Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مادونا... سيرة جسد

استخدمته أداة تعبير وتمرد وسلطة عبر خمسة عقود متعاقبة من التاريخ الثقافي الأميركي

لم تكن مادونا تستعرض جسدها بل كانت تستعرض سلطتها عليه (اندبندنت عربية - علاء رستم)

ملخص

في عالم موسيقى البوب، وفي الثقافة الشعبية كلها، ستبقى هذه هي قصتها دائماً، امرأة اخترعت نفسها مراراً، لتصل في النهاية إلى الاختراع الأصعب على الإطلاق، أن تتصالح مع فكرة أنها، مثل الجميع، فانية.

تفتح ساقيها على الأرض أمام آلاف العيون.لا أحد يصفق، لا أحد يتحرك، كأن القاعة بأكملها قررت أن تؤجل التنفس.صدريتها المعدنية، مخروطان حادان من تصميم جان بول غوتييه، تلمع تحت الضوء الأبيض وكأنها درع لا زينة، أو ربما إعلان حرب.

هي مادونا، في الـ31 من عمرها، وسط مسرح نيويوركي عام 1990، ضمن جولة "بلوند أمبيشن".ما يحدث على الخشبة ليس استعراضاً جسدياً، بل هو تحد علني لكل ما قيل للنساء عن أجسادهن: من يملك حق النظر إليها، ومن يملك حق السيطرة عليها.

في تورنتو، يقف رجال الشرطة خلف الكواليس بأوامر جاهزة للاعتقال بتهمة الفحش العلني بمجرد إسدال الستار.في مدن أخرى من الجولة نفسها، أساقفة يطالبون بإلغاء العرض، ومحطات تلفزيونية تقاطع الحفل بالكامل.هي تعرف كل هذا، ومع ذلك تمنح فعل الاستمناء الذي تحاكيه زمنه الكامل، كأن الجاذبية قانون يخصّ الآخرين وحدهم، لا يخصها هي.

لم تكن مادونا تستعرض جسدها، بل كانت تستعرض سلطتها عليه.وذلك، بالنسبة إلى كثر في ذلك الزمن، كان الجريمة الحقيقية.

بعد أكثر من ثلاثة عقود من تلك الليلة، وعلى بعد أمتار قليلة من الصخب ذاته الذي صنعته يوماً، تقف الأنثى نفسها، في الـ68 من عمرها، في حفل صغير أقيم في قلب "تايمز سكوير". ترفع ساقها فوق حاجز بلاستيكي شفاف يعلو الأرض 30 قدماً، لكنها هذه المرة تحرّك الحاجز أولاً بيدها، إلى الأمام والخلف، للتأكد من ثباته، قبل أن تسمح لنفسها بإكمال الحركة.

ثوانٍ معدودة لا أكثر، لم يلحظها معظم الحضور، لكنها كافية لتلخيص كل ما تغيّر في هذا الجسد، وكل ما بقي فيه على حاله.

 

 

بين اللحظتين، بين الجسد الذي لم يكن يتردد والجسد الذي بات يتفاوض، تكمن حكاية مادونا الحقيقية.ليست حكاية مغنية باعت مئات الملايين من التسجيلات، فهذا رقم يخبرنا بحجم النجاح من دون أن يفسر سببه. وليست حكاية فضائح متتالية، فهذه قراءة تختزل امرأة قضت خمسة عقود تفكك المسلمات وتعيد تركيبها.

إنها حكاية جسد واحد استُخدم أداة تعبير وتمرد وسلطة، عبر خمسة عقود متعاقبة من التاريخ الثقافي الأميركي، من صالات الديسكو في أواخر السبعينيات، إلى حروب الثقافة في التسعينيات، إلى عصر الهواتف الذكية والبث المباشر، من دون أن يعاصر فنان آخر كل هذه التحولات وهو في موقع الصدارة نفسه، متجدداً في كل مرة قبل أن تتجاوزه الموجة التالية.

لم تكن مادونا تستعرض جسدها، بل كانت تستعرض سلطتها عليه.وذلك، بالنسبة إلى كثر في ذلك الزمن، كان الجريمة الحقيقية.

