في ظل احتقان داخلي متصاعد.
في الوقت الذي كان يعلن فيه "وزير الحرب" الأميركي بنبرة احتفالية اكتمال المهمة في حرب أميركا على إيران التي استمرت 40 يوماً، وجه في الوقت نفسه دعوة سخية الطابع إلى الأشخاص الذين دمرت القنابل منازلهم وسبل عيشهم.
فقد خاطبهم في أول ظهور إعلامي له بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين في منطقة الخليج قائلاً: "أود أن أرى الشعب الإيراني يغتنم هذه الفرصة".
مع ذلك، وعلى رغم محاولة الوزير الأميركي تحريف الواقع ليشير إلى عكس ذلك، فإن النظام الخبيث في طهران لم يسقط - بل ما جرى لم يكن سوى إزالة بضعة الأسماء من رأس الهرم عن طريق اغتيالات موجهة. ويبدو أيضاً أن هذا النظام أصبح الآن أكثر تصميماً وقسوة من أي وقت مضى، في معركته من أجل البقاء.
فعلى مدى الأسابيع الثلاثة الأخيرة، عمد إلى تنفيذ جولة إضافية من الاعتقالات التعسفية والمحاكمات والإعدامات. كما جرى تعزيز قوات شرطة "الباسيج" - وهي ميليشيا ضخمة يرتدي عناصرها ملابس مدنية، وتُعرف بتغلغلها العميق في المجتمع الإيراني لقمع المعارضة - بعناصر من ميليشيات شيعية انتقلت إلى داخل إيران من العراق وباكستان وأفغانستان، وقد صُنف معظمها كجماعات إرهابية من قبل الأمم المتحدة وعواصم غربية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"الوضع سيّئ للغاية، فالنظام لا يزال مصمماً على محاربة شعبه"، هذا ما قاله لي أحد مستشاري الحكومة البريطانية، الذي تحدث شرط عدم الكشف عن هويته.
في نهاية مارس (آذار) الماضي، جرى تصوير قافلة كبيرة من الشاحنات وسيارات البيك أب التابعة لـ"هيئة الحشد الشعبي"، أثناء عبورها من العراق. وأقامت وحدات تابعة لـ"الحشد الشعبي" - مثل "كتائب حزب الله" - معسكرات لها في مدينتي خرمشهر وعبادان الاستراتيجيتين على ساحل الخليج. وذكر أحد سكان عبادان لموقع "أصوات إيران" Voices of Iran الإلكتروني المعارض، أن تلك العناصر انتشرت في قواعد "الباسيج" و"الحرس الثوري الإيراني"، مضيفاً "لذا نتوقع حدوث مجزرة جديدة في حق الشعب الإيراني".
وقال شخص آخر من سكان عبادان إن "هذه القوات جاءت لقتل الناس. لم ننسَ بعد أحداث القتل التي وقعت في يناير (كانون الثاني)، عندما استخدمتها الحكومة [الإيرانية] لقتل الناس".
وتساءل شخص آخر: "لماذا ينبغي على الجمهورية الإسلامية أن تدفع أموالاً لإرهابيي ’الحشد الشعبي‘، بل وأن تؤوي أسرهم وتطعمهم مجاناً؟".
على رغم اللهجة المتشددة، يبدو أن "الحرس الثوري الإيراني" قد وقع في حال ذعر عندما استدعى ميليشيات شبكة "حزب الله" الشيعية الأوسع نطاقاً. فالقادمون من العراق معظمهم من العرب، ومن الشرق مقاتلون بشتون من أفغانستان وباكستان. ولا يكاد أي منهم يتحدث الفارسية، اللغة الرئيسة في إيران.
ومن المتوقع أن تعزز هذه القوات صفوف "الباسيج" التي يبلغ قوامها نحو 100 ألف عنصر (مع أن النظام يقول إن عددها يقارب 250 ألفاً). وقد أسست هذه القوة عام 1979 على يد المرشد الأعلى الأول آية الله الخميني، وهي أشبه بجيش غير نظامي، يثير الخوف والازدراء في آنٍ معاً على المستوى المحلي.
في العراق، ساعدت قوات "الحشد الشعبي" في البداية حكومة بغداد على مواجهة التهديد المتزايد الذي شكلته الجماعات السنّية المسلحة، خصوصاً بعدما أعلن زعيم تلك الجماعات أبو بكر البغدادي عن قيام تنظيم "داعش" في منطقة الموصل في يونيو (حزيران) عام 2014. إلا أنه مع مرور الوقت، تراجعت صلات "الحشد الشعبي" بالنظام ذات الغالبية الشيعية في بغداد، وعندما اندلعت الحرب التي قامت بها الولايات المتحدة وإسرائيل قبل ستة أسابيع، أعلن "الحشد" دعمه لإيران.
