Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حرب إيران وصلت إلى العراق

بغداد تنزلق إلى صراع كثيراً ما أرادت تفاديه

دخان يتصاعد بعد غارة جوية قرب مطار كركوك الدولي، كركوك، العراق، مارس 2026 (أكو رشيد/ رويترز)

ملخص

ينزلق العراق من موقع المراقب الحذر إلى قلب الحرب الإقليمية، مع تآكل قدرته على التوازن بين واشنطن وطهران وتحول أراضيه إلى ساحة مفتوحة للصواريخ والردود المتبادلة والضغوط الاقتصادية. ومع اعتماد الدولة شبه الكامل على النفط، وتعطل مضيق هرمز، والجمود السياسي في بغداد، تتزايد مخاطر أن تعيد حرب إيران إنتاج الفوضى التي أمضى العراق سنوات محاولاً الإفلات منها.

أطلقت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران واحداً من الكوابيس التي طالما خشيها الشرق الأوسط: مواجهة إقليمية شاملة. وكان لتوسع رقعة الصراع وقع خاص على العراق، الجار الغربي لإيران.

فعلى مدى الأعوام القليلة الماضية، نجح العراق في تفادي التورط في الارتدادات التي أعقبت هجمات "حماس" خلال السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وعلى رغم علاقاته الوثيقة بطهران، تمكنت بغداد من البقاء إلى حد بعيد خارج مرمى النيران، ويرجع ذلك إلى أن الحكومتين العراقية والإيرانية عملتا على كبح الجماعات المسلحة العراقية الموالية لإيران ومنعها من الانخراط في القتال. وبرزت هذه الجماعات قوة رئيسة في البلاد بعد إسقاط الديكتاتور العراقي صدام حسين عام 2003، ثم تعاظم دورها مرة أخرى قبل نحو عقد خلال الحملات ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" المعروف أيضاً بـ"داعش". وبعد هجمات السابع من أكتوبر في إسرائيل، لم تكن بغداد ولا طهران راغبتين في تعريض الاستقرار النسبي الذي ينعم به العراق، وما يتيحه من مكاسب اقتصادية وأمنية، للخطر. وبينما جرى جر مناطق نفوذ إيراني أخرى، مثل لبنان وسوريا واليمن، إلى أتون المواجهة، انتهج العراق نهجاً حذراً قائماً على تعدد التحالفات، محافظاً على علاقاته مع كل من إيران والولايات المتحدة، في محاولة لتفادي الانجرار إلى الصراع.

غير أن الحرب الحالية تدفع هذا التوازن الهش إلى حدوده القصوى. فمع تخلي إيران عن نهج الحفاظ على الوضع الإقليمي القائم لمصلحة استراتيجية تقوم على التعطيل والاضطراب، باتت مستعدة أيضاً للمجازفة باستقرار العراق الهش. فمنذ اندلاع هذه الحرب، شنت جماعات عراقية مسلحة موالية لإيران مئات الهجمات على قواعد أميركية داخل العراق وفي دول مجاورة. واستهدفت القوات الإيرانية مواقع عدة في إقليم كردستان العراق، مما أسفر عن مقتل مقاتلين من البيشمركة، القوة الأمنية التابعة للإقليم. وطاولت الضربات أيضاً منشآت نفطية مهمة. وفي المقابل، استهدفت واشنطن مواقع مرتبطة بفصائل موالية لإيران داخل العراق، لتفتح بذلك جبهة كانت حريصة على إبقائها مغلقة خلال السنوات الأخيرة. وفي الوقت نفسه، بدأت الحرب الإقليمية الأوسع تضغط على الاقتصاد العراقي، في ظل برلمان جديد لم يتمكن بعد، عقب انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، من الاتفاق على رئيس للجمهورية أو رئيس للوزراء، مما جعله عاجزاً عن التعامل مع تداعيات الحرب. وكلما طال أمد هذه الحرب، ازداد خطر انزلاق العراق إلى الفوضى التي أمضى سنوات محاولاً الإفلات منها.