 

وفي قلب هذا التجدد المستمر يكمن سؤال: لو لم تظهر مادونا كيف كان سيبدو عالم الموسيقى والصورة والجنس والدين في الثقافة الشعبية؟

من كان سيجرؤ على تقبيل قديس أسود البشرة أمام صلبان مشتعلة، ويخرج من الجدل أقوى مما دخل إليه؟ من كان سيحوّل كتالوغ نجمة بوب من مجرد ألبومات إلى إمبراطورية تجارية متكاملة، قبل أن تصبح كلمة "براند" مفهوماً متداولاً في صناعة الموسيقى نفسها؟

من كان سيمنح ثقافة صالات الرقص السوداء والمثلية في هارلم منصة عالمية، بكل ما في ذلك الفعل من سخاء وامتلاك في آن؟

هذا هو المفتاح الذي لا يلتفت إليه كثر حين يتحدثون عن مادونا بوصفها ظاهرة إعلامية أو آلة تسويقية محسوبة بدقة. صحيح أنها فهمت السلطة الإعلامية باكراً، وحوّلت صورتها إلى علامة تتجاوز الموسيقى، لكن ذلك الحساب البارد كان دائماً يقف على حافة هشاشة إنسانية عميقة، بدأت بفقدان الأم في الخامسة من العمر، ومرّت بفقدان أصدقاء بأكملهم في وباء الأيدز.

وتجددت أخيراً حين وجدت نفسها، في يونيو (حزيران) 2023، في غيبوبة طبية استمرت 48 ساعة، إثر عدوى بكتيرية كادت تنهي حياتها بصمت لا يشبه إطلاقاً الضجيج الذي رافق كل محطة أخرى من مسيرتها.

 

 

ولنفهم كيف وصل ذلك الجسد المتحدي إلى تلك الثواني المترددة فوق حاجز بلاستيكي في قلب مانهاتن، لا بد من أن نعود إلى حيث بدأ كل شيء، إلى مدينة صغيرة في ولاية ميشيغان، وطفلة في الخامسة من عمرها، تقف أمام سرير أمها المحتضرة، من دون أن تدرك بعد أن ذلك الفقدان سيصبح، على مدى الـ50 عاماً التالية، الوقود الخفي لكل حركة سترقصها، وكل رمز ديني ستستفزه، وكل صورة ستعيد اختراعها من العدم.

الطفولة والفقد المؤسس

وُلدت مادونا لويز تشيكوني في الـ16 من أغسطس (آب) 1958 في مدينة باي سيتي بولاية ميشيغان، لسيلفيو توني تشيكوني، المهندس والفيزيائي الذي عمل في الصناعات الدفاعية، ومادونا لويز فورتان، فنية الأشعة السينية من أصول فرنسية كندية.

كانت الأسرة تقيم في بلدة بونتياك، وحين وُلدت الطفلة كانت العائلة في زيارة لأقارب في باي سيتي، فحملت اسم مدينة لم تكبر فيها يوماً.بما أنها تحمل اسم والدتها نفسه، كان أفراد العائلة ينادونها "نوني الصغيرة"، تمييزاً بينها وبين الأم التي ستفقدها بعد أعوام قليلة.

هنا يكمن الحدث الذي يشكّل المفتاح الأول لفهم شخصيتها. في الأول من ديسمبر (كانون الأول) 1963، توفيت والدتها بسرطان الثدي، وكانت مادونا في الخامسة من عمرها فقط، الثالثة بين ستة أشقاء.

عادت إلى هذا الفقدان مراراً عبر عقود من مسيرتها الفنية، من أغنية " Oh Father في ألبوم "Like a Prayer"، إلى مقاطع من سيرتها المصورة عرضت فيها صوراً لوالدتها الراحلة، إلى تصريحها المتكرر بأنها كانت مستعدة للتخلي عن كل نجاحها مقابل استعادتها ولو للحظة.

هذا التكرار نفسه، لا الحادثة وحدها، هو ما يمنحنا الحق في قراءة الفقد بوصفه جرحاً تأسيسياً، لا مجرد واقعة سيرة ذاتية عابرة.

عاش الأطفال فترة موزعين بين أقارب مختلفين، إلى أن استقر الأب في روتشستر هيلز، ضاحية ديترويت، وجمع شمل العائلة مجدداً، قبل أن يتزوج لاحقاً من مربية المنزل.

نشأت مادونا في بيت كاثوليكي صارم، صلوات يومية، ومدارس تابعة للكنيسة، وانضباط لا يرحم. وهي التي ستصبح لاحقاً أكثر فنانات جيلها استفزازاً للرموز الدينية، لم تكن في طفولتها متمردة بالمعنى الواضح للكلمة، بل كانت، بحسب وصفها، فتاة وحيدة تبحث عن شيء ما، تلميذة مجتهدة تحصل على أعلى الدرجات من دون أن تضع المكياج أو تحلق تحت إبطيها كبقية الفتيات، لأنها كانت، ببساطة، تريد أن تكون شخصاً مهماً.

إنها حكاية جسد واحد استُخدم أداة تعبير وتمرد وسلطة، عبر خمسة عقود متعاقبة من التاريخ الثقافي الأميركي، من صالات الديسكو في أواخر السبعينيات، إلى حروب الثقافة في التسعينيات، إلى عصر الهواتف الذكية والبث المباشر، من دون أن يعاصر فنان آخر كل هذه التحولات وهو في موقع الصدارة نفسه.

كان الأب قد أدخلها دروس البيانو الكلاسيكي، لكنها أقنعته بالسماح لها بدراسة الباليه بدلاً من ذلك.وهناك التقت المعلم الذي غيّر مسار حياتها، كريستوفر فلين، الذي رأى فيها، أفضل تلميذة في الصف.

لم يكتفِ فلين بتعليمها الرقص، بل اصطحبها وهي في مراهقتها إلى ملهى ليلي مثلي في ديترويت، ووصفت مادونا تلك التجربة بأنها لحظة تحول حقيقية، إذ شعرت للمرة الأولى أنها ليست وحيدة في اختلافها، وأنه لا بأس أن تكون مختلفة عن البقية، وأنها ليست، كما كانت تخشى، "غريبة الأطوار".

توفي فلين لاحقاً بمضاعفات الأيدز عام 1990، بعدما أصبحت مادونا نجمة عالمية، وهو أول اسم في سلسلة طويلة من الأصدقاء الفنانين والمثليين الذين ستفقدهم على مدى الوباء، والذين شكّلوا المجتمع الذي تعلّمت منه حركاتها المميزة قبل أن تعيد تقديمها للعالم بوصفها اختراعها الخاص.

 

 

في المدرسة الثانوية في روتشستر آدمز، كانت مادونا تلميذة متفوقة وعضواً في فريق التشجيع، توازن بين انضباط الرقص وتمرد داخلي مكتوم، إلى أن تخرجت مبكراً في يناير (كانون الثاني) 1976، وحصلت على منحة رقص في جامعة ميشيغان.

لكن هذه المرحلة الأكاديمية لم تدم طويلاً، فبعد عامين فقط، وبتشجيع من معلمها، تركت الجامعة واتخذت القرار الذي وصفته لاحقاً بأنه أجرأ ما فعلته في حياتها، الانتقال إلى نيويورك وحيدة بـ35 دولاراً في جيبها، من دون أن تكون قد ركبت طائرة من قبل، ومن دون أن تعرف بعد أنها تسير نحو المدينة التي ستصنعها.

نيويورك والاختراع الأول

وصلت مادونا إلى نيويورك عام 1978 لتجد نفسها في شقة متواضعة بحي إيست فيليج، وهو حي لا يزال فقيراً ومحفوفاً بالجريمة قبل أن يتحول لاحقاً إلى قبلة الطبقة المبدعة.

عملت في وظائف متفرقة لتؤمن قوتها، عارضة أزياء لفنانين تشكيليين، جالسة في غرفة تبديل المعاطف بمطعم "راشان تي روم" الفاخر، ومشغّلة مصعد في مركز تجاري.

حصلت على منحة قصيرة للدراسة مع فرقة ألفن آيلي للرقص الحديث، ثم فرصة نادرة للعمل مع الكوريغرافية بيرل لانغ عام 1978 وذلك بعدما التقيا عام 1977 في ميشيغان قبل انتقالها إلى نيويورك، قبل أن تنتقل فترة وجيزة إلى باريس ضمن عرض الديسكو الذي قدمه المغني باتريك هيرنانديز، لكن الرقص وحده لم يكن كافياً لطموحها.

بعد عودتها إلى نيويورك، شكلت مع صديقها دان غيلروي فرقة روك تدعى "Breakfast Club"، ثم بعد انتهاء تلك العلاقة عادت إلى العمل مع الطبال ستيفن براي، الذي كانت قد تعرفت إليه سابقاً في ميشيغان، فأسسا معاً فرقة "إيمي"، وسجّلا شريطاً تجريبياً من أربع مقطوعات في مبنى "ميوزيك بيلدينغ" بمانهاتن، حيث كان الثنائي يقيم ويتدرب.

في مارس (آذار) 1981 وقّعت مادونا عقداً مع كاميل باربون، مديرة "غوثام ريكوردز"، لكن الشراكة الإدارية لم تدم طويلاً. كانت الليالي تنتمي لنادي "دانسيتيريا" في شارع ويست 21، حيث كانت مادونا ترتاد المكان لتحتفل وتكتشف ذاتها وتروج لشريطها لكل من يهمه الأمر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هناك، وفي مشهد فني صاخب امتزجت فيه موسيقى البانك بالهيب هوب الناشئ والفن التشكيلي المتمرد، تقاطعت طرقها مع جان-ميشيل باسكيات وكيث هارينغ وديفيد بيرن ونايل رودجرز وراقصي الهيب هوب الأوائل مثل كريزي ليغز، ومع فرقة "بي-52'س".

في هذا المناخ بالذات سلّمت مادونا شريطها التجريبي إلى الدي جي مارك كامينز في "دانسيتيريا"، الذي أُعجب بأغنيتها "إيفريبادي"، وبدأ معها علاقة عاطفية إلى جانب علاقة فنية، وأقنع شركة "ساير ريكوردز" بتوقيع عقد معها عام 1982.

