ملخص
اعتقلت السلطات الألمانية أمس الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية، أوغست هانينغ، ومدير مكتب سابقاً في الجهاز، للاشتباه في جمع نحو 2000 وثيقة سرية على مدى 16 عاماً، وبيع بعضها لجهة أجنبية، وتكمن خطورة القضية بالنسبة إلى لندن في أن جزءاً من تلك الوثائق جاء من أجهزة شريكة، بينها على الأرجح جهازا "أم آي 6"، ولذلك تراجع الاستخبارات البريطانية كل ما تقاسمته مع برلين خلال تلك الفترة، وأولويتها حماية عملاء ميدانيين ربما انكشفت هوياتهم، لتضع القضية بريطانيا أمام معادلة صعبة، فهي بحاجة إلى شريك ألماني في مواجهة روسيا، لكنها تخشى أن يكون هذا الشريك قد تحول إلى ثغرة في جدارها.
صدر بيان المدعي العام الاتحادي الألماني أمس الثلاثاء بلغة قانونية جافة، لكن مضمونه نزل على أجهزة الاستخبارات الغربية كالصاعقة، فقد اُعتقل الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الاتحادية (بي أن دي)، أوغست هانينغ، ومعه مسؤول رفيع في الجهاز لم يُكشف من اسمه سوى مانفريد دي.
وتقول النيابة إن الرجلين اتفقا ربيع عام 2010 على صفقة مالية، يواصل بموجبها الثاني نقل معلومات استخباراتية ثمينة من داخل الجهاز إلى رئيسه السابق في مقابل المال، وبحسب البيان فقد سلّم مانفريد دي هانينغ نحو 2000 وثيقة.
لم يكن مانفريد دي موظفاً عادياً، فقد عمل مديراً لمكتب هانينغ في الجهاز، ثم تبعه إلى وزارة الداخلية، وبعد رحيل هانينغ شغل المنصب نفسه لدى عدد من رؤساء الجهاز بين مارس (آذار) 2012 ومارس من العام الجاري، وفي هذا الموقع كان يتحكم في تدفق المعلومات إلى مكتب الرئيس، ويقرر ما يُعرض على رؤسائه من تقارير ومتى يُعرض، وما يقلق لندن تحديداً أن جزءاً من هذه المادة جاء من أجهزة شريكة خارج ألمانيا.
حتى الآن لم يصدر موقف علني عن "الاستخبارات البريطانية الخارجية" المعروفة اختصارا بـ "أم آي 6"، غير أن صحيفة "التلغراف" علمت أن الجهاز، ومع عدد من الوكالات الأمنية الأميركية، يُجرون مراجعة داخلية منهجية لكل المعلومات الحساسة التي تقاسموها مع الحلفاء الأوروبيين خلال الفترة المعنية، وأولوية هذه المراجعة حماية المصادر البشرية التي ربما تعرضت للخطر، ولم يتضح متى أبلغ المسؤولون الألمان نظراءهم بالاختراق، وإن كان المفهوم أن ذلك حصل قبل الاعتقالات، وفق الصحيفة البريطانية.
وقال ضابط الاستخبارات السابق في "أم آي 6"، ماثيو دن، إن الجهاز يجري بلا شك مراجعة أمنية ضخمة الآن، موضحاً أن المراجعة تتناول المعلومات التي تقاسمها مع شريك موثوق جداً، لمعرفة ما إذا كان شيء منها قد يكشف أنشطته والأشخاص المرتبطين به.
ووفق النيابة الألمانية فإن كثيراً من الوثائق كان مخصصاً للاستخدام الداخلي حصراً، ولا سيما الإحاطات الاستخباراتية التي تُرفع إلى رأس الجهاز، وكذلك فإن هانينغ وظّف المعلومات في عمله الاستشاري الخاص، وفي مرة واحدة في الأقل، استخدمها لصياغة تحليل موجه إلى ضابط في جهاز أمن أجنبي.
ونقلت مجلة "دير شبيغل" أن التحليل أُعد لمصلحة استخبارات أذربيجان، فيما أفادت وسائل إعلام ألمانية بأن المعلومات المسربة شملت تفاصيل عن البرنامج النووي الإيراني والجيش الروسي، ومواد سرية مصدرها أجهزة شريكة.
لا يُعرف إلى الآن أي من الوثائق التي تحمل بصمة بريطانية خرج من مبنى الجهاز الألماني، ولكن هانينغ لم يُدن بعد، ولم يصدر عنه أو محاميه، حتى إعداد هذه المادة، رد علني على الاتهامات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشير معطيات النيابة نفسها إلى أن معظم ما تسرّب اُستخدم في عمل استشاري تجاري، ولا تشير إلى عمليات تجسس منظمة لمصلحة دولة معادية، وكذلك يطمئن ماثيو دن إلى أن تقاسم المعلومات بين الأجهزة يخضع عادة لـ "ضوابط وتوازنات تلقائية"، ومن هذه الضوابط تنقية المعلومات من كل ما يدل على مصادرها قبل إرسالها إلى الشريك، وإذا صح ذلك فقد لا تكون الوثائق التي مرّت عبر مكتب رئيس الجهاز الألماني كافية وحدها لكشف هوية عميل بريطاني في موسكو أو طهران.
لكن هذه الطمأنة لها حدود، فمدير مكتب الرئيس، بحكم موقعه، كان يملك وصولاً واسعا إلى كل ما يتلقاه الجهاز، ثم إن تجميع تقارير متفرقة على مدى 16 عاماً قد يكشف ما لا تكشفه وثيقة منفردة، فطبيعة المعلومة وتوقيتها وموضوعها قد تكفي محللاً محترفاً لتضييق دائرة المصادر المحتملة، ولهذا تتقدم حماية العملاء على كل اعتبار آخر في المراجعة البريطانية.
لا تبدأ جذور القلق البريطاني مع هذه القضية، فجهاز "بي أن دي" عرف اختراقات سابقة، أبرزها اعتقال أحد موظفيه في ديسمبر (كانون الأول) 2022 للاشتباه في نقل معلومات إلى روسيا، وألمانيا ليست عضواً في تحالف "العيون الخمس" الذي يجمع بريطانيا وأميركا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، ولذلك يمر ما يُتقاسم معها عادة عبر مصاف أكثر صرامة، ومع ذلك تعمقت العلاقة البريطانية الألمانية خلال الأعوام الأخيرة، تحت ضغط الحرب في أوكرانيا، وتوجت باتفاق "ترينيتي هاوس" الدفاعي الموقع في أكتوبر (تشرين الأول) 2024.
وفي مقابلة مع "التلغراف" عام 2024، وصف هانينغ بلاده بأنها ساذجة، وقال إن عليها أن تستيقظ لأنها في صراع مع روسيا، لكن موقع "ذي إنسايدر" الاستقصائي أفاد بأنه زار روسيا سبع مرات في الأقل بين عامي 2015 و2019، وغالباً ما اقتصرت الزيارة على يوم واحد في موسكو، بينما أفادت تقارير لاحقة بأنه واجه شبح الإفلاس، وهو تفصيل يمنح الدافع المالي الوارد في رواية النيابة وزناً إضافياً.
وفي عام 2018، حذّر عبر صحيفة "بيلد" من تبادل المعلومات مع جهاز الاستخبارات النمسوي، وقال حينها إن الحذر واجب مع أجهزة لا تستطيع حماية أسرارها وأسرار شركائها ومصادرهم.