وفي الحادي عشر من مارس (آذار) الماضي، أعلن قياديون في "كتائب حزب الله" أنهم هاجموا 291 قاعدة أميركية -عراقية مشتركة في العراق منذ بداية الحرب. وفي اليوم التالي، نفذت الولايات المتحدة 32 غارة جوية استهدفت قواعد تابعة لـ"الحشد الشعبي" على الأراضي العراقية.
الميليشيات الأفغانية والباكستانية دخلت من الشرق وتولّت مواقع "الباسيج" في نقاط استراتيجية مهمة. وقد سيطر مقاتلون من "لواء زينبيّون" الباكستاني و"لواء فاطميون" الأفغاني على حواجز تفتيش، بعدما وجدوا أنها تُدار من قبل أطفال في الثانية عشرة من العمر جرى تجنيدهم ضمن وحدات "الباسيج".
أحد سكان طهران قال تعليقاً على وجود مقاتلين أطفال في صفوف "الباسيج": "هذه هي ورقة النظام الأخيرة. إنها تظهر أنه دخل في مرحلة البقاء على قيد الحياة، ولم يعد يملك أي أوراق أخرى".
مع ذلك، لم تثنِ الحرب أو الأحداث الخارجية النظام في طهران عن مواصلة إعدام متظاهرين. فقد أقدم على تنفيذ 14 عملية إعدام شنقاً في غضون ثلاثة أسابيع. أما التهم التي وجهت إلى هؤلاء فتفاوتت ما بين إضرام النار في مركز شرطة تابع لـ"الباسيج"، و"محاربة" أو "التمرد على الله". ومن بين الضحايا كوروش كيواني، الذي كان يحمل الجنسيتين الإيرانية والسويدية، وصالح محمدي بطل المصارعة الوطنية الذي كان في سن المراهقة.
تجدر الإشارة هنا إلى أن النظام الإيراني يمتنع عن الكشف عن أماكن تنفيذ الإعدامات أو العدد الإجمالي للإعدامات التي حصلت فعلاً أو تلك التي قد تحدث قريباً. وقد أكدت وزارة العدل في البلاد للتو أن ما لا يقل عن 9 آلاف لائحة اتهام هي قيد النظر في الوقت الراهن. وكما تعلّق "منظمة العفو الدولية" بتهكم، فإن "إيران هي ثاني أكثر دولة تنفيذاً لأحكام الإعدام بعد الصين".
على رغم حملة القمع الجديدة - التي يدعمها حلفاء مرتزقة من شبكة "حزب الله"، وربما بسببها - يعتقد كثير من الإيرانيين والمراقبين أن هذه الأيام القاتمة تنذر بنهاية نظام "الجمهورية الإسلامية". وقد يتحقق ذلك خلال خمسة أشهر أو خمسة أعوام، وفقاً لما يقول البروفسور علي أنصاري من جامعة سانت أندروز. وبرأيه، فإن القتال الذي يخوضه "الحرس الثوري" و"الباسيج" ضد شعبهما معركة محدودة الزمن، ولا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.
الورقة الوحيدة التي يملكها النظام الإيراني هي إبقاء قبضته على مضيق هرمز عبر قواته المباشرة، وعلى مضيق باب المندب في البحر الأحمر من خلال وكلائه الحوثيين. إنها مهمة صعبة، خصوصاً بالنسبة إلى قوات الحرس الثوري وميليشيات "الباسيج" التابعة له، التي تواجه معارضة مستمرة في داخل البلاد وخارجها على حد سواء.
أما اليقين الوحيد في ما يتصل بآخر تباهٍ أطلقه بيت هيغسيث في شأن إيران، فهو أنه يضفي معنى جديداً تماماً على مصطلح "الشعبوية". ففي الحال الإيرانية، لم تعنِ الشعبوية تمكين الشعب، بل نقيض ذلك تماماً. فمحنة الإيرانيين لا تزال في أسوأ حالاتها، حتى بعد 40 يوماً من القصف والتفاخر من قبل دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو. ووفقاً لأحدث استطلاعات الرأي في أوساط حركة "ماغا"، فإن الحرب لم تُسهم أيضاً في تحسين مزاج الشارع الأميركي.
© The Independent