صدرت أغنية "إيفريبادي" كأول إصدار منفرد لها عام 1982، وحققت نجاحاً في نوادي الدانس قبل أن يعرف كثر ملامح مادونا نفسها، إذ اعتقد البعض في البداية أنها فنانة سوداء بحكم طابع الأغنية.

توالت الأغاني المنفردة، ووصل الأمر إلى إصدار ألبومها الأول الذي حمل اسمها "مادونا" عام 1983، والذي ضم أغنيات ستصبح لاحقاً كلاسيكيات، " Holiday "، و" Borderline "، و" "Lucky Star".

لم يكن هذا الألبوم بعد إعلاناً عن نجمة عالمية مكتملة الملامح، لكنه أرسى القالب الذي ستبني عليه كل ما تلاه، صوت ديسكو-بوب لامع، وصورة بصرية جريئة، وحضور لا يمكن تجاهله.

اختراع نجمة البوب الحديثة

إذا كان ألبوم "مادونا" قد أثبت أنها تملك أذناً موسيقية للنجاح، فإن ألبومها الثاني " Like a Virgin" (1984) هو الذي حوّلها إلى ظاهرة، لم يكن الفارق موسيقياً بقدر ما كان بصرياً وأدائياً.

 

 

حين قدّمت الأغنية في أول حفل توزيع جوائز فيديو كليب لقناة "أم تي في"، ظهرت مرتدية فستان زفاف مع حزام كُتب عليه "بوي توي"، وتدحرجت على الأرض أمام الجمهور بطريقة استفزت المحافظين وأسرت الشباب في آن. هذه اللحظة تحديداً هي ما رسّخ القالب الذي ستكرره مادونا لعقود، جسد يستخدم رمزاً مقدساً (فستان الزفاف، البراءة المفترضة) ليقلبه رأساً على عقب، ثم يتحول الاستفزاز نفسه إلى وقود دعائي مجاني.

باع الألبوم أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتحولت مادونا خلال عامين فقط من مغنية ناشئة إلى صانعة موضة تُقلَّد ملابسها وأكسسواراتها في شوارع أميركا وأوروبا، ظاهرة أُطلق عليها اسم ""Wannabes، في إشارة إلى الفتيات اللواتي يرتدين الدانتيل والصلبان ويجمعن شعرهن كما تفعل مادونا.

كانت هذه اللحظة تحديداً هي ولادة "العلامة التجارية مادونا" بمعناها الحديث، قبل عقود من أن يصبح هذا المصطلح جزءاً من قاموس صناعة الموسيقى.

في فبراير (شباط) 1985، وأثناء تصوير فيديو كليب أغنية " Material Girl"، التقت مادونا الممثل شون بن، الذي كان قد شارك في دور صغير ضمن الفيديو.

تزوجا في الـ16 من أغسطس العام نفسه، في عيد ميلادها الـ27، في احتفال أقيم في ماليبو بحضور أكثر من 200 مدعو، وسط مطاردة إعلامية استخدمت فيها الهيليكوبترات لالتقاط صور الحفل.

وفي العام نفسه خاضت مادونا تجربتها التمثيلية الأبرز في فيلم " Desperately Seeking Susan"، الذي حظي بإشادة نقدية لافتة أثبتت أن حضورها لا يقتصر على المسرح الموسيقي.

أما ألبومها الثالث "True Blue" (1986) فحمل أغنية " Papa Don't Preach" ، التي أثارت جدلاً من اتجاه مختلف تماماً عمّا اعتادته الصحافة، إذ تناولت الأغنية قصة مراهقة حامل تقرر عدم إجهاض جنينها، فاحتفت بها جماعات مناهضة للإجهاض بينما انتقدتها منظمات تدافع عن حق المرأة في الاختيار.

هذا التناقض في ردود الفعل كشف باكراً عن سمة ستلازم مادونا طوال مسيرتها، قدرتها على إنتاج مادة فنية تُقرأ بطرق متعارضة تماماً بحسب موقع القارئ السياسي والاجتماعي، من دون أن تقدم هي نفسها إجابة حاسمة عن أي قراءة هي الصحيحة.

"أعرف أنني لست أفضل مغنية، وأعرف أنني لست أفضل راقصة، لكن ما يهمني هو استفزاز الناس وإثارة الجدل والانخراط في السياسة".

الجسد والدين كساحة معركة

في يناير 1989 وقّعت مادونا صفقة رعاية مع شركة "بيبسي" بقيمة 5 ملايين دولار، تضمنت استخدام أغنيتها الجديدة " Like a Prayer" في إعلان تلفزيوني، وهو ترتيب غير مسبوق في حينه.

عُرض الإعلان خلال حفل توزيع جوائز غرامي في فبراير (شباط) أمام نحو 250 مليون مشاهد حول العالم. لكن بعد أسابيع قليلة صدر الفيديو الرسمي للأغنية من إخراج ماري لامبرت، وفيه تشاهد مادونا جريمة قتل، ثم تلجأ إلى كنيسة يتحول فيها تمثال قديس أسود البشرة إلى رجل حي تقبّله وسط جوقة كنسية وصلبان مشتعلة في الخلفية.

 

 

اندلعت موجة احتجاجات دينية عالمية، ودعا البابا يوحنا بولس الثاني الإيطاليين إلى مقاطعتها، واضطرت "بيبسي" إلى سحب إعلانها نهائياً بعد عرضه مرتين فقط في الولايات المتحدة، في ما وُصف لاحقاً بأنه أحد أفدح الإخفاقات الإعلانية في التاريخ.

لم تتراجع مادونا، بل حين تسلمت جائزة اختيار الجمهور عن الفيديو ذاته في حفل "أم تي في" لذلك العام، الذي كانت "بيبسي" نفسها راعيته، قالت من على المسرح إنها تشكر "بيبسي" لأنها تسببت في كل هذا الجدل.

في العام التالي واجهت جولتها "بلوند أمبيشن" مقاطعة مماثلة من الفاتيكان بسبب مشاهد محاكاة الاستمناء على المسرح، فألغت أحد عرضيها في روما، بينما هُدّدت بالاعتقال في مدن أخرى بتهمة الفحش العلني.

وثّق فيلم "Truth or Dare" (1991) كواليس تلك الجولة، وأصبح أعلى الأفلام الوثائقية إيراداً حتى عام 2004، كاشفاً جانباً إنسانياً هشاً خلف الصورة المتحدية، وبخاصة في علاقتها العاطفية والإنسانية بمجموعة راقصيها، غالبيتهم من الرجال المثليين.

بلغت هذه المرحلة ذروتها عام 1992 بمزدوجة " Erotica" و"Sex"، إذ أصدرت في اليوم نفسه تقريباً ألبومها الخامس وكتاباً مصوراً فاخراً غلافه معدني، جمعت فيه صوراً جريئة لنفسها ولشخصيات مثل نعومي كامبل وفانيلا آيس وإيزابيلا روسيلليني، بأسلوب استلهمته من مصورين مثل هيلموت نيوتن وروبرت مابلثورب.

باع الكتاب 150 ألف نسخة في يومه الأول بالولايات المتحدة وحدها، ونفد طبعه الأول البالغ مليوناً ونصف المليون نسخة خلال أيام، على رغم حظره في الهند وإيرلندا واليابان وبعض الولايات الأسترالية.

المهم توثيقياً أن هذه الموجة من الاستفزاز الجسدي لم تكن معزولة عن سياقها، فقد تزامنت مع ذروة وباء الأيدز الذي كان قد حصد بحلول ذلك التاريخ كيث هارينغ نفسه، والمصور روبرت مابلثورب، وعدداً متزايداً من جمهور مادونا ومعارفها المقربين، من بينهم راقصها غابرييل تروبين.

لا يُقاس إرث مادونا الحقيقي بـ300 مليون تسجيل مبيع، ولا أنها الفنانة الأكثر مبيعاً بين النساء في تاريخ الموسيقى الشعبية

 

هذا السياق يمنح موضوع الجسد والفناء في تلك الحقبة عمقاً سياسياً حقيقياً لا استعراضياً محضاً، فقد كانت مادونا من أوائل المشاهير الذين جمعوا التبرعات لأبحاث الأيدز ودافعوا علناً عن مجتمع الميم في وقت كانت فيه وصمة المرض لا تزال قاسية.

على الصعيد الشخصي، انتهى زواجها من شون بن رسمياً عام 1989 بعد سلسلة من محاولات الطلاق المتقطعة بدأت عام 1987، ورافقتها تقارير صحافية عن حوادث عنف نفتها مادونا لاحقاً تحت القسم عام 2015 حين شهدت لمصلحته في قضية تشهير.

وبعد الانفصال، ارتبطت لـ15 شهراً بالممثل وارن بيتي إبان تصوير فيلم "ديك تريسي" (1990)، في علاقة وُصفت بأنها استعراضية بقدر ما كانت عاطفية، وانتهت بصمت فور انتهاء الترويج للفيلم.

 

 

أنا واعية أن الفاتيكان وبعض الجماعات تتهم عرضي بالخطيئة والتجديف، وتحاول منع الناس من مشاهدته، لكنني أعتقد أن من يفهم حقاً ما أفعله لن يجد فيه إساءة.

النسوية المتناقضة والاستملاك الثقافي

حين أصدرت أغنية " Vogue" عام 1990، استعارت مفردات الرقص من ثقافة صالات "البول" (Ball) في هارلم، وهي فعاليات نشأت داخل مجتمعات سوداء ولاتينية ومثلية كملاذ بديل عن مجتمع كان يرفضها.

استعانت مادونا بشخصيات بارزة من ذلك المشهد، مثل خوسيه ولويس إكسترا فاغانزا، لتصميم رقصات جولة "بلوند أمبيشن" وأدائها إلى جانبها، مما منح تلك الثقافة الفرعية منصة عالمية غير مسبوقة، وحوّل مصطلح "الفوغينغ" من لغة حلبة صغيرة في هارلم إلى ظاهرة عالمية.

لكن في المقابل، لاحظ نقاد أن فيديو الأغنية نفسه احتوى على قدر محدود جداً من حركات "الفوغينغ" الأصيلة، واستبدلها في جزء كبير منه بقائمة من أسماء نجمات ونجوم هوليوود البيض التي تستحضرها مادونا في المقطع المنطوق. صاغت الناقدة بيل هوكس هذا النقد في مقالتها الشهيرة عام 1992 التي وصفت فيها مادونا بأنها تتقمص موقع "السيدة البيضاء في المزرعة"، محذرة من أن توظيف مادونا لرموز الثقافة السوداء يكرّس ديناميكيات استغلال أكثر مما يفككها، وأن كثيراً من النساء السوداوات الناضجات اللواتي تحدثت إليهن هوكس لم يجدن في مادونا أيقونة تستحق الاحتفاء، بخلاف الجيل الأصغر سناً الذي لم يختبر بعد وطأة العنصرية بالقدر ذاته.

في الطرف المقابل من هذا النقاش، دافعت الناقدة كاميل باغليا عن مادونا في مقالة مؤثرة عام 1990 بوصفها "مستقبل النسوية"، معتبرة أن قدرتها على ممارسة جنسانيتها كاملة مع احتفاظها بسيطرة تامة على قرارها وصورتها يمثلان نموذجاً تحررياً يتجاوز النسوية التقليدية الحذرة من الجسد.

أما داخل مجتمع الميم نفسه، فالآراء منقسمة أيضاً، إذ يرى بعض صانعي مسلسل " Pose"، الذي يوثق ثقافة صالات هارلم، أن مادونا لم تستملك الثقافة بقدر ما وفرت لها منصة عالمية عبر توظيف فنانين حقيقيين من الحلبة نفسها، وأنها حاولت جاهدة أن تكون سنداً لهذا المجتمع، حتى وإن عجزت عن محو التمييز الذي لا يزال يلاحقه.

 

 

هذا التوتر بين التمكين والاستغلال يمتد إلى علاقة مادونا بالنسوية عموماً، فهي المرأة التي غنّت عن حقها في ممارسة جنسانيتها بلا خجل، وواجهت في المقابل اتهامات بتسليع جسدها لمصلحة مبيعات الألبومات.

لخّصت هي هذا التناقض بنفسها خلال خطابها عند تسلّمها جائزة "امرأة العام" من مجلة "بيلبورد" عام 2016، حين قالت إن أكثر ما فعلته إثارة للجدل، وأشد ما واجهته من تمييز على أساس النوع والعمر معاً، هو ببساطة أنها بقيت حاضرة في الصدارة حتى اليوم، بينما رحل من حولها كثر.

آلة إعادة الاختراع

بعد أعوام من الاستفزاز المتصاعد، اتخذت مادونا منعطفاً غير متوقع عام 1996 حين جسّدت شخصية إيفا بيرون في الفيلم الموسيقي " Evita"، وهو دور خضعت من أجله لتدريب صوتي مكثف غيّر طبقة غنائها بصورة جذرية، ودخلت في خلافات فنية مع المنتج أندرو لويد ويبر أثناء التصوير.

اكتشفت خلال هذه الفترة أنها حامل بطفلتها الأولى لورديس، التي أنجبتها من صديقها ومدربها الرياضي كارلوس ليون في سبتمبر (أيلول) 1996، ووصفت الحدث بأنه "أعظم معجزة في حياتي".

حصلت عن دورها في الفيلم على جائزة "غولدن غلوب"، وفازت أغنية " You Must Love Me " من الفيلم بجائزة الأوسكار لأفضل أغنية أصلية.

شكّل ألبوم " Ray of Light" (1998) نقطة تحول موسيقية وروحية في آن، إذ انعكست فيه دراستها المتزايدة للكابالا، وهي تقليد يهودي صوفي، إلى جانب تأثرها بالثقافة الهندية وموسيقى الإلكترونيك البريطانية.

حصد الألبوم إشادة نقدية واسعة وثلاث جوائز غرامي، وأثبت لمنتقديها أنها لا تزال قادرة على استباق الاتجاهات الموسيقية بدل مجرد ركوبها. أنجبت ابنها روكو عام 2000 من زوجها الثاني المخرج البريطاني غاي ريتشي، الذي تزوجت منه في ديسمبر من العام نفسه في اسكتلندا، بعدما التقيا في حفل خاص أقامه المغني ستينغ وزوجته.

توالت محطات إعادة الاختراع، ففي عام 2005 أصدرت ألبوم " Confessions on a Dance Floor "، الذي أنتجه بصورة أساسية ستيوارت برايس، وضم أغنية " Hung Up" التي استعارت لحناً من فرقة "آبا" السويدية، وأصبحت جولتها المصاحبة أعلى الجولات إيراداً لفنانة منفردة في حينه.

 

 

في العام نفسه تقريباً، تبنّت مادونا وريتشي الطفل ديفيد باندا من مالاوي عام 2006، بداية لالتزام إنساني ممتد أسّست من خلاله مؤسسة "رايزينغ مالاوي" الخيرية، التي بنت بحلول عام 2013، 10 مدارس علّمت 4 آلاف طفل. انتهى زواجها من ريتشي بالطلاق عام 2008 بعد نزاع لاحق حول حضانة ابنهما روكو.

واصلت مادونا التبني منفردة بعد الطلاق، فتبنّت الطفلة مرسي جيمس عام 2009، ثم التوأمين إستير وستيل عام 2017. على الصعيد الفني، أصدرت " Hard Candy" (2008) بالتعاون مع جاستن تيمبرليك وتيمبالاند وفاريل ويليامز، وحققت جولتها "ستيكي أند سويت" أرقاماً قياسية جديدة.

في 2012 أصدرت " MDNA"، وفي 2015 " Rebel Heart"، وسط نزاع قانوني مع ريتشي حول حضانة روكو الذي اختار البقاء مع والده في لندن. وفي خطابها عند تسلّم جائزة "امرأة العام" من "بيلبورد" عام 2016، انتقدت بصراحة التمييز ضد كبار السن، وخصوصاً النساء، في صناعة الموسيقى.

 

 

أما ألبومها " Madame X" (2019)، الاسم الذي أطلقته عليها معلمتها الأولى في الرقص الحديث مارثا غراهام قبل عقود، فحمل توجهاً سياسياً أكثر وضوحاً وتأثراً بالموسيقى اللاتينية، وضم أغنية "ميديين" مع الفنان الكولومبي مالوما.

لكن هذا الألبوم شهد أيضاً واحدة من أكثر لحظات مادونا حدة في التعامل مع أسئلة العمر، حين ردت بغضب على سؤال طرحته الصحافية فانيسا غريغورياديس لمصلحة "نيويورك تايمز" حول الشيخوخة، ثم هاجمتها لاحقاً عبر "إنستغرام" قائلة إن الحديث معها جعلها تشعر وكأنها تعرضت للاغتصاب، وهي الحادثة التي تكشف، مقارنة بموقفها اللاحق بعد عام 2023، حجم التحول الذي طرأ على علاقتها بفكرة التقدم في العمر.

الجسد الفاني

في يونيو 2023، عُثر على مادونا فاقدة الوعي في شقتها بنيويورك، ونُقلت إلى وحدة العناية المركزة إثر عدوى بكتيرية حادة أدخلها الأطباء في غيبوبة طبية استمرت 48 ساعة.

تحدثت لاحقاً عن الحادثة بقولها إنها نسيت خمسة أيام من حياتها، أو من موتها، على حد تعبيرها. اضطرت إلى تأجيل جولتها "احتفال" التي كانت تستعرض فيها مسيرتها الممتدة على مدار أربعة عقود، لتنطلق أخيراً بعد التعافي.

 

 

توالت بعدها الخسارات الشخصية بوتيرة لافتة، إذ توفيت زوجة أبيها بالسرطان عام 2024، ثم فتك المرض نفسه بشقيقها كريستوفر تشيكوني، الرجل المثلي الساخر الذي كان في أوقات مختلفة أقرب أصدقائها وألد خصومها، بعد شهر واحد فقط من وفاة زوجة الأب.

وكان شقيقها الأكبر أنتوني قد رحل قبل ذلك بأشهر قليلة، لتجد نفسها آخر من تبقى تقريباً من جيل ذهبي من نجوم البوب ضم أيضاً برنس ومايكل جاكسون وويتني هيوستن، رحلوا جميعاً بينما بقيت هي وحدها صامدة.

على المسرح، تحوّلت جولة "احتفال" (2023-2024) إلى طقس استعادي نادر لفنانة قالت يوماً إنها تكره سماع أغانيها القديمة على الإذاعات، فأعادت فيها تقديم أغانيها الأصلية بحضور ابنتيها، لورديس التي أدت معها رقصة "فوغ"، ومرسي جيمس التي عزفت على البيانو.

في المقابل، توقف مشروع فيلمها السيرة الذاتية، الذي كانت تعمل عليه بالاشتراك مع كاتبة السيناريو ديابلو كودي، وسط توتر واضح ظهر في بث مباشر عبر "إنستغرام" كشف خلافات حول بنية القصة نفسها وحول من يملك الحق في سرد حياة مادونا، هي أم كاتبة السيناريو.

بلغت هذه المرحلة ذروتها الفنية في الثالث من يوليو (تموز) الجاري، مع صدور ألبومها الـ15 "Confessions II"، الجزء الثاني من ثنائية بدأت بألبومها الشهير قبل 21 عاماً.

حمل الألبوم إشارات متكررة إلى بداياتها في نيويورك، فأغنية "Danceteria" استعادت اسم النادي الذي اكتشفت فيه نفسها، بينما استحضرت أسماء الفنانين باسكيات وهارينغ وديفيد بيرن.

لكن هذه العودة إلى الماضي جاءت مشبعة بالحزن، ففي أغنية " Fragile"، المستوحاة مباشرة من وفاة شقيقها كريستوفر، افتتحت المقطوعة بعبارة منطوقة حزينة تقول إن الطاقة لا تموت، بل تعبر بوابة وحسب، ومع ذلك يبقى الفقدان صعباً. وفي دويتو مؤثر مع ابنتها لورديس بعنوان " The Test"، تغني مادونا عن إدراكها المتأخر لحجم أثر شهرتها في أبنائها. وتعترف قائلة، "أحياناً أظن أنك تتمنين لو أنني أرحل".

وفي الثامن من يوليو الجاري، وقفت مادونا مجدداً على أضخم منصة عالمية ممكنة، ضمن حفل استراحة نهائي كأس العالم لكرة القدم، إلى جانب شاكيرا وفرقة "بي تي أس" وجاستن بيبر، في مشهد يختصر، ربما أفضل من أي كلمات، جوهر ما ظلت تفعله مادونا طوال نصف قرن: أن تبقى في قلب الحدث الأكبر في العالم، مهما تغيّر شكل ذلك الحدث ومهما تغيّر شكلها هي.

الإرث

لا يُقاس إرث مادونا الحقيقي بـ300 مليون تسجيل مبيع، ولا أنها الفنانة الأكثر مبيعاً بين النساء في تاريخ الموسيقى الشعبية، على رغم أن هذه الأرقام تظل دليلاً مادياً مساعداً لا غنى عنه لأي أطروحة عن استمراريتها.

يكمن الإرث الحقيقي في السؤال الذي طرحناه في مقدمة هذه السيرة: ماذا كان سيبدو مختلفاً في عالم الموسيقى والفن والصورة الشعبية لو لم تظهر مادونا؟

الإجابة، بقدر ما تحتمل الإيجاز، هي أن كل فنانة أتت بعدها ورثت جزءاً من مفرداتها، سواء اعترفت بذلك أم لا. بيونسيه ولايدي غاغا وبريتني سبيرز وتايلور سويفت جميعهن يعملن داخل مساحة وسّعتها مادونا أولاً، مساحة يمكن فيها لنجمة البوب أن تملك سرديتها الجنسية والدينية والسياسية كاملة، وأن تحوّل صورتها إلى مشروع فني متكامل لا مجرد ملحق تسويقي للموسيقى.

هذا لا يعني أن مادونا اخترعت هذه الأفكار من العدم، فهي استعارت كثيراً من ثقافة الميم ومن الفن التشكيلي ومن الموسيقى السوداء، وهذه الاستعارة ذاتها، بما تحمله من سخاء وامتلاك في آن، جزء لا يتجزأ من إرثها المتناقض، لا استثناء منه.

في نهاية المطاف، تعيدنا مادونا إلى الصورتين اللتين افتتحنا بهما هذه السيرة، الجسد الذي لا يتردد في "بلوند أمبيشن"، والجسد الذي يتفاوض بحذر فوق حاجز بلاستيكي في "تايمز سكوير".

الفارق بين الصورتين ليس ضعفاً طرأ على أسطورة، بل هو، ربما، أصدق ما قدّمته مادونا لجمهورها في نهاية مسيرتها، اعترافاً بأن حتى أكثر الأجساد تحدياً للجاذبية سيتفاوض معها يوماً ما.

وفي عالم موسيقى البوب، وفي الثقافة الشعبية كلها، ستبقى هذه هي قصتها دائماً، امرأة اخترعت نفسها مراراً، لتصل في النهاية إلى الاختراع الأصعب على الإطلاق، أن تتصالح مع فكرة أنها، مثل الجميع، فانية.

اقرأ المزيد

المزيد من بيوغرافيا