ملخص
لا يمكن النظر إلى مؤتمر برلين باعتباره نقطة تحوّل حاسمة في الأزمة السودانية، بقدر ما يمثل فرصة محدودة لإعادة تنظيم الجهود الدولية، وإدماج البعد الإغاثي في صلب العملية السياسية. غير أن نجاح هذه الفرصة يظل مرهوناً بجملة من الشروط، يأتي في مقدمها توحيد القوى المدنية وتعزيز التنسيق الدولي، وتوفير إرادة سياسية حقيقية للضغط على الأطراف المتحاربة.
تتجدد الرهانات الدولية على عقد مؤتمر في برلين بوصفه إطاراً جامعاً لمعالجة الأزمة السودانية، غير أن هذه الرهانات لا يمكن فصلها عن تحولات نوعية شهدها الملف السوداني خلال العام الأخير، سواء على مستوى تدهور الأوضاع الإنسانية بصورة غير مسبوقة، أو على مستوى إعادة تشكيل مقاربات المجتمع الدولي التي كان مؤتمرا باريس ولندن محطتين فيها، فضلاً عن التغير النسبي في أولويات الولايات المتحدة في ظل انشغالها المتصاعد بملف إيران.
في هذا السياق، لم يعد السؤال يتعلق فقط بفرص نجاح مؤتمر برلين في تحقيق اختراق سياسي، بل بقدرته على إعادة التوازن بين المسارين السياسي والإغاثي، في لحظة بات فيها الصوت السوداني الداخلي أكثر تركيزاً على أولوية وقف الانهيار الإنساني.
من هذه الزاوية، تبدو الأزمة السودانية وكأنها انتقلت من طور الصراع السياسي - العسكري التقليدي إلى طور "الأزمة المركبة"، إذ تتداخل الحرب مع الانهيار المؤسسي والانزلاق الاقتصادي والتفكك المجتمعي، بما يضع أي جهود للتسوية أمام معادلة معقدة، كيف يمكن إنتاج تسوية سياسية في ظل واقع إنساني منهار؟ وهل يمكن للمسار الإغاثي أن يتحول من مجرد استجابة طارئة إلى مدخل لإعادة بناء العملية السياسية؟
في هذا السياق نجد أن اللافت هنا ليس فقط حجم الكارثة، بل التحول في إدراك الفاعلين السودانيين أنفسهم لأولويات المرحلة. ففي النقاشات السياسية والإعلامية السودانية، لم يعد الحديث عن "الانتقال الديمقراطي" أو "إعادة بناء الدولة" يحتل الصدارة كما كانت الحال خلال الأعوام السابقة، بل تصدرت قضايا الإغاثة وفتح الممرات الإنسانية وتأمين الغذاء والدواء جدول الأعمال. ويعكس هذا التطور إدراكاً متزايداً بأن أي تسوية سياسية لا تستجيب إلى هذه الأولويات ستظل فاقدة للشرعية المجتمعية.
هذا التحول يفرض على مؤتمر برلين أن يعيد ترتيب أولوياته، بحيث لا يقتصر على البحث في ترتيبات وقف إطلاق النار أو تقاسم السلطة، بل يدمج بصورة عضوية البعد الإغاثي في صلب العملية التفاوضية. وهو ما يعني عملياً الانتقال من نموذج التسوية أولاً ثم الإغاثة إلى نموذج الإغاثة كمدخل للتسوية.
غير أن هذا الطرح يواجه تحديين رئيسين، أولهما أن الأطراف العسكرية قد تنظر إلى المساعدات الإنسانية باعتبارها مورداً يمكن توظيفه في تعزيز مواقعها، وهو ما ظهر في تجارب سابقة، إذ تحولت المساعدات إلى جزء من اقتصاد الحرب. وثانيهما أن تعدد الفاعلين الدوليين في المجال الإغاثي قد يؤدي إلى تفكك الجهود، ما لم يجر توحيدها ضمن إطار سياسي واضح.
