ملخص
يمثل سام ألتمان شكلاً جديداً من السلطة. سلطة لا تقوم على الانتخاب، ولا على الاختراع الفردي المباشر، ولا على الإرث، بل على القدرة على بناء النفوذ في بيئة غير مستقرة.
لا أحد صوّت له.
هذه الجملة القصيرة هي ربما أكثر ما يلزم قوله عن صمويل هاريس ألتمان، المعروف بـ سام ألتمان قبل أي شيء آخر. الرجل الذي يجلس اليوم على رأس المشروع الأكثر تأثيراً في تاريخ البشرية، لم ينتخبه أحد، ولم تُعينه حكومة، ولم يرثه عن أحد. وصل إلى موقعه عبر مسار يمزج بين الموهبة، وحسن التوقيت، والعلاقات الصحيحة، والقدرة على بناء الشرعية في بيئة تفتقر إليها.
هذا لا يعني بالضرورة أنه لا يستحق موقعه، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً ومُلحاً: حين تُنشئ مؤسسة واحدة أدوات قادرة على إعادة تشكيل سوق العمل، والتعليم، والأمن، والمعرفة الإنسانية في آنٍ واحد، من الذي يُفترض أن يُقرر كيف تُستخدم؟ ومن أعطى ألتمان الحق في أن يكون جزءاً من هذه الإجابة؟
لفهم ذلك، يجب العودة إلى البدايات. إلى صبي في الثامنة من عمره في ضاحية سانت لويس الأميركية، يُفكك حاسوبه بيديه لأنه لا يستطيع أن يكتفي بمجرد استخدامه. يفحص دواخله، ويسأل نفسه كيف تعمل هذه الآلة العجيبة.
ذلك الصبي، المولود في شيكاغو في الثاني والعشرين من أبريل (نيسان) 1985، بات الرجل الأكثر تأثيراً في مسيرة الذكاء الاصطناعي في التاريخ المعاصر.
الحاسوب الأول لم يكن مجرد هدية عيد ميلاد. كان، بحسب ما رواه ألتمان لاحقاً، نافذته الأولى على عالم موازٍ يختلف جذرياً عن ميسوري المحافظة التي نشأ فيها.
فقد كانت نشأته في سياق اجتماعي بالغ التعقيد: طفل يهودي في ولاية وسطى، فرد غير متجانس في بيئة لم تكن الأكثر تقبلاً، وصاحب عقل يعمل بسرعة مختلفة عن أقرانه.
سام ألتمان ليس المشكلة، بل أحد أبرز أعراض عصر لم تتوازن فيه بعد العلاقة بين التكنولوجيا والسلطة.
أمه، كوني غيبستاين، طبيبة جلدية، وأبوه، جيري ألتمان، سمسار عقارات. وله ثلاثة أشقاء هم جاك وماكس وأخت تُدعى آني. عائلة مثقفة ومستقرة مادياً، تؤمن بقيمة التعليم وتحرص على العشاء المشترك كل مساء، مما زرع في ألتمان شعوراً راسخاً بأهمية الروابط الإنسانية الحقيقية، رغم ما سيصير إليه لاحقاً من علاقة عميقة مع الآلة.
الجانب الآخر من طفولته كان أقل براءة. كان يعلم، منذ مرحلة مبكرة جداً، أنه مثلي الجنس، وهو ما شكل ثقلاً إضافياً في بيئة لم تكن مهيأة لاحتواء هذا الواقع.
لاحقاً، قال في مقابلة مع مجلة "ذا نيويوركر" عام 2016 «النشأة مثلياً في الغرب الأوسط الأميركي في بدايات الألفية لم تكن من أجمل التجارب». غير أنه لم يختر الصمت، بل الإعلان.
في مدرسة "جون بوروغز" الثانوية الخاصة المرموقة، وقف ألتمان أمام تجمع المدرسة وأعلن صراحة أنه مثلي الجنس، وطالب المعلمين بتعليق لافتات «مساحة آمنة" (Safe Space)، أي بيئة خالية من التمييز أو التنمر على أبواب فصولهم دعماً لحقوق مجتمع الميم. قال مستشار القبول الجامعي في المدرسة لاحقاً «ما فعله سام غير المدرسة بالكامل".
هذه اللحظة ليست قصة جانبية في سيرته. إنها مفتاح شخصية رجل يؤمن بأن السلطة الحقيقية تكمن في الجرأة على قول ما يبدو مستحيل قوله.