محاصر من كل الجهات

حظي امتداد الحرب مع إيران إلى دول الخليج باهتمام دولي واسع، لكن العراق تحول هو الآخر إلى ساحة مهمة في هذا الصراع. فمنذ بدء الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران، أسفرت أعمال العنف في العراق عن مقتل العشرات. فقد شنت فصائل موالية لإيران مرتبطة بـ"الحشد الشعبي"، وهو مظلة تضم جماعات مسلحة تعمل داخل مؤسسات الدولة وخارجها، هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ استهدفت السفارة الأميركية لدى بغداد، وقواعد داخل العراق تضم أفراداً أميركيين، ومواقع في إقليم كردستان ترتبط بالولايات المتحدة، مثل الفنادق. ومن جانبها، نفذت القوات الأميركية ضربات جوية استهدفت بنى تحتية ومستودعات أسلحة وقادة مرتبطين بهذه الفصائل. وربما تكون الولايات المتحدة قد بدأت حتى باستهداف مواقع ترتبط مباشرة بالجيش العراقي، إذ أعلن "الحشد الشعبي" الأسبوع الماضي أن واشنطن تقف وراء ضربات استهدفت قاعدة عسكرية عراقية ومقراً للحشد، وأسفرت عن مقتل مسؤولين أمنيين عراقيين. ومثل هذه الضربات، حتى لو استهدفت فصائل في "الحشد" موالية لإيران، ستؤدي حتماً إلى سقوط قتلى من الجنود العراقيين، نظراً إلى الترابط الوثيق في عمليات الجيش العراقي و"الحشد الشعبي". وعلى رغم أن واشنطن لم تعلن مسؤوليتها عن تلك الهجمات، أصدر رئيس الوزراء العراقي تعليماته إلى وزارة الخارجية باستدعاء القائم بالأعمال في السفارة الأميركية، ومنحت الحكومة العراقية تفويضاً رسمياً لجميع الوحدات العسكرية، بما فيها "الحشد الشعبي"، للرد على أي هجمات. وتفتح هذه التطورات الباب أمام دوامة خطرة من التصعيد المتبادل، وقد تلحق ضرراً بالعلاقات العراقية-الأميركية.

وخلال معظم الفترة التي أعقبت هجمات "حماس" في السابع من أكتوبر، سعى قادة العراق إلى منع هذا السيناريو تحديداً. فقد عملت بغداد وطهران على كبح الفصائل العراقية المدعومة من إيران خشية أن يؤدي التصعيد إلى جر العراق إلى حرب إقليمية. وكان الحفاظ على الوضع القائم في العراق، القائم على استقرار نسبي وازدهار اقتصادي، يصب في مصلحة العاصمتين. وخدم مصالح بعض أقوى الجماعات المسلحة، بما في ذلك "منظمة بدر" و"عصائب أهل الحق". فقد كانت لهذه الجماعات المرتبطة بـ"الحشد الشعبي" مصلحة كبيرة في الحفاظ على الوضع القائم في العراق، بعدما راكمت نفوذاً سياسياً وقوة اقتصادية عقب اندماجها في مؤسسات الدولة، ولا سيما منذ الحرب ضد "داعش" قبل عقد. وكان ذلك يصب أيضاً في مصلحة طهران، إذ شكل العراق حاجزاً أمنياً حيوياً يحمي جناحها الغربي من التهديدات العابرة للحدود، مثل هجمات الجماعات السنية المسلحة. ويمثل العراق شرياناً اقتصادياً لإيران، إذ تسهل شبكاته المصرفية الوصول إلى الدولار الأميركي، وتلتف طهران على العقوبات من خلال بيع النفط والغاز إلى العراق، وعبر ترتيبات من قبيل خلط الوقود الإيراني بالصادرات العراقية.

وبعدما هاجمت إحدى الجماعات المسلحة العراقية، وهي "كتائب حزب الله"، موقعاً عسكرياً أميركياً في الأردن خلال يناير (كانون الثاني) 2024، مما أدى إلى مقتل ثلاثة عسكريين أميركيين، سارع مسؤولون إيرانيون وقيادات في "الحشد الشعبي" إلى الضغط على الجماعة لوقف الهجمات. وفي يونيو (حزيران) 2025، خلال حرب الأيام الـ12، ثنت طهران أيضاً الميليشيات العراقية عن الانخراط في القتال.

