Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الدرس البريطاني الصعب في حرب إيران

ستارمر يحلم بـ"صمود داخلي" في مواجهة الأزمات التي يشعلها بوتين وترمب حول العالم

كير ستارمر رفض انخراط بريطانيا في الحرب على إيران (غيتي) 

ملخص

يقول رئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر إن تأثر شعبه بالأزمات التي يفجرها الرئيسان الأميركي والروسي حول العالم لم يعد مقبولاً، ولكن هل يمكن فعلاً للمملكة المتحدة والقارة الأوروبية عموماً أن تستقل اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً عن الولايات المتحدة.

سئم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من تأثر بلاده بقرارات الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين، فكتب في صحيفة "تليغراف" أن ارتفاع فواتير العائلات في المملكة المتحدة كلما قرر بوتين أو ترمب خلق أزمة في العالم، أمر لم يعد مقبولاً بالنسبة إلى حكومته ولابد من إيجاد حلول له.

يقول رئيس الوزراء إنه قد حان الوقت لتبني بريطانيا "مناعتها" الخاصة تجاه تلك التقلبات الخارجية التي تنعكس على حياة السكان وكلفة معيشتهم، لكن "الصمود الداخلي" الذي يحلم به ستارمر ليس في متناول اليد ببساطة، ويحتاج إلى قرارات صعبة لا تخص المملكة المتحدة وحدها ربما وإنما عموم أوروبا.

يرى ستارمر "صمود" بلاده امتداداً لصمود جيرانه في القارة العجوز، لكن الاتحاد الأوروبي ليس على قلب رجل واحد سواء إزاء العلاقة مع ترمب أو الخصومة مع بوتين، كما أن جراح "استقلال" بريطانيا عن الاتحاد خلال عام 2021 لم تلتئم بعد، وما زالت بروكسل مترددة في الانفتاح غير المشروط على لندن.

الحاجة إلى "الصمود الداخلي" هو درس صعب تعلمته بريطانيا في حرب أميركا وإسرائيل على إيران، تلك المواجهة التي أشعلت منطقة الشرق الأوسط بكاملها، وحملت تداعيات كثيرة على العالم في مجالات مختلفة على رأسها الاقتصاد، بعدما أغلقت طهران مضيق هرمز في وجه إمدادات الطاقة للشرق والغرب.

حرب إيران قررها ترمب وتورطت فيها دول أوروبا، وقبلها بوتين عام 2022 أعلن الحرب على أوكرانيا وتورطت فيها القارة أيضاً، ربما يختلف دور ومأزق الأوروبيين في الحربين، ولكن النتيجة واحدة، جبهات قتال تستنزف الاقتصادات وتضغط على الحكومات وتحدث تغيرات وتبدلات في المزاج الشعبي.

بينما كان ستارمر يتحدث عن سأمه من العيش في أزمات بوتين وترمب، كانت سفن موسكو الحربية ترافق "أسطول الظل" الذي يجوب المياه القريبة من بريطانيا ناقلاً النفط الذي تبيعه روسيا لتنفق على حرب أوكرانيا، وتتهرب من عقوبات الغرب على اقتصادها، فترفع العبء عن شعبها وتبقيه على الأوروبيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تزامناً مع حديث ستارمر عن "الصمود الداخلي" أيضاً، كان وزير دفاعه جون هيلي يتحدث عن عملية سرية لموسكو امتدت شهراً في بحر الشمال، قرب كابلات يستخدمها البريطانيون في حياتهم الإلكترونية، قال هيلي إن العملية الروسية لم تحمل ضرراً، لكن ماذا كان بوسع لندن أن تفعل لو حدث عكس ذلك؟

بحسب وزير الدفاع تخبئ بريطانيا في جعبتها ما يكفي من قدرة لمواجهة عملية روسية من هذا النوع، كما أن الحكومة ضخت مزيداً من الأموال لتعزيز إمكانات قواتها البحرية في ضرب الغواصات واستهداف السفن المعادية في المياه الإقليمية والمجاورة، لكن التجربة هي القول الفصل بين الواقع والتنظير.

و"السأم" حمل ستارمر في اليوم الأول من هدنة حرب إيران، للاطمئنان على تحالفات بلاده في الشرق الأوسط، لكن تقريراً لصحيفة "تلغراف" تهكم على محاولة رئيس الوزراء، ولمح إلى أن استعادة الثقة لن تحدث عبر زيارات متفرقة للمسؤولين البريطانيين، أو تصريحاتهم في شأن ضرورة فتح مضيق هرمز.

السؤال الملح الآن هو حول كيفية تحقيق "الصمود الداخلي" الذي يحلم به ستارمر في ظل ما تعيشه حكومته من ضغوط داخلية وخارجية؟ فالمملكة المتحدة لا تستطيع الاستغناء عن الناتو الذي تشكل أميركا دعامته الرئيسة، ولا يمكنها أيضاً بلوغ الاكتفاء الذاتي في موارد الطاقة التي تحدد كلفة معيشة البريطانيين.