ستانفورد
في عام 2003، انتقل ألتمان إلى جامعة ستانفورد، إحدى أبرز الجامعات الأميركية في وادي السيليكون) لدراسة علوم الحاسوب. الجامعة التي خرجت لاري بيغ وسيرجي برين (مؤسسي شركة غوغل)، وعشرات غيرهم ممن غيروا العالم، كانت بالنسبة لكثيرين محطة التحول الكبرى.
لكن ألتمان كان مختلفاً في طريقة استثمار هذا المكان. فبينما يُقبل الطلاب عادة على المحاضرات والامتحانات، كان يصرف جزءاً كبيراً من وقته في شيء آخر تماماً: البوكر.
هذه ليست تفصيلة طريفة. ألتمان نفسه ردد هذه الحكاية في أكثر من مقابلة، وبطريقة تكشف عن رؤية واضحة لكيفية اكتساب المعرفة الحقيقية. قال لصحيفة "نيويورك تايمز" في 2023 «البوكر علمني كيف ألاحظ الأنماط في سلوك الناس على مدى الزمن، وكيف أتخذ قرارات في ظل معلومات ناقصة جداً، وكيف أقرأ المواقف تحت الضغط".
ألتمان يمثل شكلاً جديداً من السلطة. سلطة لا تقوم على الانتخاب، ولا على الاختراع الفردي المباشر، ولا على الإرث، بل على القدرة على بناء النفوذ في بيئة غير مستقرة.
هذه المهارات الثلاث، قراءة الناس، وإدارة اللايقين، واتخاذ القرار تحت الضغط، ستكون لاحقاً العمود الفقري لأسلوب قيادته في Y Combinator (حاضنة شركات ناشئة تمول وتدعم رواد الأعمال) وOpenAI (شركة أبحاث في الذكاء الاصطناعي) على حد سواء.
لكن الجانب الأهم من سنوات ستانفورد يكاد يمر من دون ذكر كاف: مشاركته في مختبر الذكاء الاصطناعي في الجامعة. هذا التعرض المبكر لأبحاث الذكاء الاصطناعي، وإن ظل سطحياً نسبياً من الناحية التقنية، أطلق في عقله تساؤلاً سيظل ملازماً له: ماذا لو أصبحت الآلات قادرة على التعلم كما يتعلم البشر؟ وما التبعات الوجودية لذلك؟
هذا السؤال، في شكله الأولي وغير المكتمل، كان بذرة OpenAI التي لم تُزرع بعد.
عام 2005، في التاسعة عشرة من عمره، اتخذ ألتمان قراراً سيعرف مساره كله: ترك ستانفورد دون الحصول على درجته العلمية. لم يكن تمرداً عاطفياً، بل حساباً عقلانياً.
يقول «في عالم ديناميكي كهذا، الشيء الخطير هو ألا تجرب الأشياء التي قد تنجح فعلاً». التعليم الأكاديمي، في حكمه، لا يمنحك ما تمنحك إياه المخاطرة الحقيقية في السوق الحقيقي.
هذه القناعة ستشكل لاحقاً موقفه من التعليم العام برمته، ومن سؤال: ماذا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفعله لإعادة اختراع التعليم؟
الفشل الذي صنع القائد
Loopt كان تطبيقاً لمشاركة الموقع الجغرافي مع الأصدقاء، فكرة تبدو اليوم بدائية لكنها كانت طليعية عام 2005. ألتمان أسسه مع زميليه، وحصل على تمويل من Y Combinator في دفعتها الأولى تقريباً، وهو ما ربطه بمنظومة وادي السيليكون بصورة مبكرة. جمعت الشركة أكثر من 30 مليون دولار من الاستثمارات، وفي مرحلة ما بلغت قيمتها السوقية 175 مليون دولار.
لكن Loopt فشل في اجتذاب المستخدمين باستمرار. اكتشف ألتمان درساً مراً «تعلمت أنك لا تستطيع إجبار البشر على فعل ما لا يريدون فعله». الناس لم يكونوا مستعدين لمشاركة موقعهم الجغرافي بشكل دائم، وهو ما سيجعل تطبيق Foursquare (تطبيق يعتمد على تسجيل المواقع بطريقة ترفيهية) أكثر نجاحاً بأسلوبه القائم على التحفيز.
في عام 2012، بيعت Loopt لشركة Green Dot (شركة خدمات مالية أميركية) مقابل 43 مليون دولار، وهو رقم يعني عملياً أن المستثمرين خسروا أموالهم.
هذا الفشل كان تجربة تأسيسية. ألتمان لم يخسر شركة فقط، بل اكتسب شيئاً أندر: معرفة الفارق بين الفكرة الجيدة تقنياً والفكرة التي يريدها الناس فعلاً.
هذا التمييز الدقيق بين الممكن والمرغوب سيكون أحد مفاتيح نجاحه لاحقاً في تقييم المشاريع.
ومن المفارقة الساخرة، فإن أموال بيع Loopt كانت المصدر الأساس لصندوق Hydrazine Capital (صندوق استثماري أسسه ألتمان لتمويل الشركات الناشئة) الذي أسسه مع أخيه جاك عام 2012. الفشل مول الخطوة التالية بشكل حرفي.
المفارقة الأعمق تكمن في شيء سيظل يُعيد النظر فيه ألتمان طويلاً: Loopt، بشكل ما، كانت من أوائل منتجات التعرف على الموقع والهوية الرقمية.
وهو ما سيجد نفسه يعود إليه بعد سنوات في مشروع Worldcoin (مشروع يهدف إلى إنشاء هوية رقمية عالمية باستخدام مسح قزحية العين وتوزيع عملة رقمية). الأفكار لا تموت دائماً، أحياناً تنتظر الأداة التقنية المناسبة.
تعلم صنع القادة
في عام 2011، اتصل بول غراهام وهو مبرمج وكاتب ومستثمر أميركي ومؤسس Y Combinator بألتمان، وعرض عليه الانضمام شريكاً جزئياً في المشروع.
لم يكن الاختيار عشوائياً. غراهام، الذي كتب لاحقاً أن ألتمان من بين «أكثر خمسة مؤسسين آسرين» التقاهم بين 1979 و2009، رأى فيه شيئاً نادراً: قدرة على قراءة إمكانيات الناس وتحويلها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، مضافاً إليها مزيج غير مألوف من الطموح المنضبط والثقة الهادئة.
في فبراير (شباط) 2014، طلب غراهام وجيسيكا ليفينغستون الشريكة المؤسسة، من ألتمان الذي كان آنذاك في الثامنة والعشرين من عمره أن يخلف غراهام رئيساً.
قبل الشاب الدور وبدأ في إعادة تشكيل المؤسسة بطريقة كاشفة لفلسفته القيادية: توسيع حجم الدفعات الممولة، والتركيز على ما سماه «التقنية الصعبة" ((Deep Tech، أي المشاريع التي تعالج مشكلات علمية أو هندسية معقدة، وإطلاق YC Research مبادرة بحثية داخل الشركة بتبرع شخصي منه بلغ 10 ملايين دولار.
تحت قيادته، توسعت المؤسسة توسعاً غير مسبوق. وحين غادرها عام 2019، كانت قد ساعدت نحو 1900 شركة، بينها Airbnb (منصة تأجير المنازل)، وInstacart (خدمة توصيل مواد غذائية)، وDoorDash (خدمة توصيل طعام)، وReddit (منصة نقاش اجتماعي)، (وTwitch) منصة بث مباشر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن الأهم من الأرقام كان أسلوبه في العمل. وصف عدد من المؤسسين لقاءات فردية مع المستثمرين بأن ألتمان كان يختبرهم بطريقة تشبه الشطرنج: يطرح أسئلة تبدو بسيطة لكنها مصممة للكشف عن كيفية تفكير المؤسس تحت ضغط اللايقين.
كان يقيس، كما قال بعضهم، ثلاثة أشياء: مدى قدرة الشخص على التعافي من الفشل، مدى تحمله لسماع الحقائق غير المريحة، ومدى قدرته على جذب المواهب والموارد.
هذه المعايير الثلاثة لم تكن تقييماً للمشروع فحسب، بل كانت خريطة لأسلوبه هو في القيادة.
خلال فترة وجوده فيYC، بدأ يبني شبكة علاقات مهمة كان لها تأثير كبير على مسيرته. من أبرز هذه العلاقات بيتر ثيل، الذي مول بشكل كبير شركة Hydrazine Capital وأصبح بمثابة مرشد له في وادي السيليكون، إضافة إلى ريد هوفمان وغيره من الشخصيات المؤثرة.
