ملخص
يرى الكاتبان أن إضعاف إيران عسكرياً يفتح نافذة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر تحالف أميركي -إسرائيلي أوسع، واحتواء وكلاء طهران، وتعزيز الشراكات العربية. لكن نجاح هذا المسار يتطلب استمرار الضغط، وبناء نظام إقليمي جديد، ومعالجة القضية الفلسطينية ضمن نهج تدريجي.
في أوائل عام 2024، كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في أوج قوتها، فهي كانت القوة الخارجية المهيمنة في أربع دول في الشرق الأوسط هي العراق ولبنان وسوريا واليمن، وكانت صواريخها ووكلاؤها المسلحون يهددون الدول العربية. أما إسرائيل، العدو الرئيس لطهران، فكانت قد تضررت من هجوم "حماس" في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وكانت تخوض حرباً على سبع جبهات ضد وكلاء إيران. وكان البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية يقترب بثبات من إنتاج سلاح نووي، مع قيام المسؤولين الإيرانيين بتخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المئة وتوسيع قدراتهم على إنتاج الصواريخ الباليستية. وفجأة، بدا أن شعارات النظام القديمة مثل "الموت لإسرائيل" و"الموت لأميركا" أصبحت تحمل معنى أكبر بكثير. وبدت إيران قريبة من تحقيق سعيها المستمر منذ خمسة عقود، إلى أن تصبح أقوى دولة في العالم الإسلامي.
ثم، في أبريل (نيسان) 2024، استهدفت إسرائيل مبنى يستخدم لاجتماعات "فيلق القدس" يقع بجوار مجمع السفارة الإيرانية. وكان هذا المرفق بمثابة المقر العملياتي للعميد محمد رضا زاهدي، قائد عمليات الحرس الثوري الإسلامي في سوريا ولبنان، والمسؤول عن تنسيق الأنشطة الإرهابية المدعومة من إيران ضد إسرائيل. وردت إيران بمهاجمة إسرائيل مباشرة، لكن في الأشهر التي تلت ذلك، اتضح سريعاً أن ثقة طهران السابقة بنفسها كانت في غير محلها، إذ كان النظام أكثر هشاشة مما بدا عليه. وتمكنت إسرائيل، إلى جانب فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، من اعتراض معظم الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية، ثم دمرت إسرائيل أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية. كما وجهت القوات الإسرائيلية ضربة قاسية لـ"حزب الله"، أقوى وكلاء إيران، من خلال قتل زعيمه المخضرم، وتدمير كثير من أسلحته. وفي يونيو (حزيران) 2025، شنت إسرائيل ضربة عسكرية على المواقع النووية الإيرانية ومنشآت الصواريخ الباليستية. وبالتعاون مع واشنطن، قصفت إسرائيل ودفنت جزءاً كبيراً من اليورانيوم المخصب الإيراني. وفي فبراير (شباط) من هذا العام، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل مجدداً في حرب مع إيران، مما ألحق أضراراً جسيمة إضافية بالبنية التحتية العسكرية والأمنية للنظام، وأدى إلى استهداف صناعاته الدفاعية، وتصفية شخصيات بارزة على أعلى المستويات، بمن في ذلك المرشد الأعلى السابق علي خامنئي ونائبه الأبرز علي لاريجاني.