دروس مؤتمري باريس ولندن: التمويل دون تسوية
يشكل مؤتمرا باريس ولندن محطتين مهمتين في تطور المقاربة الدولية للأزمة السودانية، إذ ركزا بصورة أساس على حشد الموارد المالية لمواجهة الكارثة الإنسانية. وقد نجحا نسبياً في جذب تعهدات مالية كبيرة، غير أن هذا النجاح ظل محدود الأثر على الأرض لأسباب عدة.
أول هذه الأسباب يتمثل في الفجوة بين التعهدات والتنفيذ، إذ تشير تقديرات متعددة إلى أن نسبة كبيرة من التمويل المعلن لم تصل فعلياً إلى المستفيدين، سواء بسبب التعقيدات اللوجيستية أو القيود الأمنية أو البيروقراطية الدولية. وثانيها أن غياب إطار سياسي متماسك أدى إلى توجيه المساعدات بصورة جزئية أو غير متوازن، مما أسهم في إعادة إنتاج التفاوتات بين المناطق.
أما السبب الثالث والأكثر أهمية فيتعلق بأن هذه المؤتمرات تعاملت مع البعد الإغاثي بمعزل نسبي عن المسار السياسي، وهو ما حد من قدرتها على التأثير في ديناميات الصراع. فالمساعدات، في غياب ترتيبات سياسية وأمنية واضحة، ظلت رهينة لموازين القوى على الأرض، بل وأحياناً خاضعة لابتزاز الأطراف المتحاربة.
من هنا، فإن مؤتمر برلين يواجه اختباراً حقيقياً يتمثل في قدرته على تجاوز هذه المحددات، عبر الربط بين التمويل الإغاثي والتقدم السياسي، بحيث يصبح الوصول إلى المساعدات مشروطاً ولو ضمنياً بالتزامات محددة من الأطراف، مثل وقف إطلاق النار أو فتح الممرات الإنسانية.
في موازاة التحركات الدولية، جاء اجتماع أديس أبابا للقوى السياسية السودانية ليعكس محاولة لإعادة بناء الفضاء المدني، الذي تعرض لتآكل كبير منذ اندلاع الحرب. وأسفر الاجتماع عن مؤشرات إيجابية، أبرزها السعي لتوحيد الرؤى في شأن إنهاء الحرب وتأكيد أولوية الحل السياسي.
غير أن هذه المخرجات لا تزال تواجه تحديات أساس، تتعلق بغياب وحدة حقيقية بين مكونات القوى المدنية، واستمرار الخلافات حول طبيعة العلاقة مع الأطراف العسكرية. وتفتقر هذه القوى إلى أدوات ضغط فعالة تمكنها من فرض أجندتها، سواء على المستوى الداخلي أو في مواجهة الفاعلين الإقليميين. أما التحدي الموازي فهو عدم قبول حكومة السيد كامل إدريس بهذا المؤتمر، بل والسعي إلى التحريض عليه في واشنطن عبر وسائل إعلام مؤثرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وطبقاً لذلك، يظل دور مؤتمر برلين مرهوناً بمدى قدرة القوى السياسية على إدماج رؤاها في مخرجات المؤتمر بصورة فعلية تؤثر في توازنات القوى في المعادلة الداخلية، بما يجعل الحكومة مضطرة للتعاطي معها. إلى جانب كل ذلك فإن التعدد في مسارات الوساطة، إذ تتداخل مبادرات تقودها أطراف مختلفة، من بينها دول غربية، ومنظمات إقليمية، ودول جوار. وبينما يفترض أن يشكل هذا التعدد مصدر قوة، فإنه تحول في كثير من الأحيان إلى عامل إضعاف نتيجة غياب التنسيق، فضلاً عن إتاحة هامش واسع للمناورة للأطراف السودانية عبر التنقل بين المسارات المختلفة، واختيار ما يتوافق مع مصالحها في كل مرحلة. وأدى إلى تضارب الرسائل الدولية، إذ تباينت أولويات الوسطاء بين التركيز على وقف إطلاق النار أو الحل السياسي، أو الاستجابة الإنسانية.