تمثل صادرات النفط أكثر من 90 في المئة من إيرادات الحكومة العراقية

 

لكن هذا النهج القائم على ضبط النفس بدأ يتآكل. فمع تعمق المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، تعيد طهران توجيه استراتيجيتها من التركيز على الحفاظ على الوضع القائم، الذي بات كثير من المسؤولين الإيرانيين يرونه نهجاً فاشلاً، إلى نهج يقوم على خوض ما تعتبره معركة وجودية. وهذا يعني مزيداً من الضربات ضد أهداف أميركية في العراق، وضد أهداف في إقليم كردستان العراق، الذي ينظر إليه مسؤولون إيرانيون على أنه وثيق الصلة بالولايات المتحدة وإسرائيل. وترى قيادات في بعض فصائل "الحشد الشعبي" الكبرى أن الصراع مضر بالأعمال والمصالح، لكن الفصائل الأكثر اندفاعاً تملك دوافع أقل للحفاظ على الاستقرار. فالتزاماتها الأيديولوجية ومصالحها الأمنية وشبكاتها الاقتصادية، كلها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بقدرة إيران على بسط نفوذها في المنطقة. وكلما ازدادت طهران ضعفاً بفعل الحرب، تعاظمت أخطار فقدان هذه الفصائل راعيها ونفوذها داخل العراق وعلى مستوى الإقليم.

ولا تبدو الحكومة في بغداد مجهزة جيداً لمنع هذه الأطراف من تنفيذ الهجمات. فالقطاع الأمني في العراق لا يزال شديد التشرذم، ورئيس الوزراء، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، لا يملك سوى سلطة محدودة على الجماعات المسلحة. وحتى قيادة "الحشد الشعبي" تجد صعوبة في ضبطها. ويعود هذا التفتت جزئياً إلى إرث الغزو والاحتلال الأميركيين للعراق عام 2003، وجزئياً إلى الضربة الأميركية عام 2020 التي أسفرت عن مقتل القائد الإيراني قاسم سليماني وزعيم "الحشد الشعبي" أبو مهدي المهندس، وهما الشخصيتان اللتان كانتا الأكثر قدرة على تنسيق وضبط شبكة الميليشيات العراقية.

ونتيجة لذلك، يتزايد خطر انزلاق العراق إلى صراع داخلي أعمق. ويؤكد مقتل ضابط في جهاز الاستخبارات الوطني العراقي على يد ميليشيات موالية لإيران خلال الـ21 من مارس (آذار) الماضي أن هذه الجماعات، التي طالما نظرت إلى الدولة العراقية بريبة وعدتها منحازة أكثر مما ينبغي إلى واشنطن، قد تتجه بصورة متزايدة إلى توجيه سلاحها نحو الدولة نفسها. وكان ذلك الهجوم بمثابة رسالة تحذير إلى بغداد كي تتوقف عن محاولات الحد من نفوذ هذه الفصائل ونزع سلاحها. لكن مواصلة هذه الجهود تظل ضرورية لأمن العراق الداخلي، وتزداد أهميتها أيضاً لموقعه الإقليمي. فقد أصدرت دول خليجية عزز العراق علاقاته بها، هي البحرين والأردن والكويت وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة، بياناً مشتركاً دانت فيه الهجمات التي تنفذها جهات موالية لإيران، ولا سيما تلك التي تنطلق من العراق. وكلما طال أمد الحرب، ارتفعت احتمالات تعرض شراكات العراق الجديدة في الخليج، التي توفر فرصاً اقتصادية وتنويعاً في مصادر الطاقة وبدائل من الاعتماد على إيران، لانتكاسات.

مضيق الخطر

على الصعيد الاقتصادي، يظل العراق شديد الهشاشة أمام تداعيات حرب إقليمية طويلة الأمد. فاستقراره المالي يعتمد بصورة طاغية على صادرات النفط، التي تمثل أكثر من 90 في المئة من إيرادات الدولة، وتمول قطاعه العام الذي يعد من الأكبر في الشرق الأوسط. وأي اضطراب في إنتاج النفط أو البنية التحتية للتصدير أو طرق الشحن عبر مضيق هرمز يشكل خطراً مباشراً على قدرة الدولة العراقية على دفع الرواتب، والحفاظ على الخدمات العامة، واحتواء السخط الشعبي.