لكن على رغم هذه النجاحات، ليس جميع من في الولايات المتحدة راضين. في الواقع، يعتقد عدد من المحللين الأميركيين أن الصراع قد أهدر موارد الولايات المتحدة في ما يرجح أن يكون محاولة فاشلة لتغيير النظام الإيراني. ويرى بعضهم أيضاً أن الحرب اندلعت بناء على طلب الإسرائيليين، وأن الصراع قد أضر بسمعة الولايات المتحدة واستنزف ذخائرها من أجل إضعاف دولة تشكل تهديداً رئيساً لمدن حيفا والقدس وتل أبيب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
غير أن هذه الاعتراضات خاطئة، فهذا لم يكن صراعاً اختيارياً. لقد أعلنت إيران الحرب على الولايات المتحدة (التي تسميها بـ"الشيطان الأكبر") منذ اللحظة التي نشأت فيها الجمهورية الإسلامية، عندما اقتحم أنصار النظام السفارة الأميركية واحتجزوا 66 دبلوماسياً رهائن لأكثر من عام. ومنذ ذلك الحين، قتلت طهران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، آلاف الجنود الأميركيين. وحتى في حالته الضعيفة، لا يزال النظام يشكل تهديداً لمصالح واشنطن، كما أن منتقدي هذه الحرب الأخيرة يتجاهلون نجاحها. فمن خلال إضعاف النظام المتشدد في إيران بصورة كبيرة، أتاح الصراع فرصة للمسؤولين الأكثر براغماتية لتولي زمام الأمور، مع تعزيز ثقة قوى المعارضة الداخلية ودورها. وقد سرع هذا الصراع من تشكيل تحالف واسع مناهض لإيران يضم إسرائيل والولايات المتحدة ودولاً عربية رئيسة وبعض الدول الأوروبية. بعبارة أخرى، مهد الطريق لشرق أوسط أفضل.
لكن هذا لا يعني أن مستقبلاً إيجابياً سيكون مضموناً، ففي طهران لا يزال المتشددون يقاتلون للحفاظ على هيمنتهم، كما أن مكانة إسرائيل الإقليمية تحتاج إلى إعادة تأهيل بعد حرب غزة التي أضعفت الثقة بين تل أبيب والدول العربية. ولهذا، يجب على إسرائيل تعميق تعاونها مع الولايات المتحدة. وعلى البلدين دمج قاعدتيهما الدفاعيتين واستخدام قوتهما المشتركة لمهاجمة إيران إلى أن تجرد من قدرتها على تهديد جيرانها. كما ينبغي لهما تقديم المساعدة والحماية بصورة مشتركة للدول العربية التي لا تعاني تهديدات طهران فحسب، بل أيضاً من تحديات بيئية واقتصادية متعددة. ومن خلال القيام بذلك، يمكنهما أن تثبتا للدول العربية أن الخيار الأكثر أماناً هو الشراكة معهما، بدلاً من التقارب مع إيران أو الصين أو روسيا.
إنجاز المهمة
لسنوات، تمحور نهج الولايات المتحدة تجاه إيران حول العقوبات والدبلوماسية التي لم يكن لها تأثير يذكر. ولكن عندما عاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمنصبه في يناير (كانون الثاني) 2025، قرر التحلي بالشجاعة ومهاجمة النظام. وتتمثل أهداف إدارته في تدمير قدرات إيران في مجال الصواريخ الباليستية وقاعدتها الصناعية، ومنعها من تهديد الممرات المائية الإقليمية والبنية التحتية للطاقة، والحيلولة من دون أية اندفاعة نووية مستقبلية، وتقليص قدرة طهران بصورة حادة على تمويل القوات الوكيلة وتسليحها وتوجيهها في مختلف أنحاء المنطقة. وتجسد هذه الأهداف أولويات أميركية راسخة، تتمثل في استقرار الشرق الأوسط، ومنع الانتشار النووي، والحفاظ على حرية الملاحة.
وإسرائيل، بطبيعة الحال، تشارك الولايات المتحدة هذه الأجندة. لكنها لم تسع إلى إقصاء الدور الأميركي، بل عملت على تعزيزه. فقد ساعدت القوات الإسرائيلية في حماية الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين، من خلال تبادل المعلومات الاستخبارية وتنفيذ ضربات ضد برنامج الصواريخ الإيراني. وبهذا، قاتلت جنباً إلى جنب مع القوات الأميركية كما لم تفعل أية دولة منذ الحرب العالمية الثانية، على رغم أنها ليست حليفاً رسمياً بموجب معاهدة. وقد كشفت هذه الحملة عن أن إسرائيل تتجاوز دور المتلقي للحماية الأميركية، بل يمكنها، في ظل ظروف معينة، أن تكون شريكاً وثيقاً وفعالاً.