في هذا الإطار، يمكن لمؤتمر برلين أن يلعب دوراً مهماً في توحيد هذه المسارات إذا ما نجح في جمع الفاعلين الرئيسين حول رؤية مشتركة، غير أن هذا الهدف يظل صعب التحقيق في ظل استمرار التنافس بين بعض القوى الدولية والإقليمية على النفوذ في السودان.
ويمكن القول إن الموقف الأميركي يمثل أحد المحددات الحاسمة في أي مسار دولي لحل الأزمة السودانية، غير أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً نسبياً في أولويات واشنطن، إذ يتزايد انشغالها بملفات أخرى على رأسها التوترات مع إيران.
هذا الانشغال لا يعني غياباً كاملاً عن الملف السوداني لكنه يترجم إلى نمط من "الانخراط المحدود"، إذ تكتفي الولايات المتحدة بدعم الجهود الدبلوماسية دون الانخراط المباشر في فرض تسوية، ويظهر ذلك في تراجع مستوى الضغط الأميركي على الأطراف المتحاربة، مقارنة بمراحل سابقة.
وتذهب بعض التقديرات إلى أن هذا التراجع قد يضعف من فعالية أي مؤتمر دولي، بما في ذلك مؤتمر برلين، إذ إن غياب الدور الأميركي الحاسم يقلل من قدرة المجتمع الدولي على فرض التزامات على الأطراف، ويفتح المجال أمام قوى أخرى لملء هذا الفراغ، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من التعقيد.
السيناريوهات المحتملة لمخرجات مؤتمر برلين
في ضوء المعطيات السابقة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسة لمخرجات مؤتمر برلين، أولها يتمثل في تحقيق اختراق محدود، عبر التوصل إلى تفاهمات في شأن وقف إطلاق النار وفتح الممرات الإنسانية، دون الدخول في تفاصيل التسوية السياسية. ويعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً في ظل توازنات القوى الحالية.
ويتمثل السيناريو الثاني في تحقيق تقدم أكبر يشمل وضع إطار عام لعملية سياسية، إلى جانب التزامات إنسانية واضحة. غير أن هذا السيناريو يتطلب درجة عالية من التنسيق الدولي وإرادة سياسية قوية، وهو ما يبدو غير متوافر بالكامل.
أما السيناريو الثالث فهو فشل المؤتمر في تحقيق نتائج ملموسة نتيجة استمرار الخلافات بين الأطراف السودانية، أو بين الفاعلين الدوليين. وفي هذه الحال، قد يؤدي المؤتمر إلى مزيد من الإحباط، بل وربما إلى تقويض الثقة في المسارات الدولية.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى مؤتمر برلين باعتباره نقطة تحول حاسمة في الأزمة السودانية، بقدر ما يمثل فرصة محدودة لإعادة تنظيم الجهود الدولية، وإدماج البعد الإغاثي في صلب العملية السياسية. غير أن نجاح هذه الفرصة يظل مرهوناً بجملة من الشروط، يأتي في مقدمها توحيد القوى المدنية وتعزيز التنسيق الدولي، وتوفير إرادة سياسية حقيقية للضغط على الأطراف المتحاربة.
وفي غياب هذه الشروط، قد يتحول المؤتمر إلى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المبادرات التي لم تنجح في إنهاء الأزمة، بل اكتفت بإدارتها. غير أن خصوصية اللحظة الراهنة في ظل الكارثة الإنسانية المتفاقمة قد تفرض على الفاعلين الدوليين إعادة النظر في مقارباتهم، بحيث يصبح الهدف ليس فقط وقف الحرب، بل إنقاذ ما تبقى من الدولة والمجتمع في السودان.