ملخص
تشير المعطيات الميدانية إلى بوادر تحول في نمط العمليات الأميركية نحو إعداد محتمل لمرحلة برية، إذ إن نشر طائرات الدعم الجوي القريب من طراز "A-10" بالتوازي مع استهداف منظومات المدفعية والصواريخ والمواقع الحدودية، يعكس تهيئة لساحة المعركة قبل أي دخول بري محتمل.
ليست السياسة الخارجية إدارة للقوة فقط بل إدارة للإدراك، فخطأ الحسابات وسوء تقدير الطرف الآخر بما يعني نياته وحدود رد فعله، هي أهم عوامل فشل السياسة الخارجية بشقيها في السلم والحرب، وتعد الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية مثالاً لسوء تقدير الفعل ورد الفعل، فبينما أراد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضربة سريعة حاسمة فقد حولتها إيران إلى حرب استنزاف طويلة الأمد غير محسومة، وبينما كانت توقعات واشنطن وإسرائيل أن الرد الإيراني سيكون على غرار ما حدث خلال مواجهات عام 2024 وحرب الـ12 يوماً حين صعدت إيران في ردها على نحو يهدد بدخول العالم في أزمة اقتصادية عالمية.
ومن ثم كيف اختلف الرد الإيراني عما سبق وهي التي تجاهلت محاولات جر إسرائيل لها على مدار الأعوام الثلاثة الماضية حتى خسرت إيران أهم حلفائها حسن نصرالله وبشار الأسد؟ وكيف تجرأت إيران على المساس بالخطوط الحمر لمصالح النظام العالمي.
إحدى السمات الجوهرية للإستراتيجية الإيرانية خلال الحرب الجارية الآن، هي استغلال الوقت كسلاح، أي الاعتماد على طول أمد الصراع، بما جعلها حرب استنزاف. فكل تأخير في الحسم العسكري يزيد الضغوط على الطرف الآخر ويعطي إيران مزيداً من المرونة للتكيف مع التحديات الاقتصادية والسياسية. كما عملت إيران على الردع متعدد الجبهات، بحيث لا تعتمد على قوتها العسكرية المباشرة فقط، بل تقوم بتفعيل شبكة حلفاء إقليمية في لبنان واليمن وسوريا، ما يسمح بفتح جبهات عدة وتحويل الضغوط على خصومها إلى صعوبة إستراتيجية، هذا النهج يعزز قدرتها على فرض الكلفة على أي تدخل خارجي، ويجعل من الصعب تحقيق نتيجة حاسمة بسرعة.
الأهم كان توظيف ورقة مضيق هرمز، حيث تتحكم إيران في تهديد مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. هذه الورقة تمنحها قوة ضغط اقتصادية مباشرة على الولايات المتحدة والأسواق العالمية، كما تزيد من تعقيد أية محاولة للتصعيد العسكري، لأنها قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة الضغوط الاقتصادية العالمية. في الماضي اعتادت إيران على التهديد بغلق المضيق لكنها لم تكن تملك الجرأة على تعطيل الملاحة فيه، لذا أهم تداعيات تلك الحرب والتي ستترك أثراً في المستقبل هي الإقدام على تعطيل الملاحة بالمضيق، ومن ثم يطرح التساؤل عما يمكن ترتيبه بعد الحرب لمنع إيران مستقبلاً من استخدام ورقة المضيق كلما أرادت الضغط على الولايات المتحدة.
وفي ظل الحرب لم تكن المعضلة مستقبل ورقة مضيق هرمز بل مصير اليورانيوم عالي التخصيب لدى إيران، فإذا لم تحل مسألة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60 في المئة والتي تبلغ نحو 440 كيلوغرام، فمن المؤكد أن النظام السياسي القائم في إيران الآن والذي يسيطر عليه الحرس الثوري سيعمل على تطوير سلاح نووي سري كأداة ردع تمنع أية هجمات مستقبلية عليه لضمان أمن النظام، ومن ثم فلابد من العمل على حل مسألة اليورانيوم عالي التخصيب عبر المسار السياسي، ووفق اتفاق دولي.
لقد عملت إيران على فرض الكلفة على الخصوم، والحفاظ على أوراق قوة إستراتيجية، لكن لحقت بها أضرار في البنية التحتية واستنزاف الموارد وضغط داخلي متزايد. لقد فرضت الحرب على إيران كلفة الاستنزاف والضرر البنيوي.