إسرائيل تتجاوز دور المتلقي للحماية الأميركية
لقد أدت الضربات الأميركية والإسرائيلية إلى تآكل جزء كبير من قدرة إيران على التدمير والإكراه، لكن ينبغي التأكد من أن إيران لا تستطيع إعادة بناء قدراتها. ولتحقيق ذلك، ستحتاج واشنطن إلى إنشاء نظام للتحقق والإنفاذ يمنع إيران من تصنيع أسلحة نووية وكيماوية وبيولوجية، ومن إعادة بناء قدراتها في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال العمل مع شركائها الإقليميين، الذين يتعاونون جميعاً تحت مظلة القيادة المركزية الأميركية، إلى جانب دول أخرى لها مصالح في الشرق الأوسط. كما يجب على واشنطن الحفاظ على أقصى درجات الضغط الاقتصادي على النظام الإيراني الحالي. وينبغي أن تستمر في فرض الحصار ومناطق الحظر الجوي لضمان ألا تعاود إيران تهديد المنطقة. وأخيراً، يجب أن تربط إسرائيل إنهاء هذه القيود بتفكيك طهران لبرنامجها النووي، وحل شبكاتها من الوكلاء بالكامل، ووقف دعمها للمنظمات الإرهابية، والتخلي عموماً عن جهودها الرامية إلى تصدير أيديولوجيتها الإسلامية الثورية، والاعتراف صراحة بوجود إسرائيل وبسيادة عدد من الدول العربية التي هاجمتها.
ويعد القضاء على وكلاء إيران أمراً بالغ الأهمية بصورة خاصة، فعلى مدى عقود تمكنت إيران من إحداث الفوضى في الشرق الأوسط من خلال تسليح وتمويل وتنسيق أطراف تعمل خارج السلطات المركزية، غالباً عن طريق الحرس الثوري الإسلامي. وتنفذ هذه الجهات هجمات من شتى الأنواع بناء على توجيهات طهران، مما يسمح للجمهورية الإسلامية بإحداث فوضى واسعة مع الحفاظ على قدر من الإنكار المعقول.
ومن أجل تفكيك شبكة إيران، يجب على إسرائيل وواشنطن إنشاء جهد إقليمي تدعمه الدول التي تعرضت لهجمات إيرانية خلال الحرب. وليس الهدف من هذه الحملة القضاء التام على "حزب الله" في لبنان، أو الحوثيين في اليمن، أو الميليشيات في العراق، بل ترك هذه المجموعات مشتتة ومقيدة لدرجة تعوق قدرتها على العمل، لا سيما خارج حدود بلدانها. كما يمكن لحملة أميركية إسرائيلية مكثفة إحداث شرخ بين هذه الجماعات وطهران، من خلال إظهار أن الإيرانيين، عندما تزداد الأمور سوءاً، لن يتمكنوا من إنقاذها. وهذا بدوره سيحيد أي تهديد محتمل لهذه المجموعات في المنطقة.
كما يتطلب إضعاف الجمهورية الإسلامية دعم شخصيات المعارضة الإيرانية التي تسعى إلى تغيير النظام، فقد صرح قادة أميركيون وإسرائيليون بأنهم يرغبون في رؤية قيادات جديدة في طهران، لكن أياً منهما، حتى تاريخ كتابة هذه المقالة، لم يجعل تغيير النظام هدفاً رسمياً. وينبغي لهما فعل ذلك في مرحلة ما بعد الحرب، ثم عليهما استخدام العمليات السرية، والضغط الاقتصادي، والحرب السياسية والإعلامية لزيادة الضغط على إيران، بهدف تعميق الانقسامات داخل النظام وتقويض قدرته على حماية عناصره الأمنية وعائلاتهم والنخبة الاقتصادية الإيرانية. وفي نهاية المطاف، يبقى تغيير النظام مهمة الشعب الإيراني، لكن بإمكان إسرائيل وواشنطن المساعدة في خلق الظروف التي يحتاج إليها مواطنو البلاد للقيام بذلك.
شركاء في المواجهة
إذا جرى إضعاف الجمهورية الإسلامية، فإن إسرائيل وواشنطن ستكونان قد مهدتا الطريق لبناء شرق أوسط جديد. ففي السنوات الأخيرة، شعر عدد من شركاء واشنطن في المنطقة بأنهم مضطرون إلى إقامة علاقات دبلوماسية مع طهران من أجل وقف الهجمات الدورية التي تشنها القوات الإيرانية ووكلاؤها. فقد أقامت حكومات الخليج العربي جميع أنواع الروابط الدبلوماسية والاقتصادية مع إيران في عشرينيات القرن الحالي، لكن أياً من هذه العلاقات لم يمنع طهران من قصف بلدانها. كما أن جهود دول الخليج لإقامة علاقات ودية مع الصين وروسيا، وهما الراعيان الرئيسان لإيران، قد فشلت في توفير الحماية. وبالتالي، أثبتت الحرب أن الولايات المتحدة لا تزال الطرف الخارجي الوحيد الموثوق لضمان الأمن في الشرق الأوسط.
في الواقع، تمثل الحملات المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في عامي 2025 و2026 نقطة تحول في الجهود الطويلة المبذولة لتقويض مكانة طهران الإقليمية، وقد أسهمت حملة 2026، المعروفة في إسرائيل باسم "زئير الأسد" وفي الولايات المتحدة باسم "الغضب الملحمي"، في استعادة الهيبة العسكرية الأميركية بعد سنوات خلصت فيها الجمهورية الإسلامية ووكلاؤها إلى أن واشنطن وحلفاءها الإقليميين غير مستعدين لتحمل تكاليف المواجهة المستمرة. وبعبارة أخرى، لم تعد إسرائيل والولايات المتحدة بحاجة إلى مزيد من الأدلة على نجاح جهودهما.
ويشير نجاح هذه الهجمات إلى أن الوقت قد حان لكي تتوقف واشنطن عن جعل علاقتها مع إسرائيل قائمة بصورة أساس على تقديم المساعدات العسكرية، وبدلاً من ذلك ينبغي للطرفين التركيز بالقدر نفسه على التكامل العملياتي والتعاون الصناعي. ولتحقيق ذلك، لا تحتاج الولايات المتحدة إلى زيادة المساعدات الأمنية، بل يكفيها أن تعيد توجيه تركيز مساعداتها تدريجياً بعيداً من تمويل شراء الأسلحة الأميركية، باتجاه تطويرها بصورة مشتركة. كما ينبغي أيضاً تعزيز مكانة إسرائيل داخل القاعدة الصناعية الأميركية من خلال تقليل العوائق السياسية والإجرائية، وتحويل القاعدة الصناعية الإسرائيلية إلى بيئة اختبار للابتكارات الدفاعية الأميركية. ومن شأن ذلك أن يمكن إسرائيل من حماية المصالح الأميركية في الشرق الأوسط بصورة أفضل، واختبار التقنيات العسكرية الأميركية الناشئة، مما يمنح واشنطن فهماً أعمق لمدى كفاءة أنظمتها في مواجهة خصومها المشتركين.
وينبغي لإسرائيل والولايات المتحدة توسيع نطاق تعاونهما ليشمل التقنيات المتقدمة، فالذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، وأشباه الموصلات، والعناصر الأرضية النادرة، والطاقة المتقدمة، كلها عناصر محورية في التنافس الجيوسياسي، وتحتاج الولايات المتحدة إلى دعم لتحقيق التفوق أو البقاء في الصدارة في كل من هذه القطاعات، ويمكن لإسرائيل تقديم هذا الدعم. فبفضل شعبها الذي يتمتع بمستويات تعليم عالية وشركاتها التقنية المتطورة، على سبيل المثال، يمكنها العمل مع الشركات الأميركية لتحقيق إنجازات رائدة في أمن الذكاء الاصطناعي، وتغليف أشباه الموصلات المتقدم، ومعالجة المواد الحيوية، واختبار أشكال الطاقة المتقدمة، والتقنيات المدعومة بالقدرات الكمومية.
إصلاح العلاقات
على رغم أن النجاح العسكري ضد إيران يمكن، بحد ذاته، أن يفتح الباب أمام شرق أوسط أفضل وأكثر استقراراً، إلا أنه لن ينشئ هذا النظام الإقليمي الجديد بمفرده. ولتحقيق ذلك، سيتعين على إسرائيل والولايات المتحدة ترجمة مكاسبهما التكتيكية والعملياتية إلى بنية سياسية جديدة تشمل الدول المحورية الأخرى في المنطقة، مثل البحرين ومصر والأردن والسعودية والإمارات العربية المتحدة، وربما حتى قبرص ولبنان.
لذلك، ينبغي لصناع السياسات في الولايات المتحدة وإسرائيل اعتماد استراتيجية تدريجية تهدف إلى تطوير إطار جديد للشرق الأوسط. ويجب أن تتمحور هذه الاستراتيجية حول مبادرة جديدة لـ"البحار الثلاثة" تضم دولاً على البحر الأبيض المتوسط، والبحر الأحمر، والخليج، وتعمل جميعها تحت قيادة أميركية. ويتمثل الهدف العام لهذه المبادرة في مواصلة الحملة ضد النظام الإيراني، ومواجهة القوى المتطرفة الأخرى، وصون الأمن الإقليمي، وتسريع التكامل الاقتصادي والسياسي والتكنولوجي عبر المنطقة.
وينبغي أن تكون الخطوة الأولى في هذه المبادرة هي إضفاء الطابع المؤسسي على الإطار الأمني الذي أنشأته الولايات المتحدة خلال الحرب، فعندما بدأت واشنطن هجماتها على إيران في أواخر فبراير الماضي، عملت مع شركائها في الشرق الأوسط على إنشاء منظومة متقدمة من أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي التي حمت جيران إيران. كما نسقت الولايات المتحدة جهودها في مجال الأمن البحري، وتبادلت المعلومات الاستخبارية، ونفذت جهوداً مشتركة لمكافحة الإرهاب مع إسرائيل والدول العربية وبعض الدول الأوروبية، مثل قبرص وفرنسا واليونان والمملكة المتحدة. وينبغي توسيع نطاق هذه الممارسات وإضفاء الطابع الرسمي عليها، لضمان استمراريتها بعد انتهاء هذه الجولة من القتال.
كذلك، يتعين على إسرائيل والولايات المتحدة ودول عربية إيجاد سبل للتعاون في مرحلة التعافي بعد النزاع، مثل تقديم العلاج للأطفال الذين تعرضوا لصدمات نفسية جراء القصف، وينبغي لها العمل معاً لتعزيز دفاعاتها السيبرانية. إضافة إلى ذلك، يجب معالجة بعض التحديات المتعلقة بالموارد التي تهدد استقرار الشرق الأوسط، مثل انعدام الأمن في مجالات الطاقة والغذاء والمياه. وتتمتع الولايات المتحدة بموقع فريد يمكنها من ربط رؤوس الأموال والبنية التحتية في دول الخليج العربية والابتكار الإسرائيلي والقوة الصناعية الأميركية، ضمن مشاريع مشتركة قادرة على معالجة هذه القضايا بنجاح. ومن شأن هذا التعاون أن يعزز القوى البراغماتية في المنطقة، ويضعف القوى المتطرفة التي تزدهر في بيئات الفقر وعدم الاستقرار، بما فيها إيران.
ويمكن لشراكة تكنولوجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب المساهمة الإسرائيلية في معالجة هذه التحديات، أن تساعد في استعادة مكانة الدولة اليهودية بين جيرانها. وبالتالي، يمكن أن تمهد هذه الشراكة الطريق للمرحلة النهائية من المبادرة: السعي إلى مواصلة تطبيع العلاقات العربية - الإسرائيلية، بمجرد أن تسمح الظروف بذلك. (ويشمل ذلك ظهور حكومة إسرائيلية جديدة ترى فيها الدول العربية شريكاً موثوقاً به وقادرة على اتخاذ قرارات بناءة، بما في ذلك في شأن القضية الفلسطينية). وبمجرد إبرام هذه الاتفاقات، فإنها ستقيد إيران، وتربط الشرق الأوسط بصورة أوثق بالولايات المتحدة في ظل التنافس بين القوى العظمى، وهو ما ينبغي أن يكون عليه الحال في المنطقة. وقد أظهرت الحرب أن واشنطن هي الضامن الأساس للأمن في الشرق الأوسط، وهي القوة الوحيدة القادرة على جمع إسرائيل والدول العربية ضمن إطار مشترك جديد.