وحتى قبل تصعيد النزاع الحالي، كان الاقتصاد العراقي يواجه ضغوطاً متزايدة. فعدد السكان ينمو بسرعة، وخلال الأعوام القليلة الماضية دخل الشباب إلى سوق العمل بأعداد تفوق كثيراً الفرص المتاحة في القطاع الخاص. واستجابة لذلك، وسعت الحكومة التوظيف في القطاع العام بصورة كبيرة، حتى باتت الوظائف الحكومية الآلية الرئيسة التي يلجأ إليها القادة العراقيون لاحتواء الإحباط الاجتماعي. وكان هذا النموذج قابلاً للاستمرار اقتصادياً لفترة، لأن ارتفاع أسعار النفط وفر لبغداد عائدات كبيرة مولت رواتب مئات الآلاف من الموظفين الجدد.

لكن هذه الاستراتيجية جعلت الدولة مكشوفة مالياً. ففي الأشهر الأخيرة، أثارت خطط تأجيل صرف الرواتب والتعديلات على مزايا القطاع العام قلق الموظفين الحكوميين والرأي العام الأوسع. وظل الإنفاق الحكومي مرتفعاً خلال وقت تراجعت فيه عائدات النفط، مما زاد الضغوط على الوضع المالي للعراق. وحتى قبل اندلاع الحرب، ظهرت احتجاجات صغيرة لكنها متواصلة في عدد من المدن العراقية، قادتها غالباً فئات مهنية محددة أو مجتمعات محلية، للمطالبة بوظائف أو ضمانات للرواتب أو الحفاظ على المزايا، في مؤشرات مبكرة على استياء اقتصادي أوسع.

تعيد الحرب الإقليمية تشكيل النقاشات في العراق حول العلاقة مع إيران

 

والآن تنذر الحرب بتفاقم هذه الضغوط. فقد أدى إغلاق مضيق هرمز في مطلع مارس الماضي إلى تراجع إنتاج النفط العراقي من نحو 4.2 مليون برميل يومياً إلى قرابة 1.4 مليون، موجهاً ضربة قاسية إلى المصدر الرئيس لإيرادات الحكومة. وشنت فصائل موالية لإيران هجمات على ناقلات النفط والبنية التحتية للطاقة في العراق. وقد هزت هذه الصدمة ثقة المستثمرين خلال وقت كانت فيه شركات طاقة دولية كبرى، مثل "بي بي" و"توتال إنرجيز" و"شيفرون"، تبدأ في العودة إلى قطاع الطاقة العراقي، الذي لم يكن قد استعاد إلا أخيراً قدراً من الاستقرار بعد الاضطرابات التي تسبب بها تنظيم "الدولة الإسلامية" خلال العقد الماضي. واليوم، اضطرت الحكومة العراقية إلى وقف عمليات الحقول النفطية التي تديرها شركات أجنبية، بموجب إطار قانوني يعرف بـ"القوة القاهرة"، لأنها ببساطة لم تعد قادرة على نقل النفط الذي تنتجه تلك الحقول.

وليس أمام بغداد إلا خيارات محدودة للبحث عن مصادر دخل بديلة. فبخلاف منتجي الخليج الآخرين، الذين يمكنهم إعادة توجيه صادراتهم النفطية براً أو عبر البحر الأحمر، أو الاعتماد على قدرات التخزين والاحتياطات المالية المتراكمة، لا يملك العراق سوى بدائل محدودة عن تصدير نفطه عبر مضيق هرمز. فالبديل الجدي الوحيد لتصدير النفط من ميناء البصرة الجنوبي هو خط أنابيب كركوك-تركيا، الذي يعبر إقليم كردستان العراق في طريقه إلى البحر المتوسط. لكن هذا الخط لا يستطيع نقل أكثر من 250 ألف برميل يومياً، وهي نسبة ضئيلة من الكميات التي تصدر عادة عبر البصرة.

وعلاوة على ذلك، لا يزال العراق يعتمد بصورة كبيرة على إيران في استيراد الغاز الطبيعي والكهرباء لتغذية شبكته المحلية. وتكتسب هذه الواردات أهمية خاصة خلال الصيف، حين تبلغ درجات الحرارة في كثير من الأحيان 120 فهرنهايت أو تتجاوزها، ويقفز الطلب على الكهرباء. وحتى في مايو (أيار)، قد تقترب الحرارة من 100 درجة. وفي مثل هذه الظروف، كانت أزمات انقطاع الكهرباء تاريخياً سبباً في اندلاع موجات من الاحتجاجات الشعبية. ومن شأن أي اضطراب في إنتاج الطاقة الإيرانية أو صادراتها أن يفاقم هذه الأزمة في ذروة الطلب.