لقد دفعت إيران وما زالت ثمناً باهظاً، فقد أدت الضربات إلى إضعاف البنية التحتية والقدرات العسكرية، بخاصة في القطاعات الصناعية واللوجستية، ما انعكس على القدرة التشغيلية والاقتصادية للدولة، واقتصادياً، عمقت الحرب من الأزمات القائمة، حيث تراجع الإنتاج واضطربت التجارة، فضلاً عما ستعانيه مستقبلاً من ارتفاع كلفة إعادة الإعمار.
وعلى رغم ذلك فإن سياسة الاستنزاف وإطالة أمد الحرب التي تنتهجها إيران، حيث تعتقد أنها في غير موقف ضعف، فإن الحرب فرضت نمط استنزاف طويل الأمد، حيث تتآكل الموارد تدريجياً من دون حسم. كما زادت أخطار الانزلاق إلى تصعيد أوسع قد يضع إيران في مواجهة مباشرة غير متكافئة.
أما داخلياً، ومع مرور الوقت، تتحول الضغوط الاقتصادية إلى تحديات اجتماعية وسياسية، مما يهدد بتآكل جزء من التماسك الذي عززته الحرب في بدايتها. أما على مستوى التنافس السياسي الداخلي بين التيارات السياسية الإيرانية، فمن المرجح أن التوازن الذي كان سائداً في ظل سياسة المرشد السابق علي خامنئي والقائمة على وجود نخبة مغلقة من التيارين الإصلاحي والبراغماتي والمتشدد، فإنه في ظل عسكرة النظام الإيراني وسيطرة الدوائر الأمنية والعسكرية الممثلة في الحرس الثوري على مقاليد السلطة سياسياً وعسكرياً وميدانياً بل وحتى اقتصادياً فعائدات بيع النفط ومرور السفن في مضيق هرمز الآن عبر الممر الآمن الذي أنشأته إيران بعد الحرب الآن يحصلها الحرس الثوري، بعد انتهاء الحرب لن توجد هذه التوازنات بين التيارات الإصلاحية والمتشددة.
كما عادت إيران لتوظيف سياسة تشبيك الملفات، فهي لا تتفاوض على النووي فقط، بل تربط مضيق هرمز والعقوبات والحرب الإقليمية، وتعمل على استغلال تناقض تصريحات ترمب سياسياً وإعلامياً بالترويج لفشل الحرب عليها، وبحث ترمب عن مخرج بعد تغيير أهدافه.
على الجانب الآخر، فإن إعلان دونالد ترمب أن الولايات المتحدة تعتزم الخروج من إيران بسرعة كبيرة، مع إبقاء خيار العودة لتنفيذ ضربات محدودة ضد أهداف إيرانية إذا لزم الأمر، في إشارة واضحة إلى تبني إستراتيجية تدخل مرن بدلاً من الدخول طويل الأمد.
ومع تصريحه بعد ذلك خلال خطابه للأمة الأخير بأن حرب إيران ستنتهي خلال ثلاثة أسابيع، كل التصريحات المتناقضة لترامب تكشف تناقضاً كبيراً في الإستراتيجية الأميركية خلال الحرب مع إيران، فقد أشار ترمب إلى ضربات محدودة بدل الحرب المفتوحة، فرغم عدم تحديد جدول زمني واضح لإنهاء الحرب، أشار إلى أن الانسحاب قد يتم قريباً، مع اعتماد نهج يقوم على تقليص الوجود العسكري المباشر والاعتماد على ضربات انتقائية عند الحاجة، هذا النموذج يعكس محاولة لتقليل الكلفة السياسية والعسكرية، من دون التخلي الكامل عن أدوات الضغط.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من جهة أخرى، تشير المعطيات الميدانية إلى بوادر تحول في نمط العمليات الأميركية، نحو إعداد محتمل لمرحلة برية. إذ إن نشر طائرات الدعم الجوي القريب من طراز "A-10" بالتوازي مع استهداف منظومات المدفعية والصواريخ والمواقع الحدودية، يعكس تهيئة لساحة المعركة قبل أي دخول بري محتمل. وفي هذا السياق، فإن الجمع بين ضربات تستهدف البنية النارية لإيران، وإدخال أصول مخصصة للدعم القريب، يعزز فرضية الانتقال من حملة جوية إلى مرحلة إعداد لسيناريوهات برية.