هذا النوع من العلاقات، الذي يتكون تدريجاً عبر تعاملات صغيرة وثقة تُبنى على مدى سنوات، أصبح لاحقاً عنصراً أساساً في قدرته على تأسيس OpenAI وتأمين التمويل لها، خصوصاً في الأوقات الصعبة والأزمات.
ولادة OpenAI
بدأت القصة في عشاء. في مكان ما من وادي السيليكون، التقى ألتمان وإيلون ماسك، على مائدة واحدة في الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2012. لم يكونا غريبين تماماً، فالوادي مجتمع صغير نسبياً على مستوى النخب.
لكن هذا اللقاء، الذي تحول إلى سلسلة من العشاءات المنتظمة، كشف عن شيء لافت: رجلان من خلفيات مختلفة يشتركان في قلق وجودي واحد.
هذا القلق كان يتمحور حول أن شركة Google تمتلك نحو 77 في المئة من مواهب الذكاء الاصطناعي في العالم، وقد استحوذت على DeepMind (شركة بريطانية متخصصة في الذكاء الاصطناعي) عام 2014.
رأى ماسك في ذلك خطراً كبيراً، إذ اعتبر أن احتكار تطوير الذكاء الاصطناعي قد يؤدي، في أسوأ السيناريوهات، إلى نوع من «الديكتاتورية الخوارزمية» (أي سيطرة أنظمة ذكية على القرارات البشرية).
أما ألتمان، فقد وصل إلى استنتاج مشابه من زاوية مختلفة. كتب في رسالة إلكترونية عام 2015 أنه فكر طويلاً في إمكانية إيقاف تطوير الذكاء الاصطناعي، وانتهى إلى أن ذلك «شبه مستحيل». وبالتالي، إذا كان التطوير حتمياً، فمن الأفضل أن يتم بقيادة جهات تضع المصلحة العامة فوق الربح.
في الـ11 من ديسمبر (كانون الأول) 2015، أُعلن عن تأسيس OpenAI كمؤسسة بحثية غير ربحية، بتمويل مبدئي بلغ مليار دولار. قائمة الداعمين كانت لافتة: ماسك، ألتمان، بيتر ثيل، ريد هوفمان، جيسيكا ليفينغستون، إضافة إلى خدمة الحوسبة السحابية التابعة لشركة أمازون.
مما ميز OpenAI أنها أعلنت منذ البداية أن أبحاثها ستكون مفتوحة ومتاحة للجميع، وهدفها توزيع فوائد الذكاء الاصطناعي على أوسع نطاق.
لكن دور ألتمان في تلك المرحلة كان معقداً. لم يكن الرئيس التنفيذي، بل رئيس مجلس الإدارة، وكان في الوقت نفسه لا يزال يقودY Combinator ، هذا التداخل خلق توتراً داخلياً، إذ رأى بعض شركائه أنه يوزع تركيزه بشكل مفرط.
غير أن هذه القدرة على إدارة أكثر من منظومة في آن واحد ستصبح لاحقاً سمة ثابتة في شخصيته القيادية.
الانفصال عن ماسك وأول اختبار كبير
العلاقة بين ألتمان وماسك كانت معقدة منذ البداية. ماسك لم يكن مجرد ممول، بل شخصية مؤثرة في توجهات المؤسسة. تشير وثائق لاحقة إلى أنه هو من اقترح الإعلان عن تمويل مليار دولار بدلاً من الرقم الأصلي، لإضفاء مصداقية أكبر على المشروع.
في عام 2018، وصلت الخلافات إلى ذروتها. رأى ماسك أن OpenAI متأخرة عن "غوغل"، واقترح أن يتولى هو القيادة المباشرة. رفض ألتمان والفريق هذا الطرح، باعتباره يتناقض مع مبدأ توزيع السلطة.
رد ماسك بالانسحاب، وتجميد دعمه المالي، ثم طرح فكرة دمج OpenAI مع "تيسلا". في النهاية، غادر رسمياً.
هذه اللحظة مثلت اختباراً حقيقياً لألتمان، الذي خرج منها قائداً فعلياً للمشروع.
في فبراير (شباط) 2018، أُعلن عن مغادرة ماسك رسمياً بذريعة «تعارض المصالح» مع دور "تيسلا" في الذكاء الاصطناعي.
لكن الواقع كان أكثر تعقيداً: صراع على السيطرة انتهى بألتمان يتولى دفة القيادة الفعلية. في الوثائق الضريبية لتلك الفترة، أُضيف لقب «رئيس» إلى المسمى الوظيفي لألتمان، بما يعني توسعاً ملموساً في صلاحياته.
أما ماسك، فقد كان يُبدي علناً شكوكه في قدرة OpenAI على المنافسة. وحين تحولت الشركة لاحقاً إلى الأكثر تأثيراً في عالم الذكاء الاصطناعي، كانت مرارته واضحة وصريحة.
كشفت هذه اللحظة جانباً جوهرياً في شخصية ألتمان: قدرته على الصمود في مواجهة الضغط الهائل من دون أن يفقد توازنه. مواجهة رجل بحجم ماسك، في ذروة نفوذه وشهرته، ورفض عرضه بشكل مباشر من دون إثارة مواجهة إعلامية مفتوحة، تتطلب نوعاً من الثقة الهادئة يصعب تقليده. ألتمان لم يُبرر، ولم يُهاجم، ولم يتراجع. اكتفى بمواصلة العمل.
مليارات "مايكروسوفت"
الانسحاب المالي لماسك أوجد أزمة وجودية. تطوير نماذج اللغة الكبيرة Large Language Models، وهي أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على فهم اللغة البشرية وتوليدها، يتطلب موارد حسابية هائلة لا تستطيع مؤسسة غير ربحية تأمينها على المدى الطويل.
واجه ألتمان معضلة كلاسيكية: إما التخلي عن المبادئ التأسيسية، أو إيجاد نموذج مالي جديد.
الحل الذي توصل إليه كان مبتكراً من الناحية الهيكلية، لكنه أثار تساؤلات أخلاقية مستمرة. في عام 2019، أُنشئت شركة فرعية ربحية محدودة الأرباح، (نموذج يحد من أرباح المستثمرين بسقف معين) تخضع لإشراف الكيان غير الربحي. الفكرة أن المستثمرين يحصلون على عوائد حتى حد معين، وما يتجاوزه يُعاد توجيهه لخدمة الهدف العام.
هذا النموذج سمح بجذب استثمارات ضخمة من "مايكروسوفت التي استثمرت مليار دولار في البداية عام 2019، ثم نحو 10 مليارات دولار في 2023. في المقابل، حصلت على حصة كبيرة في الذراع الربحية، إضافة إلى شراكة تقنية تعتمد على خدمات الحوسبة السحابية Azure.
هذا التحول أثار انتقادات واسعة. وصرح يان لوكون وهو عالم ذكاء اصطناعي بارز يعمل في شركة" ميتا" صرح بأن OpenAI لم تعد «مفتوحة» ولا «غير ربحية». كما أن نموذج GPT-4، الذي أُطلق عام 2023، لم تُنشر تفاصيله التقنية الكاملة، مما اعتُبر تراجعاً عن مبدأ الشفافية العلمية.
رد ألتمان بأن نشر نماذج قوية بشكل كامل قد يسبب أضراراً، وأن الحذر واجب. هذه الحجة تبدو منطقية، لكنها تفتح في الوقت نفسه باباً واسعاً لتضارب المصالح.
يذكر أنه في مارس (آذار) 2019، غادر ألتمان Y Combinator نهائياً، ليتفرغ لمنصبه رئيساً تنفيذياً لـ OpenAI، وكان ذلك إعلاناً واضحاً عن انتقاله إلى مرحلة جديدة، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي محور مشروعه الأساسي.
ChatGPT
في الـ30 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، أطلقت OpenAI نسخة تجريبية مجانية من ChatGPT، وهو نظام محادثة ذكي يعتمد على نماذج اللغة الكبيرة.
خلال خمسة أيام فقط، تجاوز عدد المستخدمين مليون شخص. وبحلول مطلع 2026، وصل عدد المستخدمين النشطين أسبوعياً إلى نحو 300 مليون. لم يشهد التاريخ التقني منتجاً بهذا الانتشار السريع.
هذه اللحظة لم تكن مجرد نجاح تجاري، بل تحولاً معرفياً. الذكاء الاصطناعي لم يعد مفهوماً نظرياً، بل أداة يومية تُستخدم في الكتابة، والبحث، والتحليل.