ولا تقتصر متاعب بغداد الاقتصادية على قطاع الطاقة. فالعراق يعتمد بصورة كبيرة على استيراد الغذاء والدواء والسلع الاستهلاكية عبر حدوده مع إيران أو من خلال موانئه الجنوبية المطلة على الخليج. وقد أدى الاضطراب الناجم عن الحرب بالفعل إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وزيادة الضغوط على الدينار العراقي. وتسببت زيادة كلفة الوقود وتعطل إمدادات الطاقة في تشكل طوابير طويلة أمام محطات الوقود داخل عدد من المناطق. وقد تؤدي هذه الضغوط مجتمعة، في مرحلة ما، إلى إعادة إشعال موجات الاضطراب التي غذتها مظالم اجتماعية واقتصادية مماثلة في السنوات الأخيرة، حين خرج محتجون إلى الشوارع ليواجهوا بقمع عنيف.

بغداد بلا دفة

تتزامن هذه الحرب أيضاً مع حال جمود سياسي مطول ومحتدم. فبعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في نوفمبر 2025 ولم تفرز غالبية حاسمة، لا تزال القوى السياسية العراقية في حال استقطاب حاد، ولم تحقق أشهر من المفاوضات في شأن اختيار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، المنصبين اللذين يشغلهما تقليدياً ممثل كردي وآخر شيعي على التوالي، أي تقدم يذكر. وأفضى هذا المأزق إلى ترك إدارة شؤون البلاد في يد حكومة تصريف أعمال ضعيفة، تفتقر إلى الصلاحية الكافية للتعامل مع تصاعد الأزمة الإقليمية أو لحماية البنية التحتية الحيوية والسكان من تداعيات الحرب.

وأدى هذا الفراغ السياسي أيضاً إلى زيادة التوتر في العلاقة بين الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان. وكانت هذه العلاقة قد شهدت توتراً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة، مع تحول ميزان القوى السياسية تدريجاً لمصلحة الحكومة المركزية، في ظل أحكام قضائية اتحادية وإجراءات أخرى حدت من استقلالية أربيل في ملفي النفط والمالية. ويزداد تشكك القادة الأكراد إزاء عجز الحكومة الاتحادية عن منع الجماعات المسلحة العراقية الموالية لإيران من شن هجمات بطائرات مسيرة على مواقع في إقليم كردستان. وفي الوقت نفسه، يواجه الإقليم الكردي الأوسع، الممتد عبر إيران والعراق وسوريا وتركيا، خطر الانخراط بصورة أعمق في الصراع، في ظل بحث مسؤولين أميركيين وإسرائيليين إمكان تأجيج انتفاضة بين الأكراد الإيرانيين للضغط على النظام في طهران. وعلى رغم أن ترمب قال في مطلع مارس الماضي إنه لا يريد للأكراد أن ينخرطوا في الحرب، فإن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قدمت، بحسب تقارير إعلامية عدة، دعماً لبعض هذه الجماعات. وجعل احتمال انتفاضة كردية مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل إقليم كردستان العراق هدفاً مباشراً لانتقام إيراني.