وعلى رغم أن هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة اتخاذ قرار نهائي بالتصعيد البري، فإنها تفتح المجال أمام تكهنات بأن التحركات الجارية هي محاولة لبناء خيارات عدة على الأرض، بما يمنح صانع القرار الأميركي مرونة أكبر بين الاستمرار في الضغط الجوي أو الانتقال إلى عمليات أكثر تعقيداً، قد تشمل عمليات برية محدودة للسيطرة على اليورانيوم عالي التخصيب أو السيطرة على جزيرة خرج للضغط على إيران أو السيطرة على الجزر القريبة من إيران لتأمين الملاحة في المضيق، لكنها كلها عمليات تنطوي على أخطار عالية منها تحدي الوصول لتلك الأهداف وتحدي القتال والسيطرة، في ظل القرب من الصواريخ الإيرانية قصيرة المدى، وتوظيف إيران لتكتيكات الحروب الهجينة أو حروب العصابات، فمما لا شك تتحسب إيران في ضوء التحركات والتعزيزات العسكرية الأميركية الجارية الآن لاحتمالات عمل بري محدود، ولا يفوتنا أن إيران دولة قادرة على صنع الميليشيات المسلحة وقد تجلى ذلك بدءاً من "حزب الله" مروراً بالميليشيات العراقية وانتهاء بفيلقي زينبيون وفاطميون في سوريا خلال الحرب الأهلية.
لقد عكست تصريحات ترمب محاولة لإعادة صياغة الإستراتيجية الأميركية من حرب مفتوحة إلى إدارة صراع منخفض الحدة قائم على الضربات المحدودة ثم التهديد بإعادة إيران للعصر الحجري، في حين قامت إستراتيجية إيران على التحول من استجابة محدودة للتعامل مع حرب استنزاف مفتوحة طويلة الأمد.
لكن هذا التحول في الإستراتيجية الأميركية يطرح إشكالات إستراتيجية، أولها يتعلق بالأسئلة حول هل يمكن تحقيق ردع مستدام من دون وجود عسكري دائم؟ وهل ستمنع "الضربات المحدودة" إيران من إعادة بناء قدراتها؟ أم أنها ستؤسس لدورة متكررة من التصعيد والاحتواء؟
ثانياً، وفقاُ لتغير سياق الحرب الأخيرة مع إيران عن نمط المواجهة بينها وبين إسرائيل عام 2024 وخلال حرب الـ12 يوماً، فالحربان يمثلان نمط المواجهات العسكرية القائم على الضربات المحدودة والسريعة والتي وجهت نحو أهداف محددة هي القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية فقط، فكان الرد الإيراني كذلك محدوداً ويتناسب مع فترة الحرب القصيرة ورغبة إيران في عدم الانجرار لحرب أكبر مع إسرائيل، لكن ما حدث خلال الحرب الأخيرة والتي اعتبرت إيران أن الرد لا بد من أن يكون كبيراً حتى لو الضربات محدودة من الجانب الأميركي والإسرائيلي.
لكن الإستراتيجية الإيرانية بنيت على أنه لابد من استعادة الردع ثم هدف الحفاظ على بقاء النظام، مما دفع إيران إلى التصعيد والرغبة في رفع كلفة الحرب عليها إقليمياً ودولياً بل محاولة التأثير سلباً على ترمب داخل الولايات المتحدة.
ثالثاً، في ما يتعلق بكميات اليورانيوم عالي التخصيب قلل ترمب من أهميتها، مشيراً إلى إمكان مراقبتها عبر الأقمار الاصطناعية، فهل تدخل تلك التصريحات في إطار المناورات والخديعة التي اعتادها العالم في طريقة ترمب ومن ثم يجري التجهيز لعملية برية محدودة؟ أم يرحل ترمب المسألة الإيرانية لقادة المستقبل؟
في هذا السياق لابد من الإشارة إلى أنه ما لم تحل قضية مضيق هرمز على أساس تفاهم وحوار إقليمي بالأساس وضمانات دولية تشمل الصين، وكذلك مسألة النووي الإيراني، فإن المنطقة بصدد التعرض المستمر لخطر عودة المواجهات بين إيران وإسرائيل مجدداً وإن كان في شكل ضربات محدودة، ومن ثم فإنه حتى لو انسحب ترمب وعاد مرات أخرى لمواجهة إيران من خلال الضربات المحدودة، ستوظف إيران أوراقها التي اختبرتها للمرة الأولى خلال الحرب الجارية الآن، ومنها محاولة إجلاء القوات الأميركية الموجودة في العراق، والضغط على الاقتصاد العالمي عبر مضيق هرمز، إعمالاً بالقول إن هناك أول مرة لكل شيء.