وسيتعين على أي اتفاق للتطبيع أن يتناول القضية الفلسطينية، فلا تزال الدول العربية تولي اهتماماً لمستقبل الفلسطينيين، ولا يمكن تجاهل هذا الشعب. لكن ليس من الضروري أن يحل الاتفاق هذه القضية بصورة كاملة، إذ سيتعين على الحكومات العربية قبول أن التقدم من المرجح أن يتحقق من خلال نهج تدريجي ومؤسسي مشروط، كما هو موضح في خطة ترمب ذات النقاط الـ20 التي طرحها في شأن غزة، والهادفة إلى نزع سلاح القطاع، وإعادة تأهيله، ثم وضعه تحت إدارة كيان فلسطيني تكنوقراطي لا يشكل تهديداً لإسرائيل. وسيتعين على الجهة الحاكمة لاحقاً العمل على إزالة التطرف من سكان غزة والضفة الغربية، بما في ذلك تفكيك الشبكات المسلحة، وإنهاء الحوافز المادية للعنف، ومنع المؤسسات العامة من التحريض على الهجمات. وفي المقابل، ستحتاج إسرائيل إلى حرية تنفيذ عمليات أمنية في غزة والضفة الغربية حتى في حال حصولهما على الاستقلال.
ومن المستبعد أن يرضي هذا المسار الطويل والمتدرج أولئك الذين يسعون إلى حل فوري وجذري، لكنه الطريق الوحيد الممكن للمضي قدماً، ولحسن الحظ، فإن إضعاف إيران يجعل هذا المسار أكثر سهولة. فإذا لم تعد طهران قادرة على ضرب إسرائيل بحرية، أو تأجيج العنف على طول حدودها، أو دعم منظمات إرهابية مثل "حماس" و"الجهاد الإسلامي" (اللتين أسهمتا في إفشال كل عملية سلام منذ اتفاقات أوسلو عام 1993)، فإن المسؤولين الإيرانيين سيجدون صعوبة أكبر في عرقلة الجهود الدبلوماسية والسياسية الرامية إلى إيجاد حل.
حاضرون في لحظة التأسيس
إن الحرب مع إيران يحمل أبعاداً أكبر من مجرد المواجهة معها، فهي تتعلق بما إذا كان الشرق الأوسط يمكنه أخيراً أن يحظى بمستقبل مليء بالأمل. قد تبقى المنطقة عالقة بين صراعات متكررة بالوكالة، وضعف سلطة الدول، ودورات التعبئة الأيديولوجية، لكن وجود نظام أضعف بكثير في إيران يعني أن المنطقة قد تشهد استقراراً أكبر، وتصبح منظمة بصورة أفضل حول مصالح الدول والترتيبات الأمنية المدعومة من الولايات المتحدة والترابط الاقتصادي واندماج إسرائيل.
ولا يزال من السابق لأوانه الجزم بما إذا كان هذا السيناريو الإيجابي سيتحقق، فكثيراً ما تعد الحروب بتحولات استراتيجية لكنها في النهاية لا تحدث تغييراً يذكر، إلا أن اللحظة الراهنة قد أوجدت فرصة لم تكن متاحة منذ سنوات. وإذا اغتنمت إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج هذه الفرصة، فلن ينظر إلى الحملة الحالية على أنها مجرد فصل آخر في الصراع الطويل بين إيران وبقية المنطقة، بل ستذكر على أنها المعركة التي جلبت السلام أخيراً إلى الشرق الأوسط.
عاموس يدلين هو مؤسس ورئيس منظمة "مايند إسرائيل" MIND Israel، وهو لواء متقاعد في سلاح الجو الإسرائيلي، وشغل منصب رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في إسرائيل بين عامي 2006 و2010.
أفنير غولوف هو نائب رئيس منظمة "مايند إسرائيل"، وشغل بين عامي 2018 و2023 منصب مدير أول في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي.
مترجم عن "فورين أفيرز"، مايو (أيار) / يونيو (حزيران) 2026