وتعيد الحرب الإقليمية تشكيل النقاشات داخل الطبقة السياسية العراقية حول علاقة البلاد بإيران. فبعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، لم يقتصر الأمر على تغيير النظام، بل جرى تفكيك الدولة العراقية واستبدل نظام سياسي مجزأ بها. وفي الفراغ الذي أعقب ذلك، وجدت إيران فرصة استراتيجية لتوسيع نفوذها في بلد كان يعد خصماً لدوداً لها، ولا سيما بعد غزو صدام حسين لإيران عام 1980، وما تبعه من حرب مدمرة استمرت ثماني سنوات بين البلدين. وخلال العقدين الماضيين، مارست طهران نفوذاً واسعاً على المؤسسات السياسية والاقتصادية والأمنية في العراق. فقد أثرت في شغل المناصب الرئيسة، ونسجت علاقات مع نخب سياسية وأحزاب تمارس نفوذاً غير رسمي على القرارات الاقتصادية والأمنية والسياسية الكبرى في البلاد. وامتد هذا النفوذ عبر شبكة كثيفة من الفصائل المسلحة الموالية لإيران، مكن انتشارها داخل مؤسسات الدولة الأمنية والسياسية طهران من توجيه السياسات وتقييد أية خطوات تتعارض مع مصالحها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى بعض السياسيين العراقيين اليوم، بصورة غير معلنة، في المواجهة الإقليمية الراهنة فرصة محتملة لتخفيف هذا النفوذ. إذ تدعو الأجنحة الأكثر ميلاً إلى النزعة الوطنية داخل النخبة السياسية إلى أن تستعيد الدولة سيادتها، وأن تحد من استقلالية الفصائل المسلحة، وأن تعيد التوازن إلى علاقات العراق الخارجية، ولا سيما عبر تعزيز الروابط مع دول الخليج العربية والولايات المتحدة. لكن كثراً يخشون أيضاً أن يؤدي إضعاف إيران، أو انخراطها في ما تعتبره معركة وجودية مع تزايد استعدادها لزعزعة الوضع الإقليمي، إلى مزيد من عدم الاستقرار في العراق. ويقدم السلوك الإيراني في مضيق هرمز مثالاً واضحاً على ذلك، إذ اضطر مسؤولون عراقيون، على رغم علاقاتهم الوثيقة بطهران، إلى التفاوض من أجل السماح لناقلاتهم بالعبور، وفي كثير من الحالات من دون جدوى.

الحد من الأضرار

وضعت الحرب الدائرة مع إيران العراق بالفعل في موقع أصعب بكثير مما كان عليه من قبل. ومع استمرارها، يرجح أن تتفاقم هذه الأعباء على جبهات عدة: تصاعد عنف الميليشيات، وتراجع الأوضاع المالية لدولة تعتمد على النفط، واستمرار الجمود السياسي، واحتمال مواصلة الولايات المتحدة استهداف "الحشد الشعبي".

وتبقى خيارات بغداد في مواجهة هذه التحديات محدودة. فالعوامل التي تدفع نحو التصعيد تقع إلى حد كبير خارج نطاق سيطرة القادة العراقيين. ويبدو أن إيران باتت أكثر استعداداً لتحمل قدر أكبر من عدم الاستقرار الإقليمي مع احتدام مواجهتها مع إسرائيل والولايات المتحدة. ومن المرجح أن يتحمل العراق، بحكم ارتباطاته الجغرافية والسياسية والاقتصادية بإيران، ووجود قوات غربية على أراضيه، قسطاً كبيراً من الضغوط الناجمة عن ذلك.

وما يحتاج إليه العراق لتفادي مزيد من الفوضى هو أن تنتهي هذه الحرب. وحتى يحدث ذلك، سيتعين على القادة العراقيين تقليص تعرض البلاد لتداعيات النزاع قدر الإمكان، عبر حماية البنية التحتية الحيوية للطاقة، وإيجاد مسارات بديلة للتصدير مثل خط كركوك-تركيا، والحد من الهجمات التي تنطلق من الأراضي العراقية وقد تستجلب رداً أوسع. وينبغي لبغداد تعزيز التعاون التجاري والتعاون في مجال الطاقة مع دول الجوار الأخرى، والبناء على ما بدأ يتبلور في السنوات الأخيرة من توسع في التبادل التجاري وبوادر ثقة هشة. وعلى رغم أن أياً من هذه الخطوات لن يكون كافياً لعزل العراق تماماً عن ارتدادات الحرب، فإنها قد تسهم في منع مزيد من زعزعة الاستقرار.

لقد أعاد الغزو الأميركي للعراق عام 2003 تشكيل الشرق الأوسط على نحو لم يتوقعه كثير من صناع القرار، وكان من بين نتائجه فتح المجال أمام اتساع النفوذ الإقليمي الإيراني. وقد تفضي الحرب الأميركية الحالية إلى عواقب غير متوقعة بدورها. والعراق واحد من أكثر الأماكن التي يرجح أن تظهر فيها هذه الارتدادات، وربما من أصعبها احتواء.

 

ترجمة عن "فورين أفيرز"، الـ31 من مارس 2026

ريناد منصور، باحث أول ومدير مشروع مبادرة العراق في تشاتام هاوس.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء