ملخص
العمل الوثائقي الأميركي الإنجليزي "تشيرنوبيل، تشريح كارثة" يتنطح لسبر ذاكرة تبدو وكأنها لا تزال تعيش توتراتها حتى اليوم، وذلك عبر ما تعمل عليه من "نقل تجربتها الحميمية التي عاشتها بنفسها في لحظة لا تنسى. لكنها عاشتها كجحيم لا سابق له لا في تاريخها ولا في تاريخ من تعرفهم"
يحلو للفرنسيين دائماً أن يقولوا، على خطى شاعرهم الشهير لوتريامون إن كل الأمور تبدو في نهاية المطاف، وكأنها إنما وجدت لينتهي أمرها داخل دفتي كتاب.
اليوم، قد يكون في إمكاننا أن نستعير منهم لنستطرد أن كل الأمور تبدو في أزمنتنا الجديدة وكأنها قد وجدت لينتهي أمرها صوراً متحركة على الشرائط السينمائية، بل حتى التلفزيونية في الأزمنة الأكثر جدة على أية حال.
ولعل أحدث مثال على ما نقول، الشريط الذي عرضته التلفزة الفرنسية، تحديداً، وإن من إنتاج أميركي/ إنجليزي، انطلاقاً من الثلاثاء الـ14 من أبريل (نيسان) الجاري بعنوان "تشيرنوبيل، تشريح كارثة"، وذلك في ثلاث حلقات تستغرق معاً ساعتين ونصف الساعة.
ولعل من الأمور ذات الدلالة أن يكون العرض على شاشة المحطة الثقافية الفرنسية/ الألمانية "آر تي"، أي ليس كعادة هذا النوع من المواضيع "التاريخية" على شاشة تاريخية، بل على شاشة ثقافية مما يعطي الشريط الراهن والثقافي الجانب طابعه التاريخي.
ولعل المناسبة نفسها هي التي فرضت هذا البعد. فالمناسبة هي مرور 40 عاماً على تلك الكارثة النووية التي تعد الأكبر في تاريخ البشرية والتي قد يمكن القول إنها أتت خلال الـ26 من أبريل 1986 لتسهم، وربما أكثر من أي عامل آخر، في نهاية الاتحاد السوفياتي، إذ كشفت عن هشاشته المطلقة وفشله في زمن كانت ضروب انهياره تتراكم وتحتاج فقط رصاصة الرحمة.
ويقيناً أن انفجار مفاعل تشيرنوبيل في ذلك اليوم، كانت تلك الرصاصة القاضية. وهذا ما يريد أن يقوله لنا الفيلم التلفزيوني الذي حققه إريكا جنكن وتوم كوك بعنوان إنجليزي هو "تشيرنوبيل، الحكاية التي لم ترو".
الذين كانوا هناك
لعل أهم ما يقوله لنا الفيلم منذ البداية هو أن الذين يتحدثون قبل غيرهم في هذا الفيلم لم يكونوا موجودين في تشيرنوبيل حين حدثت الكارثة في ذلك اليوم الربيعي قبل 40 عاماً، يوماً بيوم تقريباً. وللأمر مبرراته على أية حال، فالفيلم لا ينطلق مما حدث في الموقع نفسه، ولكن من... السويد حيث كان السويديون من أوائل الذين كان لديهم رد فعل واضح حين انفجر المفاعل رقم أربعة في تشيرنوبيل، مطلقاً موجة مذهلة من الشعاع.
في المدينة السوفياتية نفسها لم يكن ثمة رد فعل مباشر. رد الفعل المريع كان في السويد، حيث التقط الخبراء على الفور نشاطاً إشعاعياً رهيباً، حاولوا على الفور فهم كنهه ومصدره. ولعل ما سيذهلهم أكثر من أي أمر آخر، سيكون الصمت الذي واجههم حين توجهوا إلى الجيران السوفيات متسائلين، وسيكون ذهولهم أكبر في صباح اليوم التالي حين تناهى إلى أسماعهم أن سكان بلدة بريبيات التي لا تبعد من تشيرنوبيل أكثر من ثلاثة كيلومترات، يستأنفون حياتهم اليومية وكأن شيئاً لم يكن. لكنهم سينقلون بعد يومين من الانفجار إلى مناطق بعيدة في أول اعتراف من السلطات بما يحدث. وطبعاً يمكننا القول إن الأوان كان قد فات. وبالتحديد تكمن هنا النقطة المركزية في هذا العمل التلفزيوني التذكيري، الذي أراد لنفسه أن يكون سجلاً متكاملاً لما عرفته البشرية خلال تلك الأيام الرهيبة.
حكايات من عالم الكارثة
للوهلة الأولى، وكما قد يبدو بعد سطور، يمكن الافتراض أن كل ما كان يمكن قوله عن تشيرنوبيل، قد قيل ولا سيما سينمائياً وتلفزيونياً. غير أن هذه الفرضية ليست دقيقة. وذلك بالتحديد لأن كثراً من الذين عاشوا تشيرنوبيل بأرواحهم وأجسادهم وكانوا "هناك"، غالباً ما استنكفوا أو منعوا أو حتى ارتعبوا من حكاية حكايتهم مع تشيرنوبيل. ولعل هذا ما يفعلونه اليوم في هذا الفيلم، وإن لم يكن للمرة الأولى... ولكن جمعهم معاً في هذا الشريط يحمل كل دلالاته. فهم هنا، وكل واحد من ناحيته، يحاولون أن يحكوا عن تشيرنوبيل كما عاشوها. وهو ما اعتبره المعلقون على الفيلم أهم ما فيه، بل جديده بالمعنى المطلق للكلمة.
فالواقع أن هذا الجانب من العمل الوثائقي الجديد يتنطح لسبر ذاكرة تبدو وكأنها لا تزال تعيش توتراتها حتى اليوم، وذلك عبر ما تعمل عليه من "نقل تجربتها الحميمية التي عاشتها بنفسها في لحظة لا تنسى. لكنها عاشتها كجحيم لا سابق له لا في تاريخها ولا في تاريخ من تعرفهم".
وفي هذا السياق، على سبيل المثال، يطالعنا ذلك الإطفائي الذي يروي كيف جلس دون حراك، وهو ينظر إلى رفاقه يتساقطون واحداً بعد الآخر وقد غيرهم إشعار لم يفهمه، بل ربما لم يرد كذلك. أو ربة العائلة التي وجدت نفسها عاجزة عن فعل أي شيء وهي تراقب جيرانها يتساقطون وهم ينظرون إليها برعشة. أو العامل الذي أذهله أن يجد نفسه في مصنعه وقد تحولت المعدات الحديدية المحيطة به إلى جمر... دون أن يفوتنا منظر عشرات بل مئات "المنقذين" الذين جيء بهم هنا لكن يسهموا في "إنقاذ" من بدوا لهم أشباحاً متدافعة لا تريد أن ينقذها أحد... عشرات الصور التي يصعب تصديقها أو حتى الاستماع لما تقول. وما تقول تستعيده في ذاكرتها وكأنه كابوس مريع يدهشها اليوم أنها عاشته حقاً، بل يستحيل عليها أن تصدق ذلك!
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
شرائط متعددة
مهما يكن من أمر، نعرف طبعاً أن هذه ليست المرة الأولى التي تتناول فيها الأفلام الوثائقية، أو حتى غير الوثائقية، ما حدث قبل أربعة عقود في تشيرنوبيل. فالصورة السينمائية والتلفزيونية، لم تتوقف عن تناول الكارثة في أعمال تتفاوت صدقيتها وأهميتها. بل إن ثمة من بين المؤرخين من ينظرون حتى إلى فيلم "ستالكر" للسينمائي الكبير أندريه تاركوفسكي والذي حقق سنوات قبل تشيرنوبيل، ومن دون أن تكون كارثتها في البال، باعتباره فيلماً عن الكارثة نفسها.
ومن هنا يُنظر إليه على أنه فاتحة سينما تشيرنوبيل التي تضم، سينمائياً وتلفزيونياً، عدداً كبيراً من أعمال قد يمكننا أن نقول إنها في حقيقتها لم تلتقط جوهر ما حدث، لأن ذلك الجوهر نفسه عصي على الالتقاط بل لا مرئي في طبيعته.
ومن هنا فإن كل "تمثيل" للكارثة يشكل خيانة ما، بل بالتحديد خيانة جمالية للكارثة، أو بحسب قول لافت "محاولة مستحيلة لتصوير ما لا يرى". ومهما يكن سيبقى "ستالكر" العمل الأقوى حول تلك الكارثة التي لا يصورها، لكنه استبقها بالغوص في مشاهد الضباب والمباني المهجورة والإحساس بالعزلة. غير أن ما لا يحتويه "ستالكر" يمكننا أن نعثر عليه على صورة شتات في عشرات الشرائط التشيرنوبيلية الأخرى التي تضافرت للحديث، مباشرة أو بصورة مواربة، عن فشل الأنظمة، ولا سيما التوتاليتارية منها، في مواجهة الحقائق وهشاشة الإنسان في التعرف على قوى لا يراها أو مواجهتها.
هذا دون أن نبعد من أذهاننا أفلاماً انطلقت من تشيرنوبيل، حتى دون أن تكون هي موضوعها (ومنها "أبناء البشر" و"إبادة"). غير أن الأهم منها بالنسبة إلينا هنا تلك الشرائط التي أتت من بلدان أوروبا الشرقية ولا سيما بعد انهيار المنظومة السوفياتية، وفي أفلام غالبيتها أوكرانية وبيلاروسية، ركزت في معظمها على الذاكرة الفردية والفقد البطيء والحياة بعد الكارثة، وفي معظم الأحيان لحظة الكارثة نفسها... وهي تختلف بالطبع عن عدد من الأفلام التي ظهرت في العالم الغربي عن تشيرنوبيل، وغالباً من منطلق إثارة تتميز أحياناً برخص مدقع، ومن أشهرها وأنجحها تجارياً، "يوميات تشيرنوبيل" الذي يحول المنطقة إلى فضاء لتحرك مسوخ وزومبيات وما شابه ذلك.