وصف بيل غيتس مؤسس شركو "مايكروسوفت" هذه اللحظة بأنها «بداية عصر الذكاء الاصطناعي".
في الأشهر التالية، قام ألتمان بجولة عالمية شملت 22 دولة، التقى خلالها قادة سياسيين، من بينهم رئيس وزراء المملكة المتحدة السابق ريشي سوناك والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومستشار ألمانيا أولاف شولتز ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي.
هذه الجولة لم تكن مجرد ترويج، بل محاولة لصياغة خطاب عالمي: الذكاء الاصطناعي قادم، ويجب تنظيمه، ومن الأفضل أن يشارك مطوروه في صياغة هذا التنظيم.
في مايو (أيار) 2023، أدلى ألتمان بشهادته أمام مجلس الشيوخ الأميركي، مطالباً بوضع تشريعات لتنظيم الذكاء الاصطناعي. هذه المفارقة لافتة: من يطور التكنولوجيا هو نفسه من يطالب بتنظيمها.
رأى البعض في ذلك محاولة للتأثير على شكل التنظيم، بينما اعتبره آخرون تعبيراً عن مسؤولية حقيقية.
الإقالة والعودة
في الـ19 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، أعلن مجلس إدارة OpenAI بشكل مفاجئ إقالة ألتمان من منصبه رئيساً تنفيذياً، مبرراً ذلك بأنه «لم يكن صريحاً باستمرار» في تواصله مع المجلس.
لم تُقدم تفاصيل إضافية، وهو ما زاد من الغموض. ما حدث لاحقاً كان غير مسبوق. خلال ساعات، أعلن ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لـ"مايكروسوفت" أن ألتمان سينضم إلى الشركة لقيادة فريق جديد للذكاء الاصطناعي.
في الوقت ذاته، وقع أكثر من 700 موظف في OpenAI رسالة يطالبون فيها بعودة ألتمان، مهددين بالاستقالة.
بعد خمسة أيام فقط، عاد ألتمان إلى منصبه، مع إعادة تشكيل مجلس الإدارة بطريقة عززت موقعه أكثر مما كان عليه قبل الإقالة. هذه الحادثة كشفت أن سلطته لم تكن رسمية فقط، بل مبنية على شبكة ثقة واسعة داخل المؤسسة.
لكنها كشفت أيضاً ضعف نماذج الحوكمة الحالية، التي بدت عاجزة عن التعامل مع هذا النوع من السلطة المركبة.
صافي الثروة
وفقا لمجلة "فوربس"، يُعد سام ألتمان واحداً من بين 2500 أغنى شخص في العالم، إذ تقدر ثروته الصافية بنحو 1.9 مليار دولار حتى الـ20 من أغسطس (آب) 2025.
ورغم أن قيمة شركة "أوبن أي آي" بلغت 157 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، فإن الجزء الأكبر من ثروة ألتمان لا يأتي منها، إذ لم يحصل على أي حصص عند إطلاقها عام 2015، وهو ما أثار آنذاك قلق المستثمرين بشأن ثقته بالمشروع.
ويعود معظم ثروة ألتمان إلى استثماراته، بما في ذلك حصصه في شركات "سترايب" و"ريديت" و"هيليون". ووفقاً لمجلة "فورتشن"، بلغت قيمة حصته في "ريديت" وحدها 1.4 مليار دولار بحلول أكتوبر (تشرين الأول) 2024.
ما الذي يُمثله ألتمان فعلاً؟
بعد هذه الرحلة، من طفل يُفكك حاسوباً في ميسوري إلى شخصية تستمع إليها الحكومات، يبقى السؤال: ماذا يمثل سام ألتمان؟
ألتمان يمثل شكلاً جديداً من السلطة. سلطة لا تقوم على الانتخاب، ولا على الاختراع الفردي المباشر، ولا على الإرث، بل على القدرة على بناء النفوذ في بيئة غير مستقرة.
شبكة العلاقات، الخطاب الأخلاقي، القدرة على جذب المواهب والتمويل، كلها عناصر صنعت نفوذاً يتجاوز تأثير كثير من القادة السياسيين.
لكن الخطر الحقيقي ليس شخصياً، بل بنيوياً. العالم اليوم يسمح بتركيز قدر هائل من التأثير في يد عدد محدود من الفاعلين، من دون وجود نظام حوكمة عالمي واضح.
هناك أيضاً إشكاليات أخلاقية لا يمكن تجاهلها. مشروع Worldcoin، الذي يجمع بيانات قزحية العين مقابل عملة رقمية، واجه انتقادات واسعة، بل أُوقف في دول مثل ألمانيا والمملكة المتحدة والهند بسبب مخاوف تتعلق بالخصوصية.
وأن جمع بيانات بيومترية، أي بيانات جسدية فريدة مثل بصمة العين) من أفراد، خصوصاً في دول نامية، مقابل حوافز مالية، يثير تساؤلات جدية حول العدالة والاستغلال.
في النهاية، لا يمكن فهم ألتمان من خلال ثنائية بسيطة: ليس بطلاً منقذاً، ولا شريراً احتكارياً. هو، بدقة أكبر، تجسيد لكيفية عمل السلطة في القرن الحادي والعشرين: تتشكل بسرعة، تتجاوز الأطر التقليدية، وتسبق قدرة المجتمعات على تنظيمها.
في هذا المعنى، سام ألتمان ليس المشكلة، بل أحد أبرز أعراض عصر لم تتوازن فيه بعد العلاقة بين التكنولوجيا والسلطة.
تهديدات سيبرانية وبيولوجية للذكاء الفائق
يقول سام ألتمان، إن على صانعي السياسات في الولايات المتحدة التحرك الآن للاستعداد للذكاء الاصطناعي المتقدم، محذراً من أن هذه التقنية تنتقل من الإطار النظري إلى الاستخدام الاقتصادي اليومي.
وفي مقابلة مع موقع "أكسيوس"، أوضح أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تتولى بالفعل مهام البرمجة والبحث التي كانت تتطلب في السابق فرقاً من المبرمجين.
وأضاف أن النماذج الأحدث ستتجاوز ذلك، إذ ستساعد العلماء على تحقيق اكتشافات كبرى، وستُمكن الأفراد من إنجاز عمل كانت تقوم به فرق كاملة، بحسب ما نقله تقرير لموقع "CoinDesk" عن المقابلة المصورة.
ويظهر هذا التحول بالفعل في مجال الأمن السيبراني، حيث يقول بعض رواد الصناعة، إن الذكاء الاصطناعي يرجح الكفة لمصلحة المهاجمين.
وشهد قطاع العملات الرقمية، على سبيل المثال، سرقة أو فقدان أصول بقيمة تزيد عن 1.4 مليار دولار في هجمات إلكترونية عام 2025، مع توقعات باستمرار هذا الرقم في الارتفاع.
علاوة على ذلك، يعتمد المطورون بشكل متزايد على الشفرات البرمجية المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، مما قد يُدخل ثغرات جديدة على نطاق واسع.
بينما أشار ألتمان إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يسرع اكتشاف الأدوية أو أبحاث علوم المواد، فقد حذر أيضاً من أنه قد يتيح هجمات سيبرانية أكثر فتكاً ويسهل إجراء البحوث البيولوجية الضارة.
قد تظهر مثل هذه التهديدات في غضون عام، مما يجعل التنسيق بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمجموعات الأمنية أمراً عاجلاً.
وقال، "لسنا بعيدين كثيراً عن عالم توجد فيه نماذج مفتوحة المصدر فائقة القدرة وجيدة جداً في علم الأحياء"، مضيفاً "حاجة المجتمع إلى القدرة على الصمود أمام استخدام الجماعات الإرهابية لهذه النماذج لمحاولة إنشاء مسببات أمراض جديدة لم تعد مسألة نظرية".
وقدم أفكار السياسات التي تطرحها "أوبن أي آي" بوصفها نقطة انطلاق تهدف إلى دفع النقاش حول كيفية إدارة الأنظمة التي تتعلم بسرعة وتعمل عبر مجالات متعددة. وأكد أن استخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة في الدفاع ضد هذه الهجمات المحتملة أمر مهم.
الذكاء الاصطناعي سيتجاوز البشر
توقع المدير التنفيذي لشركة "أوبن آي أي"، أن يتفوق الذكاء الاصطناعي على القدرات البشرية عندما تمتلك تلك الأنظمة "ذاكرة لا نهائية ومثالية".
وذكر ألتمان في حديثه في بودكاست "بيغ تكنولوجي بودكاست" أن التطور الذي يتطلع إليه أكثر من غيره هو جعل الذكاء الاصطناعي "يتذكر كل تفصيل من حياتك بالكامل"، مؤكداً أن شركته تخطط للوصول إلى هذه المرحلة بحلول عام 2026.
وتعمل "أوبن آي أي" والشركات الأخرى على تحسين قدرات الذكاء الاصطناعي في مجال الاستدلال والتفكير.
وقال التمان، "حتى لو كانت لديك أفضل مساعد شخصي في العالم، فإنه لا يستطيع تذكر كل كلمة قلتها في حياتك، ولا يمكنه قراءة كل الوثائق التي تكتبها، ولا يمكنه متابعة كل أعمالك يومياً وتذكر كل التفاصيل الصغيرة، لا يمكنه أن يكون مشاركاً في حياتك إلى هذا الحد، لا يوجد إنسان يمتلك ذاكرة لا نهائية ومثالية".
وأضاف، "لكن الذكاء الاصطناعي سيكون قادراً بالتأكيد على فعل ذلك. نحن نتحدث كثيراً عن هذا الأمر، فذاكرة حالياً لا تزال بدائية جداً وفي مراحلها الأولى".
الخطاب كسلاح
مما يميز ألتمان عن أقرانه في وادي السيليكون، كمارك زوكربيرغ أو ساتيا ناديلا، ليس الرؤية التقنية، بل إتقان لغة الخطر الوجودي. منذ انضمامه إلى OpenAI، تبنى خطاباً يقبع في منطقة التقاطع بين التحذير والوعد: الذكاء الاصطناعي العام قادم وقد يكون أخطر شيء صنعته البشرية، لكن تطويره بطريقة مسؤولة أفضل من تركه لمن يفتقرون للمسؤولية.
هذه الجملة، في بساطتها، شديدة الذكاء من الناحية الاستراتيجية. إنها تحول الخطر نفسه إلى حجة لعدم تنظيم الشركة أو تفكيكها، لأن أي تدخل خارجي قد يُضعف القدرة على السيطرة على الذكاء الاصطناعي. المنافس الذي يطور الذكاء الاصطناعي بلا وعي أخلاقي أخطر من المحتكر الذي يطوره مع وعي أخلاقي معلن، أو هكذا تقول الحجة.
يرى الناقد غاري ماركوس، عالم الإدراك والباحث في الذكاء الاصطناعي، أن هذا النوع من الخطاب الوجودي يصرف الانتباه عن الأضرار الملموسة الراهنة للأنظمة الحالية، مثل التحيزات الخوارزمية والتضليل الإعلامي والتأثير على سوق العمل، لمصلحة مخاوف افتراضية مستقبلية. والنتيجة، بحسبه، أننا نتجادل حول سيناريوهات خيالية بينما تتفاقم مشكلات واقعية.
في المقابل، يرى مدافعون عن ألتمان، كالباحثة في سلامة الذكاء الآلي ريتشل توماس، أن التحذير من الأخطار طويلة الأمد ليس بالضرورة تحويلاً للانتباه، بل جزء ضروري من تصميم الأنظمة بصورة آمنة منذ البداية. المشكلة ليست في الخطاب بل في من يملك صلاحية ترجمته إلى سياسات .
وصف كل من التقى به تقريباً ألتمان بالهدوء الذي يصل حد الإرباك. في محادثاته الصحفية، نادراً ما يتحدث عن نفسه بطريقة تكشف عن أي هشاشة أو تردد. كتب الصحافي تاد فرند في The New Yorker أن ألتمان يمتلك قدرة غير عادية على احتواء التناقضات من دون أن تبدو عليه علامات الانزعاج. فهو يؤمن بخطورة الذكاء الاصطناعي ويُسرع في تطويره في آن واحد. يطالب بالتنظيم ويرفض ما يراه تنظيماً مفرطاً. يدعو إلى الشفافية ويحجب النماذج.
هذه ليست بالضرورة نفاقاً. يمكن قراءتها كبراغماتية متطرفة: الرجل يُدير ما يصفه بأنه أخطر مشروع في التاريخ في عالم لا يمتلك بعد الأدوات اللازمة للتعامل معه. في هذا السياق، ربما تكون التناقضات ليست عيباً بل انعكاساً لتعقيد الموقف نفسه.