لم تعد تمتلك بريطانيا من العتاد والعدد ما يكفي لحماية نفسها أمام الأخطار الخارجية، ولأنها في حاجة إلى الناتو عسكرياً، فإنها مجبرة على احتواء نزعات الحروب التي تشعلها الولايات المتحدة حول العالم، ومضطرة أيضاً إلى الانخراط في الجبهات التي يفجرها بوتين في أوروبا أو غيرها من قارات الأرض السبع.

حتى الاعتماد على أوروبا، إن تحقق كما يشتهي ستارمر، لا يوفر لبريطانيا حالياً بديلاً عن أميركا، فجميع دول القارة العجوز تعيش ذات الوهن العسكري الذي طال المملكة المتحدة تدريجاً منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانصراف الغرب بصورة عامة عن العسكرة لمصلحة قضايا الاقتصاد وحقوق الإنسان.

في الاقتصاد أيضاً تعيش المملكة المتحدة ظروفاً صعبة منذ "بريكست" عام 2020، فالخروج حد من إمكاناتها التجارية والمالية، ثم جاءت كورونا لتثقل كاهل الخزانة بمسارات إنفاق لم تكن في الحسبان، وبعدها تفجرت حرب أوكرانيا التي ضيقت موارد الطاقة، ثم حرب إيران التي تهدد بتداعيات أكبر بكثير.

يحذر محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي من أزمة تشبه تلك التي تفجرت عام 2008، إذا لم تنته حرب إيران. وقال بيلي إن الاضطرابات في الائتمان الخاص الذي تبلغ قيمته 3 تريليونات دولار قد تقود إلى كارثة مالية عالمية، فهذا القطاع "عالم غامض نسبياً" لم يخضع لاختبار في ظل ضغوط سوقية شديدة.

 

الطامة الكبرى أن حكومة لندن منقسمة إزاء الطريق إلى الاكتفاء الذاتي من الطاقة، ثمة من ينادي بتحرير حقول بحر الشمال من قيود الحياد الكربوني لاستخراج مزيد من النفط والغاز، بينما يصر وزير البيئة إيد ميليباند على المصادر المتجددة كالشمس والرياح، سبيلاً لاستقلال بريطانيا في هذا المجال.

ما يزيد الطين بلة كما يقال، أن حياد ستارمر في الحرب على إيران لم ينجح في الداخل ولا في الخارج، فحلفاء المملكة المتحدة حول العالم اهتزت ثقتهم بها، وفي بريطانيا أصبح ثلثا الناخبين تقريباً يفضلون استبدال رئيس الوزراء، بحسب استطلاع حديث للرأي أجرته مؤسسة "جي أل بارتنرز".

وعصاب حكومة ستارمر تجاه الحاجة إلى الصمود الداخلي والتحرر من الخارج عسكرياً واقتصادياً، تعانيه دول عدة اليوم في القارة العجوز، فتسمع المسؤولين في العواصم الأوروبية ينشدون أمام الإعلام ذات الحلم الذي تعيشه لندن، وعندما تطفئ الكاميرات يصطدمون بعجز حكوماتهم والتحديات العالمية.

إن كان من منفعة واحدة لحرب إيران فهو تأكد دول أوروبا من خطر التبعية للولايات المتحدة دون حساب، تنبهوا للأمر منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض خلال يناير (كانون الثاني) 2025 وتخليه عن حرب أوكرانيا، واليوم تيقنوا من أن الحليف الأميركي لم يعد ذاته الذي عرفوه في الحرب العالمية.

حتى وإن انتهت حقبة ترمب ووصل إلى البيت الأبيض من يؤمن بالعالم الأول على الطراز التقليدي، لن تضمن الدول الأوروبية الرجوع إلى زمن التحالف الجميل مع الولايات المتحدة، ولن تتراجع عن مشوار الألف ميل الذي بدأته للاستقلال الاقتصادي والعسكري عن أميركا، على رغم أنه محفوف جداً بالأخطار.

زيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الأخيرة إلى هنغاريا، تفضح نيات مبيتة للولايات المتحدة تجاه القارة العجوز، وتقول إنها تدرك نزعات الاستقلال الأوروبية عنها. البديهي ألا يتوقع أحد قبول واشنطن ذلك بروح رياضية حتى ولو تغيرت إدارة البيت الأبيض، وحل الديمقراطيون بدل الجمهوريين فيه.

فانس حذر المجريين قبيل انتخاباتهم من "بيروقراطيي بروكسل" الذين يهددون ديمقراطيتهم، ويعارضون إعادة انتخاب رئيس الوزراء فيكتور أوربان، لكن التحذير الأميركي يتجاهل حقيقة أن أوربان هو حليف وثيق لروسيا، وكثيراً ما وضع العصي في عجلات عقوبات الاتحاد الأوروبي على موسكو بسبب حرب أوكرانيا.

هي ليست المرة الأولى التي يصوب فيها فانس سهامه نحو أوروبا، وربما لن تكون الأخيرة، وما يلحق بالقارة بسبب تدخلاته أو سلوك رئيسه، جعل أكثر من ثلث سكان ست دول فيها، هي بولندا وإسبانيا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، يرون أن الولايات المتحدة في عهد ترمب تشكل تهديداً أكبر من الصين عليهم.  

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل